Home / الرومانسية / الأشياء التي نجت / الفصل 4: الموعد في بيت الرماد

Share

الفصل 4: الموعد في بيت الرماد

Author: Juli
last update publish date: 2026-10-27 01:09:15

«أنا أبوكِ.»

ثلاث كلمات فقط.

لكنها كانت كافية لتعيد نور إلى طفولتها، إلى رائحة قهوة أبيها في الصباح، وإلى يده الكبيرة التي كانت تمسك بيدها كلما خافت من عبور الشارع.

ثم أعادها صوت دانيال إلى الحاضر.

«أغلقي الهاتف.»

رفعت عينيها إليه.

«ماذا؟»

«نور، أغلقي الهاتف.»

«هذا أبي!»

«أنتِ لا تعرفين من يكون.»

ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة.

«حقًا؟ وهل تعرف أنت؟ لأنك، على ما يبدو، تعرف الجميع. أبي، أمي، فؤاد، وحتى الأشياء التي لم تحدث بعد! الوحيد الذي لا يعرف شيئًا هو أنا.»

حاول أن يقترب، فتراجعت.

توقف فورًا.

«اسمعيني فقط.»

«سبع سنوات يا دانيال. سبع سنوات وأنا أزور قبرًا لا أعرف إن كان صاحبه مدفونًا فيه أصلًا. أمي ماتت وهي تحمل أسرارها، وأنت عدت فجأة لتخبرني أن كل ما عشته قد يكون كذبة. والآن يتصل بي أبي ويطلب مني أن أذهب إليه.»

ارتجف صوتها عند الكلمة الأخيرة.

«كيف تريدني أن أتصرف؟»

لم يجبها.

وللمرة الأولى، كرهت صمته أكثر من أكاذيبه.

أعادت الهاتف إلى أذنها، وضغطت على الرقم الأخير.

لا توجد خدمة.

حاولت مرة أخرى.

الرقم غير متاح.

حدقت في الشاشة، ثم رفعتها أمام دانيال.

«هل فعلت شيئًا؟»

«لا.»

«انظر في عينيّ وأقسم.»

نظر إليها.

«أقسم أنني لم أفعل.»

كان صادقًا.

عرفت ذلك من الطريقة التي قال بها الجملة، لكنها لم تعد تثق بقدرتها على التمييز بين صدقه وكذبه.

مد يده نحو الصورة التي تركها المتصل في السيارة، لكنه لم يأخذها. اكتفى بالنظر إلى وجه الرجل الواقف بجانب أبيها.

«هل تعرف هذا الرجل؟» سألته نور.

«نعم.»

«من هو؟»

«فؤاد.»

شعرت ببرودة في أطرافها.

«الرجل الذي اقتحم المنزل؟»

«نعم.»

«إذًا كان يعرف أبي.»

«أكثر مما ينبغي.»

انتزعت الصورة من يده.

«أريد الحقيقة كاملة. لا إجابات ناقصة، ولا جمل غامضة، ولا أن تخبرني بأنك تفعل كل هذا لحمايتي. لقد سئمت أن يقرر الجميع ما الذي أستحق معرفته.»

أومأ دانيال ببطء.

«حسنًا.»

لم تصدقه بسهولة.

«حسنًا؟ بهذه البساطة؟»

«لن أطلب منكِ أن تثقي بي. سأخبركِ بما أعرفه، وبعدها يمكنكِ أن تفعلي ما تريدين.»

لأول مرة منذ عودته، شعرت نور بأنه لا يحاول الإمساك بخيوط حياتها كلها.

لكنها لم تعرف إن كان ذلك بداية صدق، أم حيلة أخرى.

---

في تلك الليلة، لم تنم نور.

جلست في غرفة أمها القديمة، وأمامها الصورة والسلسلة الفضية والرسالة التي وجدتها تحت الدرج.

كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا حين لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.

في الصورة، لم يكن أبوها ينظر إلى الكاميرا.

كان ينظر إلى نافذة المنزل.

وخلف الزجاج، ظهر انعكاس امرأة تقف في الطابق العلوي.

كبّرت نور الصورة على هاتفها، حتى أصبحت التفاصيل مشوشة، ثم أعادتها إلى حجمها الأصلي.

المرأة كانت ترتدي قلادة فضية.

قلادة تشبه قلادتها تمامًا.

