Home / الآخر / الأميرة الهاربة / الفصل الثاني: سياط الكلمات

Share

الفصل الثاني: سياط الكلمات

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-12 13:42:47

في الأيام التي تلت إعلان الملك أرغون عزمه على تزويج ابنته من الأمير زهران، ساد القصر جوّ من الترقب الحذر، إذ أدرك الخدم والحاشية أن الأميرة ياسمين لم تكن راضية عن هذا القرار، وإن كانت لم تجرؤ على إظهار اعتراضها أمام أبيها مباشرة. كانت تكتفي بالصمت الثقيل الذي يعتصر القلب، وبنظرات حزينة تلتقطها سلمى العجوز كلما دخلت عليها غرفتها لتساعدها على ارتداء ثيابها أو تسريح شعرها.

في صباح أحد الأيام، استدعى الملك ابنته إلى قاعة العرش ليخبرها بتفاصيل الزفاف المرتقب، الذي حدّد له موعداً بعد ثلاثة أشهر فقط، ليتزامن مع مهرجان الحصاد السنوي الذي تحتفل به المملكة. دخلت ياسمين القاعة بخطى مثقلة، ووقفت أمام العرش الذي يعلوه أبوها، محاطاً بوزرائه وقادة جيشه، وكلهم ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى بضاعة يتفاوضون على سعرها.

قال الملك بصوت جهوري لا يخلو من فخر: "لقد اتفقنا مع مملكة الشمال على أن يكون زفافك في اليوم الأول من مهرجان الحصاد. سيأتي الأمير زهران بحاشيته الكبيرة، وستكون هذه المناسبة فرصة لإظهار عظمة مملكتنا أمام الجميع." ثم التفت إلى وزرائه وأضاف: "هذا التحالف سيمنحنا جيشاً إضافياً من عشرة آلاف مقاتل، وسيطرة على طرق التجارة الشمالية."

لم يكن في حديثه ذرة اهتمام بمشاعر ابنته، بل كان يتحدث عنها وعن زفافها كما يتحدث عن صفقة تجارية رابحة. تجرأت ياسمين، وبصوت يرتجف قليلاً، سألت: "أبي، ألا يمكن أن أتعرف على الأمير زهران قبل الزفاف؟ أن أعرف طبعه وأخلاقه؟" فردّ عليها الملك بنظرة حادة قائلاً: "ما شأنك بطبعه وأخلاقه؟ أنتِ لست هنا لتحبّيه، بل لتنجبي له وريثاً يوحّد مملكتينا. هذا واجبك تجاه العرش، وواجبك تجاهي."

شعرت ياسمين بغصة تخنق حلقها، لكنها تمالكت نفسها وقالت بصوت أكثر جرأة هذه المرة: "ولكن أبي، ألا يحق لي أن أختار من أحب؟ ألست ابنتك، أليس من حقي أن أُعامل كإنسان له مشاعر، لا كأداة لتوسيع الممالك؟"

انفجر الملك غضباً عند سماع هذا الكلام، ونهض من عرشه بحدّة جعلت الحاضرين يتراجعون خطوة إلى الوراء. صرخ في وجهها: "كيف تجرئين على الحديث معي بهذه الطريقة؟! هل نسيت من أنتِ؟ من أطعمك وكساك وربّاك كل هذه السنين؟ لولاي لكنتِ الآن جارية في بيت أحد الأمراء، لا أميرة تتحدث بهذا الغرور!" ثم اقترب منها، ورفع يده، وصفعها على وجهها صفعة قوية جعلتها تترنح وتكاد تسقط أرضاً، فانحنى رأسها وسقطت دموعها بصمت، بينما وقف الحاضرون جميعاً صامتين، لا يجرؤ أحد منهم على التدخل أو حتى النظر مباشرة إلى وجه الأميرة المُهانة.

أضاف الملك بصوت أكثر هدوءاً لكنه لا يقل قسوة: "اخرجي من هنا، واستعدي لزفافك كما يليق بأميرة، ولا أريد أن أسمع منك كلمة اعتراض أخرى، وإلا سأجعل حراسي يلازمونك ليل نهار حتى لا تفكري في فعل حماقة." ثم أشار بيده إلى الحرس ليرافقوها خارج القاعة.

خرجت ياسمين من قاعة العرش وخدّها لا يزال يحترق من أثر الصفعة، وقلبها يعتصر ألماً أشد من ألم الجسد، فقد كانت هذه الصفعة الأقوى التي تلقتها من أبيها منذ سنين، وكأنها إعلان صريح بأن كل شيء تغيّر، وأن أباها لن يتردد بعد اليوم في استخدام القوة الجسدية كلما شعر أنها تتجاوز الحدود التي رسمها لها.

ركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوة، وانهارت باكية على سريرها. جاءتها سلمى مسرعة حين سمعت الأخبار من إحدى الجواري، ودخلت الغرفة بهدوء، وجلست بجانبها، وبدأت تربّت على ظهرها بحنان، دون أن تقول كلمة واحدة، فقط تركتها تبكي حتى تفرغ كل ما في صدرها من ألم.

بعد أن هدأ نحيبها قليلاً، رفعت ياسمين رأسها ونظرت إلى سلمى بعينين محمرّتين، وقالت بصوت متهدج: "سلمى، لا أستطيع أن أعيش هكذا بعد اليوم. لا أستطيع أن أتزوج رجلاً لا أعرفه، وأن أقضي بقية حياتي في قصر آخر، تحت سلطة رجل آخر، بعد أن عشت عمري كله تحت سلطة أبي. أريد أن أهرب يا سلمى، أريد أن أعيش حياة أخرى، حياة بسيطة، حتى لو كانت فقيرة، المهم أن تكون حياتي أنا، لا حياة يُخطط لها الآخرون."

نظرت سلمى إليها طويلاً، وفي عينيها مزيج من الخوف والشفقة والفخر، ثم قالت بصوت خافت: "يا صغيرتي، ما تطلبينه ليس بالأمر الهيّن. الهروب من هذا القصر يعني الهروب من كل حياة عرفتها، ويعني أنك لن تعودي أبداً أميرة، بل ستكونين مطلوبة، هاربة يبحث عنها جنود أبيك في كل ركن من أركان المملكة. هل أنتِ مستعدة لكل هذا؟"

أجابت ياسمين بثبات فاجأ حتى نفسها: "نعم، مستعدة. أفضّل أن أكون هاربة حرة، على أن أكون أميرة أسيرة. لقد قررت يا سلمى، ولن أتراجع."

عندها، وبعد صمت طويل، تنهدت سلمى تنهيدة عميقة، وقالت: "إذن، دعيني أفكر في طريقة تساعدك. لكن عليك أن تعديني بأن تكوني حذرة للغاية، فإن اكتُشف الأمر قبل أوانه، فلن يرحمك أبوك، ولن يرحمني أنا أيضاً."

بهذا الحديث، بدأت بذرة الخطة الأولى للهروب تتشكل في ذهن ياسمين، بذرة سقتها الدموع والألم، وغذّتها رغبة عارمة في الحرية لا تعرف الخوف من المجهول، بقدر ما تخاف من استمرار الحاضر المؤلم.

في الأيام التالية، حاولت ياسمين أن تتصرف بشكل طبيعي أمام أبيها والحاشية، حتى لا يشتبه أحد في نيتها، فكانت تحضر الولائم، وتستقبل التهاني من كبار القوم على زفافها المرتقب، وتبتسم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيها. كانت في داخلها تعدّ الأيام، وتراقب كل التفاصيل الصغيرة في حركة الحرس داخل القصر وخارجه، تحفظ أوقات تبديل النوبات، وأماكن الأبواب الأقل حراسة، وتستمع بصمت إلى أحاديث الجنود العابرة عساها تجد فيها خيطاً يفيدها.

كانت سلمى في تلك الأثناء تخرج من القصر بين الحين والآخر بحجة شراء بعض الأعشاب والحاجيات من السوق القريب، مستغلة ثقة كبير الخدم بها، وكانت في كل مرة تجمع معلومات جديدة عن الطرق المؤدية خارج حدود العاصمة، وعن القرى النائية التي قد تصلح مخبأً آمناً لأميرة هاربة لا يعرفها أحد هناك. كانت تعلم أن أخطر ما في الأمر هو الأيام الأولى بعد الهروب، حين يشتد البحث ويُغلق كل طريق، لذا كانت تخطط لأن يكون الفرار في وقت تكون فيه انتباه الحراس مشغولاً بأمر آخر، ربما في ليلة احتفال كبير، حين تنشغل المملكة كلها بالفرح، وتقل الحراسة على الأبواب الخلفية للقصر.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت ياسمين تجلس عند نافذتها المعتادة تراقب النجوم، تذكرت كلمات أمها التي رحلت عنها وهي طفلة، والتي كانت سلمى تحدّثها عنها دائماً: "كانت أمك، رحمها الله، امرأة تحب الحرية أكثر من أي شيء، وكانت تقول دائماً إن القيد الذهبي لا يقل ثقلاً عن القيد الحديدي، بل ربما كان أثقل، لأنه يخدع صاحبه بلمعانه فيظن نفسه سعيداً وهو في الحقيقة أسير." وشعرت ياسمين حينها أن روح أمها تحدّثها من خلال تلك الكلمات، وتشجعها على المضي في طريق التحرر الذي اختارته لنفسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأميرة الهاربة   الفصل الخامس: طريق الغرباء

