LOGINسارت عربة كريم طوال ساعات الفجر الأولى بسرعة معتدلة، حريصاً على ألا يثير الشبهات بسرعة مفرطة أو توقف مفاجئ، فقد كان يعلم أن الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة ستشهد نقاط تفتيش، ولو بسيطة، خصوصاً في الأيام التي تعقب المهرجانات الكبرى حين يكثر عبور التجار والمسافرين. اختبأت ياسمين بين أكوام الأقمشة، تتنفس بصعوبة من قلة الهواء وضيق المكان، لكنها كانت تفضّل هذا الانزعاج البسيط على العودة إلى قصر أبيها.
عند أول نقطة تفتيش صادفتها العربة، توقف كريم بهدوء، وتبادل التحية مع الجنود المرابطين هناك، الذين لم يكونوا يعلمون بعد بخبر اختفاء الأميرة، إذ لم يكن قد مضى على هروبها سوى ساعات قليلة، ولم تصل الأخبار بعد إلى نقاط التفتيش البعيدة عن العاصمة. سألوه عن وجهته وبضاعته، فأجابهم بثقة أنه تاجر أقمشة متجه إلى الأسواق الشمالية لبيع بضاعته، وأراهم عينة من أقمشته دون أن يسمح لهم بتفتيش العربة بالكامل، مستخدماً بعض الحيل التي تعلمها من سنوات طويلة في التجارة، مثل تقديم هدية بسيطة من القماش الفاخر لكل جندي، وهي عادة معروفة بين التجار لتجنب التفتيش الدقيق وتسريع العبور. بعد اجتياز نقطة التفتيش بسلام، تنفست ياسمين الصعداء من مخبئها، وشعرت بقلبها يهدأ قليلاً بعد أن كان يكاد يقفز من صدرها خوفاً من أن يُكتشف أمرها في تلك اللحظة الحرجة. واصل كريم السير حتى ابتعدت العربة مسافة كافية عن العاصمة وطرقها الرئيسية، ثم توقف في منطقة مشجرة بعيدة عن أعين المارة، وطرق بلطف على جانب العربة ليخبر ياسمين أن بإمكانها الخروج من مخبئها والجلوس بجانبه على مقعد السائق لبعض الوقت، لتستنشق هواءً نقياً وتريح جسدها المتعب من وضعية الانحناء الطويلة. خرجت ياسمين من بين الأقمشة بحذر، وجلست بجانب كريم، ونظرت حولها إلى الطبيعة الممتدة أمامها: حقول واسعة من القمح الذهبي تتمايل مع نسيم الصباح، وأشجار زيتون معمّرة تنتشر على السفوح البعيدة، ونهر صغير يلمع تحت أشعة الشمس المشرقة، منظر لم تره من قبل إلا من خلف نافذتها العالية في القصر، أما الآن فهي تراه على حقيقته، قريباً، ملموساً، يحمل رائحة التراب الندي وأصوات العصافير المتناغمة. شعرت بدموع الفرح تتجمع في عينيها رغم كل التعب والخوف الذي تحمّلته، فهذا هو أول يوم في حياتها تشعر فيه أنها إنسانة حرة، ولو لبضع ساعات. سألها كريم بلطف، وهو يقود العربة ببطء عبر الطريق الترابي: "كيف حالك يا سيدتي؟ أعلم أن هذا الأمر صعب عليك جداً، لكنني أعدك أنني سأوصلك بسلام إلى وادي السلام." فردّت عليه ياسمين بابتسامة متعبة لكنها صادقة: "أشكرك يا كريم على كل ما تفعله من أجلي، أعلم أنك تخاطر بحياتك، ولن أنسى هذا الجميل أبداً. وأرجوك، لا تناديني بسيدتي بعد اليوم، فأنا لست أميرة بعد الآن، بل فتاة عادية تبحث عن حياة جديدة، فلتناديني باسم آخر، أياً كان، حتى لا يكتشف أحد حقيقتي." فكر كريم قليلاً ثم قال: "حسناً، ما رأيك أن نناديك باسم 'ليلى'؟ إنه اسم شائع ولن يثير الشبهات." وافقت ياسمين على الفور، وشعرت بشيء غريب وهي تتقبل هذا الاسم الجديد، وكأنها تتخلى عن جزء من هويتها القديمة لتبدأ صفحة جديدة تماماً، صفحة لا تحمل عبء التاج ولا ثقل القصر، بل تحمل فقط اسماً بسيطاً كأي فتاة أخرى في هذه المملكة الشاسعة. واصلا السير طوال النهار، متوقفين بين الحين والآخر عند نبع ماء ليرتويا، أو تحت ظل شجرة كبيرة ليستريحا قليلاً من حر الشمس، وكان كريم يحدثها عن رحلاته التجارية السابقة، وعن القرى المختلفة التي زارها، وعاداتها وتقاليدها، محاولاً أن يهيئها نفسياً للحياة الجديدة التي تنتظرها في وادي السلام، حياة بسيطة تختلف تماماً عما اعتادت عليه في القصر. مع حلول المساء، بدأت ملامح الإرهاق تظهر على وجه ياسمين، فقد كان هذا أول يوم كامل تقضيه خارج أسوار القصر في حياتها، وأول مرة تتحرك فيها لمسافات طويلة دون أن يحملها أحد أو يخدمها. توقف كريم عند غابة صغيرة بعيدة عن الطريق الرئيسي، وقرر أن يقضيا الليلة هناك للراحة، إذ كان الطريق إلى وادي السلام لا يزال يستغرق يوماً كاملاً آخر على الأقل. أشعل ناراً صغيرة، وأعدّ لها طعاماً بسيطاً من الخبز والجبن الذي أحضره معه، وشعرت ياسمين أن هذه الوجبة البسيطة كانت ألذّ من أفخم موائد القصر التي اعتادت عليها طوال حياتها. جلست بجانب النار تتأمل ألسنة اللهب الراقصة، وتستمع إلى أصوات الغابة الليلية، حشرات تُصدر أزيزاً متناغماً، وطيور ليلية تُطلق نداءاتها الغريبة بين الحين والآخر، وشعرت بسلام داخلي غريب لم تشعر به من قبل، رغم كل مخاطر الطريق وترقب المجهول الذي ينتظرها. فكرت في سلمى التي تركتها خلفها في القصر، وتمنت لها السلامة والحماية من غضب أبيها المتوقع، ثم فكرت في أبيها نفسه، وتساءلت إن كان قلبه قد شعر بشيء من الحزن أو القلق على اختفائها، أم أن غضبه على تحدي سلطته سيطغى على أي مشاعر أخرى قد تخالجه. نام كريم بالقرب من العربة، تاركاً ياسمين تستريح داخلها بين الأقمشة الناعمة، بعد أن طمأنها أنه سيبقى يقظاً جزءاً من الليل لحراسة المكان من أي خطر محتمل، سواء من حيوانات برية أو مسافرين مشبوهين قد يمرون بالصدفة. استلقت ياسمين، وأغمضت عينيها، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، غفت وهي تشعر بشيء أشبه بالطمأنينة، رغم كل الخوف الذي لا يزال يعتمل في أعماقها من المستقبل المجهول الذي ينتظرها في القرية الغريبة التي ستصبح موطنها الجديد. استيقظت ياسمين في منتصف الليل على صوت خشخشة قريبة، فجفلت وجلست منتصبة في مكانها، قلبها يدق بعنف، لكنها سرعان ما رأت كريم يقف متيقظاً بجانب النار، وقد أمسك بعصا غليظة استعداداً لأي طارئ، وهمس لها بهدوء: "لا تخافي، إنه على الأرجح ثعلب أو أرنب بري، هذه الأصوات معتادة في الغابات ليلاً." عادت واستلقت من جديد، لكنها ظلت مستيقظة وقتاً طويلاً، تراقب النجوم المتلألئة من خلال فتحة صغيرة في سقف العربة، وتفكر في كل ما تركته خلفها، وفي كل ما ينتظرها من أيام لم تعرف بعد ملامحها، لكنها كانت على يقين من أمر واحد: مهما كانت صعوبة الطريق، فلن تتراجع عن قرارها، ولن تندم على اختيار الحرية مهما كلّفها ذلك من ثمن. ومع اقتراب الفجر، غفت أخيراً غفوة قصيرة مليئة بالأحلام المتقطعة، أحلام مزجت فيها صور القصر القديم بصور الطريق الجديد، وصوت أبيها الغاضب بصوت سلمى الحنون، وكأن عقلها يحاول أن يودّع الماضي ويستقبل المستقبل في آن واحد، تمهيداً ليوم جديد سيقودها أخيراً إلى وادي السلام، حيث تنتظرها حياة لم تختبرها من قبل، بكل ما تحمله من غموض ووعد في آن معاً. في تلك اللحظات الأخيرة