نهضت بسرعة، وفتحت الصندوق الذي احتفظت فيه بأغراض أمها. قلبت الأوشحة والرسائل القديمة، حتى وجدت صورة صغيرة التُقطت في يوم تخرجها من المدرسة.

كانت أمها تقف خلفها، تضع يدها على كتفها.

وفي عنقها القلادة نفسها.

لكن خلفهما، عند باب المنزل، وقف رجل لم تره نور من قبل.

أمسكت الصورة عن قرب.

على ظهرها، كُتبت كلمات بخط أمها:

«العائلة ليست دائمًا من يقف إلى جانبكِ. أحيانًا تكون من يقف خلفكِ، منتظرًا أن تلتفتي.»

شعرت نور بقشعريرة.

لماذا احتفظت أمها بهذه الصورة؟ ولماذا كتبت تلك الجملة؟

سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.

«نور؟»

كان دانيال.

لم تجب.

«أعرف أنكِ مستيقظة.»

«إذًا لماذا تسأل؟»

ساد الصمت لحظة، ثم قال:

«لأنني لا أريد أن أدخل غرفة لا تريدينني فيها.»

لم تكن تتوقع منه ذلك.

نهضت وفتحت الباب، لكنها أبقت المسافة بينهما.

كان قد غيّر قميصه، ولف قطعة قماش حول جرح يده. بدا متعبًا، أكبر من الرجل الذي تتذكره، لكنه ظل يحمل النظرة نفسها التي كانت تجعلها تشعر بأنه يلاحظ كل ما تحاول إخفاءه.

رفعت الصورة أمامه.

«من هذه المرأة؟»

نظر إليها.

تغير وجهه.

«أين وجدتِها؟»

«في صندوق أمي. لا تغيّر الموضوع.»

أخذ نفسًا طويلًا.

«لا أعرف من تكون.»

«لكنّك تعرف شيئًا.»

«أعرف أن أمكِ كانت تخاف من شخص داخل هذه العائلة. لم تخبرني باسمه.»

«وهل كانت تخاف من أبي؟»

تأخر في الإجابة.

وكان ذلك كافيًا.

ابتعدت نور عن الباب.

«اخرج.»

«نور…»

«اخرج يا دانيال.»

لم يجادلها.

لكنه قبل أن يبتعد، قال جملة واحدة:

«إذا ذهبتِ إلى البيت المحترق غدًا، خذي هذه الصورة معكِ. لا تتركيها هنا.»

ثم غادر.

نظرت إلى الصورة مجددًا.

لأول مرة، لم تكن تخاف مما قد تكتشفه عن أبيها فقط.

كانت تخاف مما قد تكتشفه عن أمها أيضًا.

---

عند العاشرة صباحًا، ارتدت نور معطفها الأسود، ووضعت الصورة والقلادة في حقيبتها.

كانت قد اتخذت قرارها.

ستذهب إلى البيت المحترق.

لكنها لن تذهب وحدها.

أرسلت رسالة إلى دانيال:

«سأذهب إلى الموعد. إذا كنت تعرف شيئًا قد يعرّضني للخطر، فهذه فرصتك الأخيرة لتخبرني.»

وصل الرد بعد أقل من دقيقة.

«لا تذهبي قبل أن أصل إليكِ.»

حدقت في الشاشة.

ثم كتبت:

«لم أطلب إذنك.»

لم يرد.

بعد دقائق، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. ظنت أنه دانيال، لكنها حين نظرت من النافذة، رأت امرأة تخرج من المقعد الخلفي.

كانت في منتصف الأربعينيات، ترتدي معطفًا رماديًا وتحمل مظلة مغلقة رغم أن السماء صافية.

رفعت المرأة رأسها نحو النافذة مباشرة، كأنها تعرف أن نور تراقبها.

ثم أشارت إليها أن تنزل.

ترددت نور.

لكن المرأة رفعت شيئًا بيدها.

قلادة فضية.

القلادة نفسها التي كانت ترتديها أمها في الصورة.

---

«اسمي ليلى.»

قالت المرأة ذلك فور أن جلست نور في السيارة، من دون أن تقدم لها يدها.

«كنت أعرف والدتكِ.»

«الجميع كان يعرف أمي، على ما يبدو. هل من أحد في هذه المدينة لا يخفي عني شيئًا؟»

لم تبتسم ليلى.

«إذا أردتِ معرفة الحقيقة، فعليكِ أن تتوقفي عن البحث عن أشخاص أبرياء.»

