LOGINتوقفت لحظة، ونظرت إلى الدب في انتظار رد لا يمكن أن يأتي، ثم تابعت بجدية جعلت الموقف أكثر طرافة: "وأقسم لك أنه لو كان لديك لسان، لطلبت مني الرحيل معه فورًا. أنت على الأقل لا تتعمد إغاظتي، ولا تتباهى بعضلاتك طوال الوقت!" في السرير، اضطر فهد إلى إطباق شفتيه بقوة كي لا تنفلت منه ضحكة مسموعة. كان يتظاهر بالنوم منذ بداية معركتها مع الأريكة، لكنه لم يتوقع أن ينتهي به الأمر منافسًا لدب محشو على لقب الرجل الأكثر احتمالًا في حياة عائشة. تابعت الفتاة شكواها، وهي تمرر أصابعها بين أذني مشمش الصغيرتين: "لا تقلق، لن أبقى هنا طويلًا. سأعود إلى غرفتي غدًا، وسأجعله يندم على كل ما فعله بي. سأحرمه من الحديث معي، ولن أنظر إليه حتى لو وقف أمامي طوال اليوم!" كاد فهد يضحك بصوت مرتفع عند تهديدها الأخير، لكنه تمكن من السيطرة على نفسه بصعوبة. كان يتخيل بالفعل كيف ستنفذ خطتها المزعومة، وكيف ستصمد أمام إغاظته لأكثر من خمس دقائق، لكنه قرر الاحتفاظ بتعليقاته لنفسه حتى لا يفسد متعته بمراقبتها. أما عائشة، فقد وضعت مشمش بجانبها، ثم سحبت الغطاء مرة أخرى وحاولت النوم. لم تمضِ دقائق حتى عادت تتقلب، وتضيق
"ماذا تفعل؟!" خرج صوت عائشة أعلى مما أرادت، وهي تدير وجهها نحو الجدار وكأنها شهدت جريمة للتو. أما فهد، فلم يبدُ عليه أدنى شعور بالذنب؛ بل أكمل فك الزر الأخير من قميصه، ثم خلعه وألقاه فوق سترته، كاشفًا عن صدر مفتول وكتفين عريضين وجسد يوحي بأن صاحبه لم يكن رجلًا اعتاد حياة المكاتب والاجتماعات وحدها. كان هناك شيء آخر جذب انتباهها رغم محاولتها اليائسة تجاهله؛ ندبة قديمة تمتد على الجانب الأيمن من صدره، أثر جرح عميق تركته سكين ذات يوم. لم تكن الندبة طويلة بما يكفي لتشوه جسده، لكنها كانت واضحة بما يكفي لتثير ألف سؤال عن الرجل الذي يقف أمامها، وعن نوع الحياة التي عاشها قبل أن يعود إلى المغرب بابتسامته المستفزة تلك. راقب فهد احمرار أذنيها باستمتاع، ثم سألها ساخرًا: "هل خلعت قميصي للتو أم ارتكبت جريمة تستوجب استدعاء الشرطة؟" تمتمت عائشة بانفعال، وهي تشد قبضتيها أمام صدرها وتواصل التحديق في الجدار: "أنت... أنت لا تشعر بالخجل أبدًا! ألا يمكنك ارتداء شيء؟" رفع حاجبيه، ونظر إلى نفسه قبل أن يعيد عينيه إليها، مجيبًا ببرود متعمد: "إنه جسدي فقط، وليس ستارًا في غرفة الضيوف، ثم إنني أريد النوم، ف
نهض فهد من مكانه دون تعليق، ثم قال وهو يشير لها بأن تتبعه: "تعالي." تجمدت في مقعدها للحظة، وسألته باستغراب: "إلى أين؟" أجابها ببساطة: "إلى غرفتك." وقفت ببطء، ثم تبعته دون أن تخفي امتعاضها. صعدا الدرج في صمت، وكانت عائشة تمشي خلفه وهي تنظر حولها بين الحين والآخر، وكأنها تبحث عن أي شيء يمكن أن تستعمله حجة لتطلب العودة. عندما وصل إلى الطابق العلوي، توقف فهد أمام أحد الأبواب وفتحه، ثم دخل أولًا والتفت إليها قائلًا: "ادخلي." خطت عائشة إلى الداخل، وما إن رفعت عينيها حتى توقفت فجأة. اتسعت عيناها بدهشة؛ فلم تكن الغرفة تشبه أي شيء توقعته. كانت واسعة، ذات ألوان داكنة وأثاث رجولي واضح، لا وجود فيها للألوان الناعمة أو التفاصيل التي اعتادتها في غرفتها. مكتب خشبي كبير، ومكتبة مرتبة بعناية، وأريكة جلدية، وستائر ثقيلة تحجب جزءًا من ضوء الحديقة. لكن ما جذب انتباهها أكثر كان اللوحة المعلقة على الجدار المقابل. اقتربت منها دون أن تشعر، وبقيت تحدق فيها للحظات. كانت لوحة ضخمة لفهد بري، مرسومًا فيها وهو ينقض على فريسة، بتفاصيل دقيقة إلى درجة جعلتها تشعر للحظة بأن عينيه في اللوحة تراقبانها فعل