قبل الوصول، راجعت ياسمين في ذهنها كل ما تعلمته من كريم عن أهل القرية وعاداتهم، محاولة أن تستعد نفسياً لأي أسئلة قد تُطرح عليها، ولأي مواقف قد تكشف عدم معرفتها ببعض التفاصيل البسيطة التي يعرفها أي شخص نشأ في مثل هذه البيئة الريفية منذ الصغر. شعرت بقلق طبيعي من فكرة أن تُكتشف كذبتها في وقت مبكر جداً، لكنها استمدت الشجاعة من عزيمتها الصلبة على بناء حياة جديدة، مهما تطلّب ذلك من حذر ودهاء في الأيام الأولى الحاسمة.سارت عربة كريم طوال ساعات الفجر الأولى بسرعة معتدلة، حريصاً على ألا يثير الشبهات بسرعة مفرطة أو توقف مفاجئ، فقد كان يعلم أن الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة ستشهد نقاط تفتيش، ولو بسيطة، خصوصاً في الأيام التي تعقب المهرجانات الكبرى حين يكثر عبور التجار والمسافرين. اختبأت ياسمين بين أكوام الأقمشة، تتنفس بصعوبة من قلة الهواء وضيق المكان، لكنها كانت تفضّل هذا الانزعاج البسيط على العودة إلى قصر أبيها.عند أول نقطة تفتيش صادفتها العربة، توقف كريم بهدوء، وتبادل التحية مع الجنود المرابطين هناك، الذين لم يكونوا يعلمون بعد بخبر اختفاء الأميرة، إذ لم يكن قد مضى على هروبها سوى ساعات قليلة، ولم تصل الأخبار بعد إلى نقاط التفتيش البعيدة عن العاصمة. سألوه عن وجهته وبضاعته، فأجابهم بثقة أنه تاجر أقمشة متجه إلى الأسواق الشمالية لبيع بضاعته، وأراهم عينة من أقمشته دون أن يسمح لهم بتفتيش العربة بالكامل، مستخدماً بعض الحيل التي تعلمها من سنوات طويلة في التجارة، مثل تقديم هدية بسيطة من القماش الفاخر لكل جندي، وهي عادة معروفة بين التجار لتجنب التفتيش الدقيق وتسريع العبور.بعد اجتياز نقطة التفتيش بسلام، تنفست ي
اقترب مهرجان الحصاد شيئاً فشيئاً، وبدأت أروقة القصر تعجّ بالحركة استعداداً للاحتفالات الكبرى التي اعتادت المملكة إقامتها في هذا الموسم من كل عام. كانت الحدائق تُزيَّن بالفوانيس الملونة، والمطابخ تفوح منها روائح الأطعمة الفاخرة التي تُعدّ لولائم الملك ووزرائه وضيوفه من الأمراء والنبلاء. وفي خضم هذا الصخب والاستعداد، كانت خطة الهروب تتشكل في صمت تام، بعيداً عن أعين الجميع، لا يعلم بها سوى ثلاثة: ياسمين، وسلمى، وكريم.اتفق الثلاثة على أن تكون ليلة الهروب هي الليلة الثانية من المهرجان، حين يبلغ الاحتفال ذروته، وتنشغل الحاشية والحرس بمراقبة كبار الضيوف والاحتفالات الرسمية في الساحة الكبرى، بينما يخفّ الانتباه إلى الأبواب الخلفية والممرات النائية التي تؤدي إلى أسوار القصر الشرقية، وهي المنطقة الأقل حراسة نظراً لإطلالتها على منحدر صخري وعر يصعب على أي غازٍ اجتيازه، ولهذا السبب بالذات اعتقد الحرس أنها لا تحتاج إلى تعزيزات كبيرة، وهو الأمر الذي استغلته سلمى في تخطيطها.في الأيام الأخيرة قبل الموعد المحدد، عملت سلمى على تأمين كل التفاصيل الصغيرة: أحضرت لياسمين عباءة داكنة اللون تخفي ملامح وجهها