«هل تقصدين دانيال؟»

نظرت ليلى إلى الطريق.

«أقصد أن الشخص الذي تتهمينه قد لا يكون أسوأهم.»

«هل تعرفين أبي؟»

«نعم.»

«هل هو حي؟»

صمتت ليلى طويلًا.

ثم قالت:

«سأخبركِ عندما نصل.»

أحست نور بأنها ارتكبت خطأها الأول حين ركبت السيارة.

لكنها لم تطلب من ليلى التوقف.

بعد عشرين دقيقة، توقفت السيارة أمام أرض مهجورة تحيط بها بقايا جدار أسود. كان البيت قد احترق فعلًا، ولم يبقَ منه سوى أجزاء من الأعمدة والسلم الحجري الذي يؤدي إلى المدخل.

عرفت نور المكان.

هنا انتهت حياتها القديمة، أو هكذا اعتقدت طوال سبع سنوات.

نزلت من السيارة، وشعرت برائحة الرماد القديمة عالقة في الهواء، رغم أن المطر غسل الأرض مرات لا تحصى.

«أين أبي؟» سألت.

أشارت ليلى إلى المدخل.

«في الداخل.»

تقدمت نور خطوتين، ثم توقفت.

«لماذا لم يعد؟»

لم تجب ليلى.

«لماذا تركني أعتقد أنه مات؟ لماذا ترك أمي تواجه كل شيء وحدها؟»

قالت ليلى أخيرًا:

«لأنه كان يعتقد أن بقاءكِ بعيدة عنه سيبقيكِ حيّة.»

ضحكت نور بمرارة.

«هذه الجملة نفسها قالها لي دانيال بطريقة أخرى. هل تتفقون جميعًا على الكذبة نفسها؟»

اقتربت من المدخل، لكنها لاحظت أن ليلى لم تتحرك خلفها.

«ألن تأتي؟»

«لا.»

«لماذا؟»

نظرت ليلى إلى الطريق خلفهما.

«لأنني لا أريد أن أكون هنا عندما يراكِ.»

استدارت نور بسرعة.

«من؟»

وقبل أن تتمكن ليلى من الإجابة، سمعت صوتًا يخرج من داخل البيت.

صوت رجل تعرفه.

صوت كانت تظن أنها لن تسمعه مرة أخرى.

«نور؟»

تجمدت في مكانها.

خرج رجل من خلف أحد الأعمدة المهدمة. كان شعره قد شاب عند الصدغين، ووجهه أنحف مما تتذكر، لكنه كان يحمل العلامة الصغيرة نفسها فوق حاجبه الأيمن.

العلامة التي كانت تقبّلها حين كانت طفلة، كلما أصابته في أثناء اللعب.

لم تستطع أن تتحرك.

همست:

«أبي؟»

اقترب الرجل خطوة.

«كبرتِ يا ابنتي.»

لم تركض إليه.

لم تعانقه.

لم تفعل أي شيء مما تخيلت أنها ستفعله لو عاد أبوها يومًا.

وقفت تنظر إليه، تنتظر أن تستيقظ من كابوسها.

ثم رأت يده.

كان يرتدي خاتمًا فضيًا عريضًا، محفورًا عليه رمز تعرفه جيدًا.

الرمز نفسه الذي رأته على مفتاح الغرفة السرية تحت الدرج.

تراجعت خطوة.

«من أين حصلت على هذا الخاتم؟»

توقف الرجل.

للمرة الأولى، اختفت ابتسامته.

«نور، هناك أشياء يجب أن أخبركِ بها.»

«أجبني أولًا.»

نظر إلى الخاتم، ثم إليها.

«كان لأبيكِ.»

شعرت نور بأن الأرض تميل تحت قدميها.

«أنت أبي.»

«أعرف.»

«إذًا لمن كان الخاتم؟»

لم يجب.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف ليلى.

نظرت إلى الشاشة، فتغير لون وجهها.

قالت بصوت منخفض:

«لقد وصل.»

استدارت نور نحو الطريق.

سيارة سوداء توقفت عند نهاية الأرض المهجورة.

فتح بابها.

ونزل دانيال.

كان يحمل مسدسًا، لكنه لم يوجّهه إلى أبيها.

وجّهه إلى ليلى.

صرخت نور:

«ماذا تفعل؟!»

لم ينظر إليها.

