LOGINمرّ أسبوعان على تلك الليلة التي بكت فيها ياسمين بين ذراعي سلمى، وقد بدأت الخطة تتشكل شيئاً فشيئاً في ذهنيهما، خطة محفوفة بالمخاطر، لكنها الأمل الوحيد الذي تبقّى لأميرة أوشكت أن تُزفّ قسراً إلى رجل لا تعرفه ولا تريده. كانت سلمى، بخبرتها الطويلة في شؤون القصر ومعرفتها بخفايا الطرق والدهاليز، قد رسمت في ذهنها مخططاً أولياً، لكنها كانت تدرك أن الأمر يحتاج إلى مساعدة من شخص آخر يمكن الوثوق به، شخص من خارج أسوار القصر.
تذكرت سلمى ابن أختها "كريم"، وهو تاجر متجول يجوب القرى والمدن ببضائعه من الأقمشة والتوابل، رجل يعرف كل الطرق البرية التي تربط بين المدن، ويعرف أيضاً كيف يتحرك بحذر دون أن يثير الشبهات. كان كريم رجلاً أميناً، عُرف عنه الوفاء لخالته سلمى التي ربّته بعد وفاة والدته، فقررت أن تخاطبه في هذا الأمر الخطير، واثقة من أنه لن يخذلها. في يوم من أيام السوق، خرجت سلمى بحجتها المعتادة، والتقت بكريم في زاوية بعيدة عن أعين الناس، وأخبرته بصوت خافت مرتجف عن حال الأميرة، وعن نيتها في الهروب من القصر قبل زفافها القسري. استمع كريم بانتباه شديد، وعلت وجهه علامات القلق والتردد، فهو يعلم جيداً حجم الخطر الذي قد يتعرض له إن اكتُشف تورطه في مساعدة أميرة على الفرار من قصر أبيها، فقد يعني ذلك الإعدام له ولكل من يمت له بصلة. قال كريم بعد صمت طويل: "خالتي، أنتِ تطلبين مني أن أخاطر بحياتي وحياة عائلتي كلها. إن اكتُشف الأمر، فلن يرحمنا الملك، بل سيقتلنا جميعاً كعبرة لمن يفكر في مساعدة أميرة هاربة." فردّت عليه سلمى بعينين مغرورقتين بالدموع: "أعلم يا بني، أعلم حجم ما أطلبه منك، ولكن انظر إلى حال هذه الفتاة، إنها تعيش كالسجينة منذ ولادتها، وستُزوَّج قسراً لرجل يكبرها بعشرين عاماً، رجل يُقال إنه لا يرحم حتى رعيته، فكيف سيكون حاله مع زوجة لم يخترها بقلبه بل فرضتها عليه المصالح السياسية؟ أرجوك يا كريم، ساعدني، فأنا لا أملك أحداً غيرك أثق به في هذا الأمر." تأمل كريم وجه خالته الملؤم بالتوسل، وتذكر كيف ربّته وأحسنت إليه بعد وفاة أمه، فشعر أنه مدين لها بحياته كلها، فتنهد أخيراً وقال: "حسناً يا خالتي، سأساعدكما، ولكن يجب أن نخطط لكل شيء بدقة متناهية، فلا مجال لأي خطأ. سأحتاج إلى وقت لأجد مكاناً آمناً بعيداً عن أعين جواسيس الملك، مكاناً لا يخطر على بال أحد أن يبحث فيه عن أميرة هاربة." بدأ كريم من ذلك اليوم بجمع المعلومات عن القرى النائية التي تبعد عن العاصمة مسافة كافية تحول دون وصول أخبار الأميرة إليها بسهولة، وفي الوقت نفسه لا تكون بعيدة جداً بحيث يصعب الوصول إليها في رحلة واحدة آمنة. استقر رأيه أخيراً على قرية صغيرة تُدعى "وادي السلام"، تقع بين سفوح الجبال وضفاف نهر صغير، بعيدة عن الطرق التجارية الرئيسية، يعيش فيها فلاحون بسطاء لا يعرفون الكثير عن شؤون القصر وسياسته، وقد زارها كريم من قبل في إحدى رحلاته التجارية، وعرف فيها عائلة طيبة يمكن أن تحتضن فتاة غريبة دون أن تسأل كثيراً عن ماضيها. في الأثناء، كانت ياسمين تعيش أيامها بين الخوف والأمل، تخشى أن يُكتشف أمرها قبل أن تتمكن من الهروب، وتأمل في الوقت نفسه أن تجد أخيراً طريقاً إلى حياة تستحق أن