LOGIN
في العصور الغابرة، حين كانت الممالك تتناثر على ضفاف الأنهار وسفوح الجبال كحبات لؤلؤ منثورة على قماش شاسع، قامت مملكة "الرافدين الأبيض" في سهل خصيب تحفّه الجبال من الشمال، ويناديه البحر من الجنوب بأمواجه الهادرة. كان يحكم هذه المملكة الملك "أرغون بن ماردوخ"، رجل بلغ من القسوة مبلغاً جعل اسمه يُذكر في المجالس البعيدة قبل أن يُذكر اسم مملكته، وبلغ من العظمة العسكرية ما جعل جيرانه يتحاشون حدوده كما يتحاشى المسافرُ الظمآنُ سراباً يعرف كذبه.
في قلب القصر الحجري الشاهق، وسط أروقة رخامية باردة تنعكس عليها أضواء الشموع كأشباح صامتة، وُلدت الأميرة "ياسمين"، ابنة الملك الوحيدة من زوجته الملكة "نور الهدى" التي رحلت عن الدنيا بُعيد ولادتها بأشهر قليلة، تاركة الطفلة الرضيعة بين يدي أب لم يعرف للحنان طريقاً، وقلبٍ أثقلته الخسارة فتحوّل إلى صخرة صمّاء لا يهزّها بكاء طفلة ولا يليّنها ضحكة صبية. نشأت ياسمين في أروقة ذلك القصر الذي كان أشبه بسجنٍ مذهّب منه بموطنٍ للطفولة. كانت الجواري يتناوبن على تربيتها، وكان معلّموها يُلقّنونها فنون الحكم والأدب واللغة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على أن يحتضنها كما تحتضن الأم ابنتها، فقد كان الجميع يخشون سخط الملك الذي لا يُبقي على أحد أخطأ في حق ابنته الوحيدة، لا لأنه يحبها، بل لأنه يعتبرها امتداداً لسلطته وملكاً من أملاكه لا يجوز لأحد أن يمسّه. كانت ياسمين في العاشرة من عمرها حين بدأت تدرك أن أباها لا يشبه آباء الأخريات. كانت تسمع من الجواري حكايات عن ملوك يحملون بناتهم على أكتافهم ويقبّلون جباههن قبل النوم، فتتساءل في نفسها: لماذا لا يفعل أبي مثل هذا؟ ولم تكن تعرف حينها أن الجواب سيأتيها مع الأيام قاسياً موجعاً، حين بدأ الملك أرغون يفرغ في ابنته كل ما يعتمل في صدره من غضبٍ على القدر الذي سلبه زوجته، وعلى الوزراء الذين يخذلونه، وعلى الأعداء الذين يتربصون بمملكته. في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، حين كانت الرياح تصفر خارج أسوار القصر كأنها تنوح على شيء مفقود، دخلت ياسمين -وكانت حينها في الثانية عشرة- إلى قاعة العرش لتسأل أباها إن كان بإمكانها الذهاب إلى حديقة القصر في اليوم التالي مع إحدى الجواري لمشاهدة أزهار اللوز التي بدأت تتفتح رغم البرد. لم يكن الملك في مزاج يحتمل مثل هذا الطلب؛ فقد وصلته في ذلك اليوم أنباء عن هزيمة كتيبة من جيشه على الحدود الشرقية. التفت إليها بعينين تقدحان شرراً، وصرخ في وجهها صرخة أفزعت الحرس الواقفين عند الأبواب: "أخرجي من هنا! ألا ترين أنني منشغل بأمور المملكة، وأنتِ تأتينني بحديث عن الزهور؟! لو كنتِ ولداً لكان لي من يخلفني، ولكنك لستِ سوى عبءٍ ثقيل حملته على كاهلي منذ ماتت أمك!" وقف الحراس صامتين، وارتجفت الجواري خلف الأعمدة، بينما وقفت ياسمين الصغيرة كتمثال من حجر، لا تدري كيف تحرّك قدميها لتخرج من القاعة، فقد كانت الكلمات كسياط لاذعة أصابت قلبها الغض قبل أن تصيب جسدها. ركضت من فورها إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وبكت حتى غلبها النوم على الأرض الباردة، فحملتها إحدى الجواري العجائز -وتُدعى "سلمى"- إلى فراشها، وظلت تربّت على