قال دانيال للمرأة:

«ابتعدي عنهما.»

رفعت ليلى يديها ببطء.

«أنت لا تعرف ما الذي تفعله.»

أجابها دانيال بصوت لم تسمعه نور منه من قبل:

«بل أعرف. هذه المرة لن أسمح لكِ بأخذها.»

ثم فعل أبو نور شيئًا جعلها تنسى وجود المسدس تمامًا.

رفع يده، وأشار إلى دانيال.

وقال:

«اخفض سلاحك يا بني.»

توقفت أنفاس نور.

لم ينظر أبوها إلى دانيال بوصفه عدوًا.

بل بوصفه شخصًا يعرفه منذ زمن.

ثم أضاف، وهو ينظر إلى ابنته:

«هناك شيء لم يخبركِ به دانيال، يا نور. شيء يجعل عودته إليكِ أخطر من اختفائه.»

التفتت إلى دانيال.

كان لا يزال يوجّه سلاحه إلى ليلى، لكنه لم يعد ينظر إليها.

كان ينظر إلى نور، وكأنه يعرف أن الجملة التالية ستدمر كل ما تبقى بينهما.

فتح فمه ليقول شيئًا.

لكن أباها سبقه:

«الرجل الذي أحببتِه لم يدخل حياتكِ مصادفة.»

شعرت نور بأن قلبها توقف.

«ماذا تقصد؟»

اقترب أبوها منها، وخفض صوته.

«دانيال كان يعرف من تكونين قبل أن تلتقي به في الجامعة.»

نظرت إلى دانيال.

لم ينكر.

ولم يحاول حتى أن يدافع عن نفسه.

عندها فقط، فهمت نور أن السؤال لم يعد لماذا اختفى دانيال قبل سبع سنوات.

السؤال الحقيقي كان:

من الذي أرسله إليها في البداية؟

ولماذا اختار أن يجعلها تحبه؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأشياء التي نجت    الفصل 13: الذي اختار اسمي

    «كان أخوكِ.»بقيت الجملة معلّقة بيننا، بينما كان دانيال يحدّق في الوثيقة كأنها تستطيع أن تمنحه إجابة لم يجدها طوال حياته.سألته: «هل تعرف ما الذي يعنيه هذا؟»«نعم.»«إذًا اشرح.»رفع عينيه إليّ. «أخوكِ لم يغيّر اسمي فحسب. لقد منحني هوية جديدة، ثم اختفى قبل أن أتمكن من معرفة السبب.»«ولماذا لم تخبرني؟»«لأنني لم أكن أعرف إن كان يريد إنقاذي أم استخدامي.»ضحكت بمرارة. «مذهل. كل شخص في حياتي لديه سبب نبيل للكذب عليّ.»لم يدافع عن نفسه. وهذا ما جعل غضبي أشد؛ فقد كنت أريد منه أن يجادلني، أن يمنحني شيئًا أكرهه بدلًا من ذلك الحزن الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه.أعدت الوثيقة إلى الملف، ثم التفتُّ إلى يونس.«أنت قلت إنك جئت لمنعي من ارتكاب خطأ أخي. ما الخطأ الذي ارتكبه؟»لم يجب فورًا. أخرج من جيبه بطاقة صغيرة ووضعها أمامي.كانت بطاقة دخول إلى مزاد خاص، سيُقام بعد أقل من ساعة في فندق وسط المدينة.«أخوكِ ترك تعليمات واضحة. إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فعليكِ الذهاب إلى هذا المزاد.»«وما الذي سأجده هناك؟»«الشخص الذي اشترى صمت المحامي قبل موته.»نظرت إلى البطاقة، ثم إلى يونس.«ولماذا لم تذهب أنت؟»ابتسم ا