تُعاش. كانت تتدرب سراً، بمساعدة سلمى، على أمور بسيطة ظنت أنها ستحتاجها في حياتها الجديدة: كيفية إشعال النار، وكيفية طهي طعام بسيط، وكيفية خياطة الثياب، مهارات لم تكن تتخيل يوماً أنها ستحتاج إلى تعلمها، هي التي عاشت طوال حياتها محاطة بالخدم الذين يقومون بكل شيء نيابة عنها. كانت تخفي أيضاً بعض المجوهرات الصغيرة والقطع الذهبية في مكان سري داخل غرفتها، معتقدة أنها قد تحتاج إلى بيعها لاحقاً لتأمين معيشتها في حياتها الجديدة بعيداً عن ترف القصر. جمعت أيضاً بعض الثياب البسيطة غير اللافتة، اشترتها سلمى لها من السوق بحجة أنها هدايا لإحدى الجواري، لتستبدل بها ثيابها الفاخرة المطرزة التي تكشف على الفور أنها أميرة إن ارتدتها خارج أسوار القصر. مرّت الأيام ثقيلة بطيئة، وكل يوم يمرّ يقرّب موعد الزفاف المشؤوم، ويزيد من قلق ياسمين وترقبها. كانت تخشى أن تنفد الأيام قبل أن يكتمل استعداد كريم للخطة، لكنها كانت تثق بسلمى وبحكمتها، وتؤمن أن كل شيء سيسير على ما يرام إن تحلّت بالصبر والحذر اللازمين. في أحد الأيام، أخبرتها سلمى بصوت خافت وهي تساعدها على تمشيط شعرها: "لقد وجد كريم مكاناً مناسباً يا صغيرتي، قرية بعيدة تُدعى وادي السلام، هناك عائلة طيبة قد تقبل باحتضانك. لكن الرحلة إليها ستستغرق يومين على الأقل، وسنحتاج إلى التخطيط لموعد مناسب للهروب، موعد لا يلفت الانتباه، وربما يكون ذلك خلال مهرجان الحصاد القادم، حين تنشغل المملكة كلها بالاحتفالات، وتقل الحراسة نسبياً في بعض أطراف القصر." شعرت ياسمين بقلبها يخفق بقوة عند سماع هذا الخبر، مزيج من الخوف والأمل يتصارعان في صدرها. سألت بصوت مرتجف: "هل تعتقدين حقاً أن هذا سينجح يا سلمى؟" فابتسمت سلمى ابتسامة حزينة، وأجابت: "لا أعرف يا صغيرتي، لكنني أعرف أن البقاء هنا لن يجلب لك سوى المزيد من الألم. أحياناً، المخاطرة من أجل الحرية تستحق كل الثمن الذي قد ندفعه." وهكذا، بدأت خيوط الخطة تتشابك وتتضح ملامحها شيئاً فشيئاً، وبدأت ياسمين تشعر لأول مرة منذ سنين طويلة ببارقة أمل حقيقية، أمل في أن يأتي يوم تكون فيه حرة، بعيدة عن سياط الكلمات القاسية، وعن قيود القصر الذهبية التي أثقلت روحها منذ الطفولة. في الليل، حين يخلد القصر إلى سكونه المعتاد، كانت ياسمين تخرج من فراشها بهدوء، وتقف أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، تتأمل انعكاس صورتها، وتحاول أن تتخيل نفسها في ثوب فلاحة بسيط، تحمل جرة ماء على كتفها، أو تعجن الخبز في فناء بيت طيني صغير. كانت هذه الصور تمنحها سلوى غريبة، وتزرع في قلبها يقيناً متجدداً بأن الحياة التي تحلم بها ليست مستحيلة، وأنها قادرة على أن تكون إنساناً عادياً، بعيداً عن ثقل التاج الذي لم تطلبه يوماً. كانت تفكر أيضاً في مصير سلمى بعد هروبها، فقد كانت تعلم أن الملك سيغضب غضباً شديداً، وقد يوجه شكوكه نحو الجارية العجوز التي طالما كانت الأقرب إليها. حاولت أن تقنع سلمى بألا تخاطر بنفسها أكثر مما ينبغي، وأن تجد لها عذراً مقنعاً يبعد عنها الشبهات، لكن سلمى كانت تصرّ دائماً: "لا تقلقي عليّ يا صغيرتي، فقد عشت حياتي كاملة، وما تبقى لي من أيام لا يساوي شيئاً أمام أن أراك حرة سعيدة. هذا أقل ما