"لن يجبرك أحد على فعل شيء يا عائشة، لكنني أريدك أن تدخلي إلى المنزل وتهدئي قبل أن نتحدث." رفعت ذقنها، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا رغم الارتجافة الصغيرة التي تسللت إليه، ثم ردت: "أنا هادئة، وأريد العودة إلى القصر." نظر إلى عينيها وقال: "أعرف أنك غاضبة مني." كررت الكلمة باستنكار، ثم أشارت إلى نفسها بيديها وكأنها لا تصدق ما تسمعه: "غاضبة؟ أنت تأخذني من دون أن تسألني، وتحضرني إلى مكان لا أعرفه، ثم تخبرني أنك لن تعيدني! هل تتوقع مني أن أصفق لك؟" كاد يبتسم عند سؤالها الأخير، لكنه تمالك نفسه حين رأى عينيها تلمعان بالدموع. خفض صوته وقال: "لا أطلب منك أن تسامحيني الآن." ردت بسرعة، وقد اشتد عبوسها: "جيد، لأنني لن أفعل!" توقف فهد للحظة، ثم أدرك أنها ليست مجرد فتاة غاضبة يمكن إسكاتها بابتسامة أو كلمة لطيفة. كانت معتادة على الحصول على ما تريد، ولم تتعلم كيف تتعامل مع رجل لا يستجيب لدلالها بالطريقة التي اعتادها الآخرون. ومع ذلك، لم يكن مستعدًا لأن يتركها تعتقد أن نوبات غضبها ستغير قراراته في كل مرة. تنفس ببطء، ثم قال بوضوح: "لن أجبرك على البقاء يا عائشة، لكن الوقت متأخر، وأريدك أن ترتاحي
جلست عائشة في المقعد المجاور لفهد، تضم ذراعيها إلى صدرها، وقد ارتسم على وجهها عبوس صغير يشبه عبوس أرنب غاضب. كانت ترتجف من شدة الغيظ، تحدق من النافذة وتتظاهر بأن الرجل الجالس إلى جوارها غير موجود أصلًا، وكأن تجاهله هو العقاب الوحيد الذي تستطيع إنزاله به. لم تصرخ طوال الطريق، ولم تتوسل إليه كي يعيدها إلى القصر، ولم تمنحه حتى متعة الدخول في شجار معها. اكتفت بصمتها العنيد، وبالتنهد بين الحين والآخر، وبإدارة وجهها كلما حاول النظر إليها. ولسبب لم يفهمه فهد، كان ذلك يستفزه أكثر من أي احتجاج كان يمكن أن تسمعه أذناه. ألقى عليها نظرة جانبية، فوجدها تعض شفتها السفلية بامتعاض، بينما تعبث بأطراف فستانها بأصابع متوترة. كادت ابتسامة تتسلل إلى وجهه؛ فقد بدت له غاضبة إلى درجة جعلته يرغب في مضايقتها أكثر، لكنه تراجع حين لاحظ أنها تحاول جاهدة حبس دموع القهر. لم يكن يريد أن يبكيها، لكنه لم يكن مستعدًا للتراجع عن قراره لمجرد أنها لم تتقبله. كان فهد يبدو أمام عائلته رجلًا مرحًا، خفيف الظل، يضحك مع هذا ويمزح مع ذاك، حتى إن من لا يعرفه جيدًا قد يظنه أكثرهم تساهلًا، لكن خلف تلك الشخصية المرحة كا
كانت سيارات عائلة المنصوري تستعد لمغادرة المنتجع، بعدما بدأ أفراد العائلة يتفرقون واحدًا تلو الآخر. وفي الجهة المخصصة لسيارة إسماعيل، كان قد صعد إلى مقعد القيادة، بينما جلست جميلة إلى جواره، تراقب حركة أفراد العائلة من خلف النافذة. أما عائشة، فكانت تستعد للصعود إلى المقعد الخلفي، ولا يزال العبوس الطفولي واضحًا على وجهها منذ أن قررت أنها غاضبة من فهد ولن تسامحه بسهولة. مدت يدها نحو باب السيارة، لكنها لم تكد تخطو خطوة حتى شعرت بيد تمسك بيدها. التفتت بسرعة، فوجدت فهد أمامها. اتسعت عيناها باستغراب، ثم عقدت حاجبيها وقالت ببراءة غاضبة: "ماذا تفعل؟ إلى أين تأخذني؟" لم يجبها مباشرة، بل أمسك يدها وسار بها نحو سيارته المازيراتي، بخطوات هادئة وواثقة، بينما راحت عائشة تحاول مقاومته قليلًا وهي تلتفت إلى سيارة عائلتها. "فهد! اتركني، أنا ذاهبة مع عمي اسماعيل!" التفت إليها أخيرًا، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة لم تستطع عائشة تفسيرها. كان سعيدًا بطريقة تكاد تفضحه، فمنذ أن عرف الحقيقة، لم يعد يستطيع النظر إليها بالطريقة نفسها. إنها زوجته. تلك الفتاة المدللة التي لطالما أزعجه عنادها وغضبها السري