  • الأشياء التي نجت    الفصل 12: الثمن الذي لم يدفعه أحد

    لم أنظر إلى دانيال بعد قراءة العبارة.«لقد هرب لأنه كان يعتقد أنكِ السبب في موت الشخص الذي أحبّه.»رفعت رأسي نحو يونس.«من الشخص الذي مات؟»«هذا ما جئت لأخبركِ به.»«إذًا أخبرني.»أخرج يونس هاتفًا من جيبه، وفتح مقطعًا مصورًا، ثم وضعه أمامي على الطاولة.لم تكن هناك صور قديمة أو تسجيلات مشوشة. كان المقطع واضحًا، قصيرًا، ومؤرخًا قبل ثلاثة أيام فقط.ظهر رجل مسن يجلس خلف مكتب، يتحدث إلى الكاميرا بوجه شاحب.عرفته فورًا.كان المحامي الذي حضر جنازة أمي، وقرأ وصيتها أمامي، ثم أخبرني أن كل ما تركته لي لا يتجاوز المنزل وبعض الأوراق.قال الرجل في المقطع:«إذا وصل هذا التسجيل إلى نور، فهذا يعني أنني لم أتمكن من تسليمها الوثيقة بنفسي. أخفيت عنها الحقيقة بناءً على طلب والدتها، لكنني لم أعد مستعدًا لحمل هذا الذنب.»توقف لحظة، ثم تابع:«أخوكِ لم يكن الشخص الوحيد الذي أُخفيت هويته بعد الحريق. كان هناك طفل ثالث، وقد غيّر والدكِ اسمه رسميًا قبل أن يغادر البلاد.»توقّف المقطع.نظرت إلى يونس.«أين بقية التسجيل؟»«لا أملكها.»«أنت تمزح معي؟ جئت إلى هنا لتخبرني بنصف حقيقة؟»«جئت لأمنعكِ من ارتكاب الخطأ الذي

  • الأشياء التي نجت    الفصل 11 : لا تفتحي عينيكِ

    «نور... لا تدعيه يخبركِ بما حدث. أنتِ كنتِ هناك.»جاء الصوت من خلف الباب الأحمر، هادئًا على نحوٍ جعل الخوف يتسلل إلى عظامي.التفتُّ إلى دانيال. لم يكن ينظر إلى الباب، بل إليّ، وكأنه ينتظر أن أتذكر شيئًا يخشى هو نفسه أن يعود إلى الحياة.سألته: «من بالداخل؟»حرّك فكه قبل أن يجيب: «شخص كان يجب ألا يصل إليكِ أبدًا.»«غريب. يبدو أن الجميع يعرفون ما يجب أن يحدث في حياتي، باستثنائي أنا.»اقتربت من الباب، فمدّ يده نحو معصمي، ثم تراجع قبل أن يلمسني.لاحظت ذلك. ولا أعرف لماذا آلمني تردده أكثر مما كان سيؤلمني أن يمسكني.قال بصوت خافت: «إذا فتحتِ هذا الباب، قد تخسرين آخر شيء بقي لكِ من الماضي.»أجبته دون أن أنظر إليه: «أنا لا أبحث عن ماضٍ أستطيع احتماله يا دانيال. أبحث عن ماضٍ أستطيع تصديقه.»أدرت المقبض.لم يكن خلف الباب شخص ينتظرنا، بل غرفة ضيقة تتوسطها طاولة معدنية، وعلى جدرانها صور كثيرة لي؛ في طفولتي، وفي الجامعة، وفي أيام لم أكن أعرف فيها أن أحدًا يراقبني.لكن صورة واحدة جعلت أنفاسي تتوقف.كنت مستلقية على سرير مستشفى، شاحبة الوجه، ويدي الصغيرة موصولة بأنبوب شفاف. بجانبي امرأة تقف وظهرها للك

  • الأشياء التي نجت    الفصل 10 : الفتاة التي شهدت موتها

    «كنت أحاول إنقاذكِ من نفسكِ».ترددت كلمات دانيال في رأس نور، بينما ظلت عيناها معلقتين بالصورة القديمة.ثلاثة أطفال: دانيال، وآدم، وطفلة تشبهها إلى حد مخيف.لكن شيئًا واحدًا لم تستطع تفسيره: لماذا كُتبت على ظهر الصورة عبارة تطلب منهم ألّا يسمحوا لها بتذكّر ما حدث؟رفعت رأسها.«أريد أن أعرف ما الذي حدث في تلك الليلة».مدّ دانيال يده نحو الصورة، لكنها سحبتها بعيدًا.«لن تأخذها مني».«نور، اسمعيني...»«سبع سنوات وأنت تقرر ما الذي يحق لي معرفته. انتهى الأمر».رن هاتفها قبل أن يجيب.رقم مجهول.ترددت لحظة، ثم أجابت دون أن ترفع الجهاز إلى أذنها.«من معي؟»جاءها صوت امرأة هادئ:«إذا كنتِ قد رأيتِ الصورة، فلا تسمحي لدانيال بإقناعكِ بأنكِ كنتِ طفلة مريضة».تصلبت ملامح نور.«من أنتِ؟»«شخص كان حاضرًا حين قرروا محو ذاكرتكِ».وقبل أن تتمكن نور من طرح سؤال آخر، أضافت المرأة:«افتحي الظرف الذي تركته أمكِ داخل غلاف شهادة ميلادكِ. ستجدين فيه ما لم يجرؤ أبوكِ على إخباركِ به».انقطع الاتصال.لم تتحرك نور لثوانٍ. ثم اندفعت نحو خزانتها، وأخرجت صندوق الأوراق القديمة الذي احتفظت به منذ وفاة أمها.قلبت شهادات

