تسجيل الدخولفي الأيام التي تلت قرار البحث عن عمل، بدت المدينة وكأنها قد خلعت قناعها الزائف. الأضواء الساطعة التي كانت ترمز للحرية في البداية، تحولت الآن إلى مصابيح كاشفة تسلط الضوء على بؤسهما. الشوارع الواسعة أصبحت مجرد متاهة من الإسفلت البارد، والمباني الزجاجية الشاهقة لم تكن سوى جدران تعكس صورتهما كغريبتين لا مكان لهما هنا.
منذ ساعات الصباح الأولى، كانت "نور" و"رندة" تخرجان معاً، ثم تفترقان لتمشيط شوارع مختلفة بحثاً عن أي فرصة، على أن تعودا في المساء إلى غرفتهما الباردة. بالنسبة لـ "نور"، كانت الرحلة عبارة عن سلسلة متصلة من الإهانات والرفض. جابت المتاجر، والمطاعم، والمقاهي، وحتى مصانع الخياطة في الأحياء الصناعية المتطرفة. في كل مرة كانت تقف أمام مدير أو مسؤول توظيف، كانت تسمع نفس الأسطوانة الباردة: "أين شهاداتك؟" "هل لديكِ خبرة سابقة؟". "لا نوظف غرباء دون شهادات أو خبرات." لم تكن "نور" تملك سوى جمالها الصارخ، وهو سلاحٌ أثبت أنه نقمة وليس نعمة في هذا العالم الموحش. في إحدى المقابلات للعمل كنادلة في حانة ليلية، رمقها المدير بنظرات فجة، مسحت تفاصيل جسدها بطريقة جعلت معدتها تتقلص. عرض عليها العمل، لكن ليس كنادلة، بل بمهام "أخرى" تتطلب مرافقة الزبائن في الغرف الخلفية. يومها، هربت "نور" من المكان والدموع تحرق عينيها، متذكرة نظرات "منصور" وقذارته. كانت تفر من مستنقع لتقع في آخر. مرت الأيام ثقيلة، بطيئة، وقاسية. تورمت قدما "نور" من كثرة المشي، وتقشرت شفتاها من برد الشوارع اللاسع. وفي كل مساء، كانت تعود إلى الشقة المتواضعة لتجد "رندة" تسبقها، ملقاة على السرير بوجه شاحب وعينين غائرتين، تحمل في جعبتها قصصاً مشابهة من الرفض والإحباط. بدأ اليأس ينهش روحهما. الغرفة التي استأجرتاها أصبحت باردة كقبر بعد أن عجزتا عن دفع فاتورة التدفئة. توقفتا عن الحديث، فماذا عساهما أن تقولا؟ الصمت أصبح لغتهما الوحيدة، يقطعه فقط صوت قرقرة بطونهما الجائعة في منتصف الليل. وفي إحدى تلك الليالي الحالكة، حيث كان زمهرير الشتاء يتسلل من شقوق النافذة لينهش عظامهما، كسرت "رندة" حاجز الصمت المخيف. همست وهي ترتجف تحت غطائها الرقيق: "نور... هل تظنين أننا نُعاقَب؟" التفتت نور نحوها في العتمة، وعقدت حاجبيها: "نُعاقب على ماذا؟" "على الدم." تنهدت رندة بصوت مهزوز ومرتجف. "دماء منصور. لقد قتلنا رجلاً، وقطعناه، ورميناه في القمامة وكأنه لم يكن. ربما هذه المدينة هي الجحيم الذي أُرسلنا إليه لندفع ثمن جريمتنا." انتفضت نور في سريرها، واشتعلت عيناها بغضب دفاعي يخفي خلفه شعوراً دفيناً وموجعاً بالذنب. "لم يكن رجلاً يا رندة! كان شيطاناً! لقد اشتراني كقطعة لحم وتلذذ بتعذيبي. نحن لم نرتكب جريمة، نحن تخلصنا من وحش." "أعلم..." ردت رندة بصوت منكسر، "لكنني خائفة. انظري إلى حالنا، أبواب الدنيا كلها تُغلق في وجوهنا ولا نجد كسرة خبز. ربما كان علينا ألا نهرب... ربما يجب أن نعود إلى حيّنا." "نعود؟" قاطعتها نور بحسم قاطع أخرس نحيب صديقتها، "إلى أين نعود؟ إلى شقيقي عاصم الذي باعني ليسدد ديون قمار؟ لكي يبيعني لجزار آخر؟ أم نعود لنسلم أنفسنا لحبل المشنقة؟ لا يا رندة. اسمعيني جيداً؛" صمتت نور لثانية لتلتقط أنفاسها القلقة قبل أن تكمل بصرامة، "الموت جوعاً هنا يظل أشرف من البقاء تحت رحمة عاصم السكير أو منصور الجزار." عاد الصمت ليخيم على الغرفة. الوجبات تقلصت إلى كسرات خبز جافة وقليل من الجبن الرخيص. تحولت نشوة الانتقام والحرية التي شعرتا بها عند وصولهما إلى سراب بعيد. أدركت "نور" بمرارة أن الحرية بلا مال هي مجرد شكل آخر من أشكال العبودية. كانت تنظر إلى يديها في العتمة، وتتساءل إن كانت جريمتها تستحق كل هذا العناء، لتطرد الفكرة فوراً. وفي صباح يومٍ رمادي، استيقظت "نور" على صوت حبات المطر الخفيفة تضرب زجاج النافذة. كانت الغرفة تعج بزمهرير البرد. جلست على حافة السرير، ومدت يدها المرتجفة نحو جيب معطفها الجلدي. أخرجت ورقة نقدية واحدة. كانت مجعدة، مهترئة الأطراف، وتحمل بقعة داكنة خفيفة في زاويتها. كانت هذه هي الورقة الأخيرة من أموال "منصور". آخر ما تبقى من دماء الجزار. كانت البقعة الداكنة على حافة الورقة تبدو كختم شيطاني يذكرها بتلك الليلة الدموية. مررت نور إبهامها فوق البقعة، لتدرك في تلك اللحظة القاسية أن دماء الجزار لم تشترِ لها حريتها كما توهمت، بل اشترت لها مجرد تذكرة مؤقتة نحو مجاعة محتمة. لقد تلوثت يداها للأبد، والآن لم يتبقَ من ذلك التلوث سوى هذه الورقة البائسة. نظرت "رندة" إلى الورقة النقدية في يد صديقتها بعينين محمرتين من قلة النوم والجوع. لم تتكلما. ارتدت الفتاتان معاطفهما الثقيلة، ولفتا الأوشحة حول أعناقهما، ونزلتا إلى الشارع الرطب. سارتا بصمت نحو كشك طعام صغير يقبع في ناصية الشارع المقابل. وقفت "نور" أمام البائع، وبحركة بطيئة وثقيلة، مدت يدها بالورقة النقدية الأخيرة. "شطيرتا فلافل وكوبان من الشاي الساخن... من فضلك". قالتها "نور" بصوت مبحوح. أخذ البائع الورقة، وأعاد لها الشطائر الساخنة في أكياس ورقية بنية. جلست الفتاتان على مقعد خشبي مبلل تحت مظلة الكشك. ابتلعتا الطعام بصمت مطبق، وكأن كل لقمة كانت تؤجل حكماً بالإعدام لعدة ساعات أخرى. كان الشاي الساخن يلسع حلقيهما، يمنحهما وهماً مؤقتاً بالدفء في هذا الصباح المتجمد. عندما أنهيتا الإفطار، مسحت "نور" فمها بظهر يدها، ونفضت فتات الخبز عن معطفها. التفتت نحو "رندة"، وكانت عيناها العسليتان قد فقدتا أي أثر للبريق أو الأمل. كانتا مجرد فجوتين مظلمتين تعكسان قسوة الإسفلت. وقفت "نور"، وأسندت ظهرها للريح الباردة، وقالت بصوت خافت لكنه يحمل حزماً يائساً: "هيا بنا يا رندة. جيوبنا أصبحت فارغة تماماً. هذه فرصتنا الأخيرة... إما أن نجد عملاً اليوم، أو تبتلعنا هذه الشوارع للأبد". خطت الفتاتان نحو الزحام الصباحي، تندمجان وسط حشود البشر العابرة، لتستأنفا رحلة البحث عن نجاة مستحيلة، تاركتين خلفهما أملاً أخيراً تبخر مع دخان أكواب الشاي.في اليوم التالي، جلس أدهم ونور في مكتب المحامي كمال، يحيط بهما جو من التوتر الثقيل. وبعد دقائق من الانتظار، دخل عاصم يتخطر في مشيته، وعلي وجهه ابتسامة الشماتة نفسها، ويرتدي ثوبه خيلاء كمن يملك مقاليد الأمور كلها. جلس عاصم على الكرسي الجلدي الفاخر مقابلهم، وضع ساقاً فوق أخرى، وأخرج سيجارة رخيصة ليُشعلها، رافضاً مراعاة هيبة المكان. بدأ كمال الحديث بنبرة رسمية هادئة: "سيد عاصم، نحن هنا لنسمع ما لديك بعيداً عن أروقة المحاكم. ما الذي تريده بالضبط لتنهي هذه المهزلة؟" نفث عاصم دخان سيجارته في الهواء، ونظر إلى نور بتهكم ثم اتجه ببصره نحو أدهم قائلاً بوقاحة: "الأمر بسيط جداً ولا يحتاج لكل هذا التعقيد.. أنا رجل لدي ديون والتزامات، وشهادتي في المحكمة كانت نتيجة غضبي من هروب أختي. لكن يمكنني ببساطة أن أذهب في الجلسة القادمة، وأتراجع عن كل ما قلته، وأصرح للقاضي بأنني كنت في حالة غضب وشك غير بريء، وأغير شهادتي لصالح نور.. بشرط واحد." سأله أدهم بضغط شديد على أسنانه وهو يضبط أعصابه: "وما هو هذا الشرط؟" ابتسم عاصم ابتسامة قبيحة وقال: "أن تدفع لي حسابي كاملاً! أريد عشرين ألف دولار كاش..