مرّ أسبوعان على تلك الليلة التي بكت فيها ياسمين بين ذراعي سلمى، وقد بدأت الخطة تتشكل شيئاً فشيئاً في ذهنيهما، خطة محفوفة بالمخاطر، لكنها الأمل الوحيد الذي تبقّى لأميرة أوشكت أن تُزفّ قسراً إلى رجل لا تعرفه ولا تريده. كانت سلمى، بخبرتها الطويلة في شؤون القصر ومعرفتها بخفايا الطرق والدهاليز، قد رسمت في ذهنها مخططاً أولياً، لكنها كانت تدرك أن الأمر يحتاج إلى مساعدة من شخص آخر يمكن الوثوق به، شخص من خارج أسوار القصر.تذكرت سلمى ابن أختها "كريم"، وهو تاجر متجول يجوب القرى والمدن ببضائعه من الأقمشة والتوابل، رجل يعرف كل الطرق البرية التي تربط بين المدن، ويعرف أيضاً كيف يتحرك بحذر دون أن يثير الشبهات. كان كريم رجلاً أميناً، عُرف عنه الوفاء لخالته سلمى التي ربّته بعد وفاة والدته، فقررت أن تخاطبه في هذا الأمر الخطير، واثقة من أنه لن يخذلها.في يوم من أيام السوق، خرجت سلمى بحجتها المعتادة، والتقت بكريم في زاوية بعيدة عن أعين الناس، وأخبرته بصوت خافت مرتجف عن حال الأميرة، وعن نيتها في الهروب من القصر قبل زفافها القسري. استمع كريم بانتباه شديد، وعلت وجهه علامات القلق والتردد، فهو يعلم جيداً حجم ا
في الأيام التي تلت إعلان الملك أرغون عزمه على تزويج ابنته من الأمير زهران، ساد القصر جوّ من الترقب الحذر، إذ أدرك الخدم والحاشية أن الأميرة ياسمين لم تكن راضية عن هذا القرار، وإن كانت لم تجرؤ على إظهار اعتراضها أمام أبيها مباشرة. كانت تكتفي بالصمت الثقيل الذي يعتصر القلب، وبنظرات حزينة تلتقطها سلمى العجوز كلما دخلت عليها غرفتها لتساعدها على ارتداء ثيابها أو تسريح شعرها.في صباح أحد الأيام، استدعى الملك ابنته إلى قاعة العرش ليخبرها بتفاصيل الزفاف المرتقب، الذي حدّد له موعداً بعد ثلاثة أشهر فقط، ليتزامن مع مهرجان الحصاد السنوي الذي تحتفل به المملكة. دخلت ياسمين القاعة بخطى مثقلة، ووقفت أمام العرش الذي يعلوه أبوها، محاطاً بوزرائه وقادة جيشه، وكلهم ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى بضاعة يتفاوضون على سعرها.قال الملك بصوت جهوري لا يخلو من فخر: "لقد اتفقنا مع مملكة الشمال على أن يكون زفافك في اليوم الأول من مهرجان الحصاد. سيأتي الأمير زهران بحاشيته الكبيرة، وستكون هذه المناسبة فرصة لإظهار عظمة مملكتنا أمام الجميع." ثم التفت إلى وزرائه وأضاف: "هذا التحالف سيمنحنا جيشاً إضافياً من عشرة آلاف م
في العصور الغابرة، حين كانت الممالك تتناثر على ضفاف الأنهار وسفوح الجبال كحبات لؤلؤ منثورة على قماش شاسع، قامت مملكة "الرافدين الأبيض" في سهل خصيب تحفّه الجبال من الشمال، ويناديه البحر من الجنوب بأمواجه الهادرة. كان يحكم هذه المملكة الملك "أرغون بن ماردوخ"، رجل بلغ من القسوة مبلغاً جعل اسمه يُذكر في المجالس البعيدة قبل أن يُذكر اسم مملكته، وبلغ من العظمة العسكرية ما جعل جيرانه يتحاشون حدوده كما يتحاشى المسافرُ الظمآنُ سراباً يعرف كذبه.في قلب القصر الحجري الشاهق، وسط أروقة رخامية باردة تنعكس عليها أضواء الشموع كأشباح صامتة، وُلدت الأميرة "ياسمين"، ابنة الملك الوحيدة من زوجته الملكة "نور الهدى" التي رحلت عن الدنيا بُعيد ولادتها بأشهر قليلة، تاركة الطفلة الرضيعة بين يدي أب لم يعرف للحنان طريقاً، وقلبٍ أثقلته الخسارة فتحوّل إلى صخرة صمّاء لا يهزّها بكاء طفلة ولا يليّنها ضحكة صبية.نشأت ياسمين في أروقة ذلك القصر الذي كان أشبه بسجنٍ مذهّب منه بموطنٍ للطفولة. كانت الجواري يتناوبن على تربيتها، وكان معلّموها يُلقّنونها فنون الحكم والأدب واللغة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على أن يحتضنها كما