يمكنني فعله وفاءً لروح أمك التي كانت بمثابة ابنتي أيضاً قبل أن ترحل." وبهذا الوفاء المتبادل بين الأميرة الشابة والجارية العجوز، تعمّقت الرابطة بينهما أكثر من رابطة الدم نفسها، وصارت كل واحدة منهما تستمد من الأخرى قوة لمواجهة ما هو آتٍ من أيام مجهولة، لا يعلم أحد إلى أين ستقودهما، ولا كيف ستنتهيسارت عربة كريم طوال ساعات الفجر الأولى بسرعة معتدلة، حريصاً على ألا يثير الشبهات بسرعة مفرطة أو توقف مفاجئ، فقد كان يعلم أن الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة ستشهد نقاط تفتيش، ولو بسيطة، خصوصاً في الأيام التي تعقب المهرجانات الكبرى حين يكثر عبور التجار والمسافرين. اختبأت ياسمين بين أكوام الأقمشة، تتنفس بصعوبة من قلة الهواء وضيق المكان، لكنها كانت تفضّل هذا الانزعاج البسيط على العودة إلى قصر أبيها.عند أول نقطة تفتيش صادفتها العربة، توقف كريم بهدوء، وتبادل التحية مع الجنود المرابطين هناك، الذين لم يكونوا يعلمون بعد بخبر اختفاء الأميرة، إذ لم يكن قد مضى على هروبها سوى ساعات قليلة، ولم تصل الأخبار بعد إلى نقاط التفتيش البعيدة عن العاصمة. سألوه عن وجهته وبضاعته، فأجابهم بثقة أنه تاجر أقمشة متجه إلى الأسواق الشمالية لبيع بضاعته، وأراهم عينة من أقمشته دون أن يسمح لهم بتفتيش العربة بالكامل، مستخدماً بعض الحيل التي تعلمها من سنوات طويلة في التجارة، مثل تقديم هدية بسيطة من القماش الفاخر لكل جندي، وهي عادة معروفة بين التجار لتجنب التفتيش الدقيق وتسريع العبور.بعد اجتياز نقطة التفتيش بسلام، تنفست ي
اقترب مهرجان الحصاد شيئاً فشيئاً، وبدأت أروقة القصر تعجّ بالحركة استعداداً للاحتفالات الكبرى التي اعتادت المملكة إقامتها في هذا الموسم من كل عام. كانت الحدائق تُزيَّن بالفوانيس الملونة، والمطابخ تفوح منها روائح الأطعمة الفاخرة التي تُعدّ لولائم الملك ووزرائه وضيوفه من الأمراء والنبلاء. وفي خضم هذا الصخب والاستعداد، كانت خطة الهروب تتشكل في صمت تام، بعيداً عن أعين الجميع، لا يعلم بها سوى ثلاثة: ياسمين، وسلمى، وكريم.اتفق الثلاثة على أن تكون ليلة الهروب هي الليلة الثانية من المهرجان، حين يبلغ الاحتفال ذروته، وتنشغل الحاشية والحرس بمراقبة كبار الضيوف والاحتفالات الرسمية في الساحة الكبرى، بينما يخفّ الانتباه إلى الأبواب الخلفية والممرات النائية التي تؤدي إلى أسوار القصر الشرقية، وهي المنطقة الأقل حراسة نظراً لإطلالتها على منحدر صخري وعر يصعب على أي غازٍ اجتيازه، ولهذا السبب بالذات اعتقد الحرس أنها لا تحتاج إلى تعزيزات كبيرة، وهو الأمر الذي استغلته سلمى في تخطيطها.في الأيام الأخيرة قبل الموعد المحدد، عملت سلمى على تأمين كل التفاصيل الصغيرة: أحضرت لياسمين عباءة داكنة اللون تخفي ملامح وجهها