    سارت عربة كريم طوال ساعات الفجر الأولى بسرعة معتدلة، حريصاً على ألا يثير الشبهات بسرعة مفرطة أو توقف مفاجئ، فقد كان يعلم أن الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة ستشهد نقاط تفتيش، ولو بسيطة، خصوصاً في الأيام التي تعقب المهرجانات الكبرى حين يكثر عبور التجار والمسافرين. اختبأت ياسمين بين أكوام الأقمشة، تتنفس بصعوبة من قلة الهواء وضيق المكان، لكنها كانت تفضّل هذا الانزعاج البسيط على العودة إلى قصر أبيها.عند أول نقطة تفتيش صادفتها العربة، توقف كريم بهدوء، وتبادل التحية مع الجنود المرابطين هناك، الذين لم يكونوا يعلمون بعد بخبر اختفاء الأميرة، إذ لم يكن قد مضى على هروبها سوى ساعات قليلة، ولم تصل الأخبار بعد إلى نقاط التفتيش البعيدة عن العاصمة. سألوه عن وجهته وبضاعته، فأجابهم بثقة أنه تاجر أقمشة متجه إلى الأسواق الشمالية لبيع بضاعته، وأراهم عينة من أقمشته دون أن يسمح لهم بتفتيش العربة بالكامل، مستخدماً بعض الحيل التي تعلمها من سنوات طويلة في التجارة، مثل تقديم هدية بسيطة من القماش الفاخر لكل جندي، وهي عادة معروفة بين التجار لتجنب التفتيش الدقيق وتسريع العبور.بعد اجتياز نقطة التفتيش بسلام، تنفست ي

  • الأميرة الهاربة   الفصل الرابع: ليلة القمر الغائب

    اقترب مهرجان الحصاد شيئاً فشيئاً، وبدأت أروقة القصر تعجّ بالحركة استعداداً للاحتفالات الكبرى التي اعتادت المملكة إقامتها في هذا الموسم من كل عام. كانت الحدائق تُزيَّن بالفوانيس الملونة، والمطابخ تفوح منها روائح الأطعمة الفاخرة التي تُعدّ لولائم الملك ووزرائه وضيوفه من الأمراء والنبلاء. وفي خضم هذا الصخب والاستعداد، كانت خطة الهروب تتشكل في صمت تام، بعيداً عن أعين الجميع، لا يعلم بها سوى ثلاثة: ياسمين، وسلمى، وكريم.اتفق الثلاثة على أن تكون ليلة الهروب هي الليلة الثانية من المهرجان، حين يبلغ الاحتفال ذروته، وتنشغل الحاشية والحرس بمراقبة كبار الضيوف والاحتفالات الرسمية في الساحة الكبرى، بينما يخفّ الانتباه إلى الأبواب الخلفية والممرات النائية التي تؤدي إلى أسوار القصر الشرقية، وهي المنطقة الأقل حراسة نظراً لإطلالتها على منحدر صخري وعر يصعب على أي غازٍ اجتيازه، ولهذا السبب بالذات اعتقد الحرس أنها لا تحتاج إلى تعزيزات كبيرة، وهو الأمر الذي استغلته سلمى في تخطيطها.في الأيام الأخيرة قبل الموعد المحدد، عملت سلمى على تأمين كل التفاصيل الصغيرة: أحضرت لياسمين عباءة داكنة اللون تخفي ملامح وجهها