تحرك أمين سر الجلسة برفق نحو القاضي، ورفع حاجب المحكمة يده مستأذناً وهو يقول بصوت عالٍ هز أرجاء القاعة: "سيدي القاضي.. هناك شاهد متواجد بالقاعة من طرف المدعى عليه، يطلب الإدلاء بشهادة جوهرية رسمية في الدعوى!" تعجب القاضي ورفع نظارته، بينما اتسعت عينا نور بصدمة قاتلة. خرج عاصم من بين مقاعد الحضور الخلفية بخطوات ثابثة، وتقدم نحو منصة الشهادة! ضربت نور جبينها بكفها برعب وذهول، وانقبض قلبها وهي تهمس لنفسها بإنهاك: «عاصم؟! ماذا يفعل هذا المختل هنا؟! ماذا سيقول أمام القاضي؟!» وقف عاصم أمام القاضي، وضع يده على المصحف وأدى اليمين، ثم بدأ يتحدث بنبرة ممسرحة تمزج بين الخبث والادعاء بالبراءة والتأثر: "سيدي القاضي.. أنا عاصم، الشقيق الأكبر والولي الوحيد للمدعية نور. وقد جئت اليوم حماية للحق وإبراءً للذمة أمام الله والقانون. إن كل ما جاء في صحيفة هذه الدعوى من ادعاءات بالضرب والتعنيف والبخل والعجز الجنسي ضد الزوج منصور عبد الخالق.. هو كذب وتدليس باطل لا أساس له من الصحة!" شهقت نور بصوت مكتوم، بينما اعتدل أدهم والمحامي كمال في مقاعدهما بذهول وتركيز شديدين. أكمل عاصم وهو يمثل ال
لم يكن عاصم يبحث عن أخته نور بدافع الخوف عليها أو الرغبة في الاطمئنان على حالها، بل كان الطمع والدناءة والغرق في الديون هما ما يحركان قدميه الملوثتين. منذ أن اختفت نور واختفى معها الجزار منصور، انقطع ذلك المورد المالي الشهري الذي كان يتقاضاه من منصور مقابل بيع شقيقته وإجبارها على الزواج. كان عاصم يعتاش على ذلك المبلغ، وبانقطاعه عاد غارقاً في الديون، ملاحقاً من أصحاب صالات القمار، يقتات على الخمر الرخيص والسجائر الرديئة. لذا، بمجرد أن وقعت عيناه على إعلان المحكمة في الصحيفة، لم يتردد لحظة واحدة. عرف أن نور أصبحت على بعد خطوات منه، وأنها صيده الثمين الذي يعيد له تدفق الأموال. في صباح يوم الجلسة، وصل عاصم إلى مقر محكمة الأسرة مبكراً جداً. وقف عند البوابة الخارجية للمبنى الضخم، يتأبط شراً، وعيناه الزجاجيتان الجائعتان تمسحان الوجوه المقتربة بعين بومة ترصد فريستها. بعد ساعة من الانتظار، رأى نور تقترب نحو البوابة الخارجية للمحكمة. كانت تتوقف في الممر الخارجي تنتظر أدهم الذي استأذن منها لثوانٍ ليشتري لها كوباً من القهوة الساخنة من كشك مجاور لتهدئة توترها قبل الجلسة. تسلل عاصم من
في غرفة رندة المحطمة، وبعد أن أدلت بأقوالها وهي ترتجف، وقف أدهم يطالعها بنظرة مزجت بين الحزم والشفقة. التفت إلى نور وأشار لها بعينيه أن تبتعد قليلاً، ثم وجه حديثه الصارم لرندة قائلاً: "هذه هي نهاية هذا الطريق المظلم يا رندة. لقد أرسلني الله لكِ هذه المرة لتنجي من موت محقق، لكن من يضمن لكِ النجاة في المرة القادمة؟ لقد كدتِ تأخذين نور معكِ إلى هذه الهاوية لولا ستر الله. أنصحكِ لوجه الله، اتركي هذا الطريق، وابحثي عن عمل شريف، ابدئي حياة جديدة ونظيفة قبل أن يفوت الأوان وتجدي نفسكِ جثة في مكب نفايات." صمت أدهم لثانية ليترك كلماته تستقر في عقلها، ثم أكمل بنبرة المحقق الرسمي: "لقد أبلغت مركز الشرطة للتو بشأن هذا المجرم، وأنا الآن مكلف رسمياً باعتقاله وإحضاره. لكن.. بناءً على اعترافاته الأولية هنا، وبناءً على أقوالكِ التي أدليتِ بها للتو، ورغم أنني كنت أعرف طبيعة عملكِ مسبقاً بشكل شخصي، إلا أنني الآن حصلت على هذه المعلومة بشكل رسمي كمحقق شرطة. ووفقاً للقانون، يُفترض بي الآن أن أعتقلكِ أنتِ أيضاً بتهمة ممارسة الدعارة والاتجار بالجنس." اتسعت عينا رندة برعب، وانهمرت دموعها بغزارة. أك
نعود بالزمن إلى الوراء لعدة ساعات؛ تحديداً في اللحظة التي غادرت فيها نور شقة أدهم متجهة للاطمئنان على صديقتها. رغم أن أدهم سمح لها بالذهاب وحدها بعد رفضها لمرافقته، إلا أن قلبه لم يهدأ. بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، بدأ عقله كمحقق جنايات محنك يحلل الموقف. استحضر آلاف الجرائم التي حقق بها، وتذكر ملفات الفتيات المختفيات، والسيناريوهات المرعبة التي تبدأ بغياب مفاجئ وانقطاع عن الاتصال. كان حدسه يصرخ بأن اختفاء رندة ليس طبيعياً. لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي؛ أخذ مفاتيحه وسلاحه الميري، وركب سيارته منطلقاً بأقصى سرعة نحو عنوان شقة رندة الذي يعرفه مسبقاً. بعد أن وصل وصعد الدرج، وقف أمام الباب الخارجي وهمّ بالطرق عليه، لكنه تسمر في مكانه عندما سمع صوت نور من الداخل تصرخ بغضب وتشتم: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان!" ثم فجأة.. انقطع الصوت تماماً وكأن أحداً قد كتم أنفاسها! فهم أدهم الموقف في جزء من الثانية؛ هناك شخص غريب في الداخل، يحتجز نور كرهينة، وقد قام بإسكاتها بالقوة. سحب أدهم مسدسه فوراً، وتلاشت شخصية العاشق القلق لتسيطر شخصية ضابط المهام الصعبة. تذكر آلاف التدريبات والم
بعد مدة لا تعرف مقدارها، بدأت نور تستعيد وعيها ببطء. كان رأسها ينبض بألم رهيب وكأنه سينفجر. فتحت عينيها بصعوبة، وكانت الرؤية مشوشة. حاولت تحريك يدها لتضعها على رأسها الذي يؤلمها بشدة، لكنها اكتشفت أن ذراعيها مشدودتان بقسوة إلى الخلف. رمشت عدة مرات حتى اتضحت الرؤية، وتلفتت حولها تتساءل: أين أنا؟! لتدرك الكارثة؛ كانت تجلس على كرسي خشبي بجانب سرير رندة، ويداها مقيدتان خلف ظهر الكرسي، وقدماها مربوطتان بقوة في قائمتيه! نظرت حولها برعب، فرأت ذلك الحقير يقف أمامها. كان يسند كتفه براحة تامة على إطار باب الغرفة، يضع يديه في جيوب بنطاله، وينظر إليها بنظرات تقطر شهوة وقذارة. عندما رآها تفتح عينيها، ابتسم وقال بصوت مستفز: "أخيراً استيقظتِ! لقد كنتُ أنتظركِ.. حان وقت اللعب إذن." اشتعل الغضب في عروق نور، وتذكرت أنها لم تعد تلك الضحية الضعيفة. بدأت تصرخ بأعلى صوتها وتشتمه بكلمات قاسية: "يا ابن الـ... سأقتلك! فك قيودي أيها الجبان! إن لم تتركني سأجعلك تتمنى الموت!" تلاشت ابتسامة الرجل، وتحرك بسرعة البرق نحوها. وقبل أن تكمل صراخها، أخرج لفة الشريط اللاصق الفضي، وصفع قطعة كبيرة منه على فم