شعرها حتى هدأ نحيبها، وهي تهمس في أذنها: "سيأتي يوم يا صغيرتي، تكونين فيه حرة كالطير، لا يقيّدك أحد." لم تكن تلك الليلة الأولى ولا الأخيرة التي يُطلق فيها الملك أرغون لسانه الحاد على ابنته، بل كانت بداية سلسلة طويلة من الإهانات والصراخ الذي لا يتوقف، حتى أصبحت ياسمين تتحاشى الاقتراب من أبيها إلا للضرورة القصوى، وتعيش في أطراف القصر البعيدة عن قاعة العرش، تقضي أوقاتها بين الكتب التي تسرقها من مكتبة القصر، وبين الجلوس عند نافذة عالية تطل منها على الطريق الممتد خارج الأسوار، تراقب القوافل والفلاحين وهم يمرّون في حياتهم البسيطة، وتتمنى -بقلب يتوق للحرية- أن تكون واحدة منهم. مع مرور السنين، ازدادت قسوة الملك بدلاً من أن تخفّ، فقد كان كلما تقدّم به العمر، ازداد يقيناً بأن لا وريث ذكراً له، وأن مملكته ستؤول يوماً إلى زوج ابنته -أياً كان- ما لم يُحكم قبضته عليها ويُخضعها لإرادته الكاملة، فيختار لها هو بنفسه من يتزوجها من أبناء الأمراء والملوك المجاورين، تحالفاً يخدم مصالح المملكة، لا رغبة قلبها. وكان كلما شبّ في نفس ياسمين بارقة أمل في أن تُسمع رأيها في أمر يخصّها، يُطفئها الملك بصرخة أو بضربة على الطاولة تهزّ الكؤوس الفضية، أو حتى بلطمة على وجهها في أوقات غضبه الشديد، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. كانت ياسمين تجلس في الليالي الطويلة إلى جانب سلمى، الجارية العجوز التي أحبّتها كأنها ابنتها، تحدّثها عن أمها الراحلة، وعن العالم الذي يمتد خلف أسوار المملكة، وعن قرى صغيرة تنبض بالحياة البسيطة، لا صراخ فيها ولا سياط، وكانت سلمى تروي لها كيف نشأت هي نفسها في قرية على أطراف الغابة، قبل أن يأخذها القدر إلى خدمة القصر، فتزداد ياسمين شوقاً إلى تلك الحياة البسيطة التي لم تعرفها يوماً، وتشتد في قلبها الرغبة في الفرار من هذا القصر الذي أصبح بالنسبة لها أشبه بزنزانة مذهّبة الجدران. وفي أحد الأيام، وكانت ياسمين قد بلغت السابعة عشرة من عمرها، جاءها خبر جديد أثقل كاهلها أكثر: أعلن الملك أرغون عزمه على تزويجها من أمير مملكة مجاورة يُدعى "زهران"، رجل يكبرها بعشرين عاماً، اشتهر بقسوته على رعيته وبطشه بمن يخالفه الرأي، وذلك تحالفاً عسكرياً يضمن للملك أرغون سنداً قوياً في حروبه القادمة. لم يُستشر قلب ياسمين في هذا الأمر، ولم يُسأل رأيها، بل أُبلغت بالخبر كما يُبلّغ الجندي بأمر عسكري لا نقاش فيه. في تلك الليلة، وحيدة في غرفتها، جلست ياسمين عند النافذة تنظر إلى القمر المعلّق في السماء، وتساءلت في نفسها: "هل هذا هو مصيري إذن؟ أن أنتقل من سجن أبي إلى سجن زوج لم أختره، لأعيش بقية عمري أسيرة إرادة رجل آخر؟" وشعرت حينها بشيء يتصاعد في صدرها، لم يكن حزناً هذه المرة، بل عزيمة صلبة بدأت تتشكل ببطء، عزيمة على ألا تستسلم لهذا المصير المفروض عليها، وأن تبحث عن طريق آخر، مهما كلّفها ذلك من مخاطر. كانت تلك الليلة بداية حكاية أخرى، حكاية أميرة قررت أن تكسر قيودها الذهبية، وتخوض في مجهول العالم بحثاً عن الحرية التي حُرمت منها منذ ولادتها. لم يكن قرارها ذلك وليد لحظة غضب عابرة، بل كان ثمرة سنين طويلة من الوحدة والقهر، تراكمت في أعماقها كطبقات الصخر التي يبنيها الزمن حجراً فوق حجر، حتى صارت جبلاً لا يُزحزح. كانت تعرف في قرارة نفسها أن الطريق الذي تفكر فيه محفوف بالمخاطر، وأن أباها لن يتوانى عن ملاحقتها إلى أقصى بقاع الأرض إن علم بفرارها، فكبرياؤه لا يحتمل أن يُقال عنه إن ابنته هربت من قصره كما تهرب العبدة من سيدها. لكنها آثرت المخاطرة على الاستسلام، وآثرت المجهول القاسي على المعلوم الأشد قسوة.