مرّ أسبوعان على تلك الليلة التي بكت فيها ياسمين بين ذراعي سلمى، وقد بدأت الخطة تتشكل شيئاً فشيئاً في ذهنيهما، خطة محفوفة بالمخاطر، لكنها الأمل الوحيد الذي تبقّى لأميرة أوشكت أن تُزفّ قسراً إلى رجل لا تعرفه ولا تريده. كانت سلمى، بخبرتها الطويلة في شؤون القصر ومعرفتها بخفايا الطرق والدهاليز، قد رسمت في ذهنها مخططاً أولياً، لكنها كانت تدرك أن الأمر يحتاج إلى مساعدة من شخص آخر يمكن الوثوق به، شخص من خارج أسوار القصر.تذكرت سلمى ابن أختها "كريم"، وهو تاجر متجول يجوب القرى والمدن ببضائعه من الأقمشة والتوابل، رجل يعرف كل الطرق البرية التي تربط بين المدن، ويعرف أيضاً كيف يتحرك بحذر دون أن يثير الشبهات. كان كريم رجلاً أميناً، عُرف عنه الوفاء لخالته سلمى التي ربّته بعد وفاة والدته، فقررت أن تخاطبه في هذا الأمر الخطير، واثقة من أنه لن يخذلها.في يوم من أيام السوق، خرجت سلمى بحجتها المعتادة، والتقت بكريم في زاوية بعيدة عن أعين الناس، وأخبرته بصوت خافت مرتجف عن حال الأميرة، وعن نيتها في الهروب من القصر قبل زفافها القسري. استمع كريم بانتباه شديد، وعلت وجهه علامات القلق والتردد، فهو يعلم جيداً حجم ا
في الأيام التي تلت إعلان الملك أرغون عزمه على تزويج ابنته من الأمير زهران، ساد القصر جوّ من الترقب الحذر، إذ أدرك الخدم والحاشية أن الأميرة ياسمين لم تكن راضية عن هذا القرار، وإن كانت لم تجرؤ على إظهار اعتراضها أمام أبيها مباشرة. كانت تكتفي بالصمت الثقيل الذي يعتصر القلب، وبنظرات حزينة تلتقطها سلمى العجوز كلما دخلت عليها غرفتها لتساعدها على ارتداء ثيابها أو تسريح شعرها.في صباح أحد الأيام، استدعى الملك ابنته إلى قاعة العرش ليخبرها بتفاصيل الزفاف المرتقب، الذي حدّد له موعداً بعد ثلاثة أشهر فقط، ليتزامن مع مهرجان الحصاد السنوي الذي تحتفل به المملكة. دخلت ياسمين القاعة بخطى مثقلة، ووقفت أمام العرش الذي يعلوه أبوها، محاطاً بوزرائه وقادة جيشه، وكلهم ينظرون إليها كما ينظر التجار إلى بضاعة يتفاوضون على سعرها.قال الملك بصوت جهوري لا يخلو من فخر: "لقد اتفقنا مع مملكة الشمال على أن يكون زفافك في اليوم الأول من مهرجان الحصاد. سيأتي الأمير زهران بحاشيته الكبيرة، وستكون هذه المناسبة فرصة لإظهار عظمة مملكتنا أمام الجميع." ثم التفت إلى وزرائه وأضاف: "هذا التحالف سيمنحنا جيشاً إضافياً من عشرة آلاف م
في العصور الغابرة، حين كانت الممالك تتناثر على ضفاف الأنهار وسفوح الجبال كحبات لؤلؤ منثورة على قماش شاسع، قامت مملكة "الرافدين الأبيض" في سهل خصيب تحفّه الجبال من الشمال، ويناديه البحر من الجنوب بأمواجه الهادرة. كان يحكم هذه المملكة الملك "أرغون بن ماردوخ"، رجل بلغ من القسوة مبلغاً جعل اسمه يُذكر في المجالس البعيدة قبل أن يُذكر اسم مملكته، وبلغ من العظمة العسكرية ما جعل جيرانه يتحاشون حدوده كما يتحاشى المسافرُ الظمآنُ سراباً يعرف كذبه.في قلب القصر الحجري الشاهق، وسط أروقة رخامية باردة تنعكس عليها أضواء الشموع كأشباح صامتة، وُلدت الأميرة "ياسمين"، ابنة الملك الوحيدة من زوجته الملكة "نور الهدى" التي رحلت عن الدنيا بُعيد ولادتها بأشهر قليلة، تاركة الطفلة الرضيعة بين يدي أب لم يعرف للحنان طريقاً، وقلبٍ أثقلته الخسارة فتحوّل إلى صخرة صمّاء لا يهزّها بكاء طفلة ولا يليّنها ضحكة صبية.نشأت ياسمين في أروقة ذلك القصر الذي كان أشبه بسجنٍ مذهّب منه بموطنٍ للطفولة. كانت الجواري يتناوبن على تربيتها، وكان معلّموها يُلقّنونها فنون الحكم والأدب واللغة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على أن يحتضنها كما