  • الأميرة الهاربة   الفصل الثالث: بذور الخطة

    مرّ أسبوعان على تلك الليلة التي بكت فيها ياسمين بين ذراعي سلمى، وقد بدأت الخطة تتشكل شيئاً فشيئاً في ذهنيهما، خطة محفوفة بالمخاطر، لكنها الأمل الوحيد الذي تبقّى لأميرة أوشكت أن تُزفّ قسراً إلى رجل لا تعرفه ولا تريده. كانت سلمى، بخبرتها الطويلة في شؤون القصر ومعرفتها بخفايا الطرق والدهاليز، قد رسمت في ذهنها مخططاً أولياً، لكنها كانت تدرك أن الأمر يحتاج إلى مساعدة من شخص آخر يمكن الوثوق به، شخص من خارج أسوار القصر.تذكرت سلمى ابن أختها "كريم"، وهو تاجر متجول يجوب القرى والمدن ببضائعه من الأقمشة والتوابل، رجل يعرف كل الطرق البرية التي تربط بين المدن، ويعرف أيضاً كيف يتحرك بحذر دون أن يثير الشبهات. كان كريم رجلاً أميناً، عُرف عنه الوفاء لخالته سلمى التي ربّته بعد وفاة والدته، فقررت أن تخاطبه في هذا الأمر الخطير، واثقة من أنه لن يخذلها.في يوم من أيام السوق، خرجت سلمى بحجتها المعتادة، والتقت بكريم في زاوية بعيدة عن أعين الناس، وأخبرته بصوت خافت مرتجف عن حال الأميرة، وعن نيتها في الهروب من القصر قبل زفافها القسري. استمع كريم بانتباه شديد، وعلت وجهه علامات القلق والتردد، فهو يعلم جيداً حجم ا

  • الأميرة الهاربة   الفصل الثاني: سياط الكلمات

    في الأيام التي تلت إعلان الملك أرغون عزمه على تزويج ابنته من الأمير زهران، ساد القصر جوّ من الترقب الحذر، إذ أدرك الخدم والحاشية أن الأميرة ياسمين لم تكن راضية عن هذا القرار، وإن كانت لم تجرؤ على إظهار اعتراضها أمام أبيها مباشرة. كانت تكتفي بالصمت الثقيل الذي يعتصر القلب، وبنظرات حزينة تلتقطها سلمى العجوز كلما دخلت عليها غرفتها لتساعدها على ارتداء ثيابها أو تسريح شعرها.في صباح أحد الأيام، استدعى الملك ابنته إلى قاعة العرش ليخبرها بتفاصيل الزفاف المرتقب، الذي حدّد له موعداً بعد ثلاثة أشهر فقط، ليتزامن مع مهرجان الحصاد السنوي الذي تحتفل به المملكة. دخلت ياسمين القاعة بخطى مثقلة، ووقفت أمام العرش الذي يعلوه أبوها، محاطاً بوزرائه وقادة جيشه، وكلهم ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى بضاعة يتفاوضون على سعرها.قال الملك بصوت جهوري لا يخلو من فخر: "لقد اتفقنا مع مملكة الشمال على أن يكون زفافك في اليوم الأول من مهرجان الحصاد. سيأتي الأمير زهران بحاشيته الكبيرة، وستكون هذه المناسبة فرصة لإظهار عظمة مملكتنا أمام الجميع." ثم التفت إلى وزرائه وأضاف: "هذا التحالف سيمنحنا جيشاً إضافياً من عشرة آلاف م

  • الأميرة الهاربة   الفصل الأول: قصر الأحزان

    في العصور الغابرة، حين كانت الممالك تتناثر على ضفاف الأنهار وسفوح الجبال كحبات لؤلؤ منثورة على قماش شاسع، قامت مملكة "الرافدين الأبيض" في سهل خصيب تحفّه الجبال من الشمال، ويناديه البحر من الجنوب بأمواجه الهادرة. كان يحكم هذه المملكة الملك "أرغون بن ماردوخ"، رجل بلغ من القسوة مبلغاً جعل اسمه يُذكر في المجالس البعيدة قبل أن يُذكر اسم مملكته، وبلغ من العظمة العسكرية ما جعل جيرانه يتحاشون حدوده كما يتحاشى المسافرُ الظمآنُ سراباً يعرف كذبه.في قلب القصر الحجري الشاهق، وسط أروقة رخامية باردة تنعكس عليها أضواء الشموع كأشباح صامتة، وُلدت الأميرة "ياسمين"، ابنة الملك الوحيدة من زوجته الملكة "نور الهدى" التي رحلت عن الدنيا بُعيد ولادتها بأشهر قليلة، تاركة الطفلة الرضيعة بين يدي أب لم يعرف للحنان طريقاً، وقلبٍ أثقلته الخسارة فتحوّل إلى صخرة صمّاء لا يهزّها بكاء طفلة ولا يليّنها ضحكة صبية.نشأت ياسمين في أروقة ذلك القصر الذي كان أشبه بسجنٍ مذهّب منه بموطنٍ للطفولة. كانت الجواري يتناوبن على تربيتها، وكان معلّموها يُلقّنونها فنون الحكم والأدب واللغة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على أن يحتضنها كما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status