سارت عربة كريم طوال ساعات الفجر الأولى بسرعة معتدلة، حريصاً على ألا يثير الشبهات بسرعة مفرطة أو توقف مفاجئ، فقد كان يعلم أن الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة ستشهد نقاط تفتيش، ولو بسيطة، خصوصاً في الأيام التي تعقب المهرجانات الكبرى حين يكثر عبور التجار والمسافرين. اختبأت ياسمين بين أكوام الأقمشة، تتنفس بصعوبة من قلة الهواء وضيق المكان، لكنها كانت تفضّل هذا الانزعاج البسيط على العودة إلى قصر أبيها.عند أول نقطة تفتيش صادفتها العربة، توقف كريم بهدوء، وتبادل التحية مع الجنود المرابطين هناك، الذين لم يكونوا يعلمون بعد بخبر اختفاء الأميرة، إذ لم يكن قد مضى على هروبها سوى ساعات قليلة، ولم تصل الأخبار بعد إلى نقاط التفتيش البعيدة عن العاصمة. سألوه عن وجهته وبضاعته، فأجابهم بثقة أنه تاجر أقمشة متجه إلى الأسواق الشمالية لبيع بضاعته، وأراهم عينة من أقمشته دون أن يسمح لهم بتفتيش العربة بالكامل، مستخدماً بعض الحيل التي تعلمها من سنوات طويلة في التجارة، مثل تقديم هدية بسيطة من القماش الفاخر لكل جندي، وهي عادة معروفة بين التجار لتجنب التفتيش الدقيق وتسريع العبور.بعد اجتياز نقطة التفتيش بسلام، تنفست ي
اقترب مهرجان الحصاد شيئاً فشيئاً، وبدأت أروقة القصر تعجّ بالحركة استعداداً للاحتفالات الكبرى التي اعتادت المملكة إقامتها في هذا الموسم من كل عام. كانت الحدائق تُزيَّن بالفوانيس الملونة، والمطابخ تفوح منها روائح الأطعمة الفاخرة التي تُعدّ لولائم الملك ووزرائه وضيوفه من الأمراء والنبلاء. وفي خضم هذا الصخب والاستعداد، كانت خطة الهروب تتشكل في صمت تام، بعيداً عن أعين الجميع، لا يعلم بها سوى ثلاثة: ياسمين، وسلمى، وكريم.اتفق الثلاثة على أن تكون ليلة الهروب هي الليلة الثانية من المهرجان، حين يبلغ الاحتفال ذروته، وتنشغل الحاشية والحرس بمراقبة كبار الضيوف والاحتفالات الرسمية في الساحة الكبرى، بينما يخفّ الانتباه إلى الأبواب الخلفية والممرات النائية التي تؤدي إلى أسوار القصر الشرقية، وهي المنطقة الأقل حراسة نظراً لإطلالتها على منحدر صخري وعر يصعب على أي غازٍ اجتيازه، ولهذا السبب بالذات اعتقد الحرس أنها لا تحتاج إلى تعزيزات كبيرة، وهو الأمر الذي استغلته سلمى في تخطيطها.في الأيام الأخيرة قبل الموعد المحدد، عملت سلمى على تأمين كل التفاصيل الصغيرة: أحضرت لياسمين عباءة داكنة اللون تخفي ملامح وجهها