  • الأشياء التي نجت    الفصل 9: قبلة بطعم الخيانة

    لم تكن الصورة دليلًا على جريمة فحسب. كانت دليلًا على أن دانيال ووالد نور التقيا قبل سنوات، في ليلة لم يكن من المفترض أن ينجو منها أحدهما. لكن الرجل الذي يقف أمامها الآن لم يبدُ مستعدًا لتفسير أي شيء. طوى دانيال الصورة ووضعها في جيبه. «علينا أن نغادر». ضحك أخوه بسخرية. «ما زلت تصدر الأوامر وكأنك لم تدمّر حياتي من قبل». استدارت نور نحو دانيال. «لن يتحرك أحد قبل أن أفهم ما يحدث». نظر إليها أخيرًا. كانت عيناه تحملان ذلك التعب الذي طالما أثار شفقتها، لكنها لم تعد مستعدة لأن تسمح لشفقتها بأن تعميها. «ليس هنا». «إذن أين؟ في غرفة أخرى تخفي فيها نصف الحقيقة؟» اقترب منها وخفض صوته. «نور، أرجوكِ». كانت تلك أول مرة يطلب منها شيئًا بهذه الطريقة منذ عودته؛ لا بلهجة الرجل الذي يعرف كيف يسيطر على الموقف، بل بصوت شخص يخشى أن يفقد آخر فرصة له. وللحظة، كادت تستجيب. ثم تذكرت الصورة. «لا تستخدم هذا الصوت معي». تغيرت ملامحه. «أي صوت؟» «الصوت الذي يجعلني أنسى أنني يجب أن أكرهك». لم يجب. أما أخوه، فابتعد عنهما وهو يتمتم: «حتى الآن، ما زلت تخفي عنها أسوأ ما فعلت». استدار دانيال نحوه بع

  • الأشياء التي نجت    الفصل 8: أخي الذي لا يعرفني

    «أخي».كانت الكلمة وحدها كافية لتجعل نور تنسى كل الأسئلة التي أرادت طرحها.راقبت دانيال وهو يحدّق في شاشة هاتفه. لم يُجب عن الاتصال، لكنه لم يرفضه أيضًا. ظل واقفًا في مكانه، كأن الرنين يعيده إلى حياة حاول دفنها طويلًا.ثم انقطع الصوت.بعد لحظات، وصلته رسالة.قرأها وأغلق الهاتف.«يجب أن نغادر».ضحكت نور بمرارة.«بالطبع. كلما اقتربنا من إجابة، علينا أن نهرب».«هذه المرة لا يتعلق الأمر بكِ وحدكِ».«إذن أخبرني بمن يتعلق الأمر! من أخوك؟ ولماذا ظهر اسمه الآن؟»مرر دانيال يده في شعره، ثم نظر إليها.«كان لي أخ أصغر. اختفى عندما كنت في السادسة عشرة. قالت عائلتي إنه مات، لكنهم لم يروني جثته قط».«وما علاقة ذلك بأخي؟»«لا أعرف».«أنت تعرف أكثر مما تقول دائمًا».اقترب منها خطوة، ثم توقف حين رأى نظرتها.«كنت أبحث عنه قبل أن ألتقي بكِ. وبعد الحريق، وصلتني رسالة تقول إنه مات. وبعدها بأيام، طلب مني والدكِ أن أراقبكِ».«هل كان ذلك مصادفة أيضًا؟»خرجت الإجابة منه واضحة.«لا».للمرة الأولى، لم تحاول نور انتزاع اعتراف آخر. لم تعد تثق بالكلمات، وكانت تحتاج إلى شيء لا يستطيع دانيال تغييره بمجرد أن يقرر الص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status