مرّ أسبوعان على تلك الليلة التي بكت فيها ياسمين بين ذراعي سلمى، وقد بدأت الخطة تتشكل شيئاً فشيئاً في ذهنيهما، خطة محفوفة بالمخاطر، لكنها الأمل الوحيد الذي تبقّى لأميرة أوشكت أن تُزفّ قسراً إلى رجل لا تعرفه ولا تريده. كانت سلمى، بخبرتها الطويلة في شؤون القصر ومعرفتها بخفايا الطرق والدهاليز، قد رسمت في ذهنها مخططاً أولياً، لكنها كانت تدرك أن الأمر يحتاج إلى مساعدة من شخص آخر يمكن الوثوق به، شخص من خارج أسوار القصر.تذكرت سلمى ابن أختها "كريم"، وهو تاجر متجول يجوب القرى والمدن ببضائعه من الأقمشة والتوابل، رجل يعرف كل الطرق البرية التي تربط بين المدن، ويعرف أيضاً كيف يتحرك بحذر دون أن يثير الشبهات. كان كريم رجلاً أميناً، عُرف عنه الوفاء لخالته سلمى التي ربّته بعد وفاة والدته، فقررت أن تخاطبه في هذا الأمر الخطير، واثقة من أنه لن يخذلها.في يوم من أيام السوق، خرجت سلمى بحجتها المعتادة، والتقت بكريم في زاوية بعيدة عن أعين الناس، وأخبرته بصوت خافت مرتجف عن حال الأميرة، وعن نيتها في الهروب من القصر قبل زفافها القسري. استمع كريم بانتباه شديد، وعلت وجهه علامات القلق والتردد، فهو يعلم جيداً حجم ا
في الأيام التي تلت إعلان الملك أرغون عزمه على تزويج ابنته من الأمير زهران، ساد القصر جوّ من الترقب الحذر، إذ أدرك الخدم والحاشية أن الأميرة ياسمين لم تكن راضية عن هذا القرار، وإن كانت لم تجرؤ على إظهار اعتراضها أمام أبيها مباشرة. كانت تكتفي بالصمت الثقيل الذي يعتصر القلب، وبنظرات حزينة تلتقطها سلمى العجوز كلما دخلت عليها غرفتها لتساعدها على ارتداء ثيابها أو تسريح شعرها.في صباح أحد الأيام، استدعى الملك ابنته إلى قاعة العرش ليخبرها بتفاصيل الزفاف المرتقب، الذي حدّد له موعداً بعد ثلاثة أشهر فقط، ليتزامن مع مهرجان الحصاد السنوي الذي تحتفل به المملكة. دخلت ياسمين القاعة بخطى مثقلة، ووقفت أمام العرش الذي يعلوه أبوها، محاطاً بوزرائه وقادة جيشه، وكلهم ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى بضاعة يتفاوضون على سعرها.قال الملك بصوت جهوري لا يخلو من فخر: "لقد اتفقنا مع مملكة الشمال على أن يكون زفافك في اليوم الأول من مهرجان الحصاد. سيأتي الأمير زهران بحاشيته الكبيرة، وستكون هذه المناسبة فرصة لإظهار عظمة مملكتنا أمام الجميع." ثم التفت إلى وزرائه وأضاف: "هذا التحالف سيمنحنا جيشاً إضافياً من عشرة آلاف م
في العصور الغابرة، حين كانت الممالك تتناثر على ضفاف الأنهار وسفوح الجبال كحبات لؤلؤ منثورة على قماش شاسع، قامت مملكة "الرافدين الأبيض" في سهل خصيب تحفّه الجبال من الشمال، ويناديه البحر من الجنوب بأمواجه الهادرة. كان يحكم هذه المملكة الملك "أرغون بن ماردوخ"، رجل بلغ من القسوة مبلغاً جعل اسمه يُذكر في المجالس البعيدة قبل أن يُذكر اسم مملكته، وبلغ من العظمة العسكرية ما جعل جيرانه يتحاشون حدوده كما يتحاشى المسافرُ الظمآنُ سراباً يعرف كذبه.في قلب القصر الحجري الشاهق، وسط أروقة رخامية باردة تنعكس عليها أضواء الشموع كأشباح صامتة، وُلدت الأميرة "ياسمين"، ابنة الملك الوحيدة من زوجته الملكة "نور الهدى" التي رحلت عن الدنيا بُعيد ولادتها بأشهر قليلة، تاركة الطفلة الرضيعة بين يدي أب لم يعرف للحنان طريقاً، وقلبٍ أثقلته الخسارة فتحوّل إلى صخرة صمّاء لا يهزّها بكاء طفلة ولا يليّنها ضحكة صبية.نشأت ياسمين في أروقة ذلك القصر الذي كان أشبه بسجنٍ مذهّب منه بموطنٍ للطفولة. كانت الجواري يتناوبن على تربيتها، وكان معلّموها يُلقّنونها فنون الحكم والأدب واللغة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على أن يحتضنها كما






