Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل السابع: أنفاس مستعارة

Share

الفصل السابع: أنفاس مستعارة

last update publish date: 2026-09-28 20:03:56

حين وصل العدّ التنازلي إلى الصفر، أضاءت شاشة المشغّل بلون أزرق هادئ، وامتلأت السماعة بنغمة اتصال بعيدة، ثم بصمت قصير مشبع بأنفاس امرأة. أدرك كريم أنه لم يتنفس منذ ثوانٍ، فسحب هواءً طويلًا، فتذبذب الميكروفون البلوري أمامه بحساسية مخيفة، وسمع من الطرف الآخر صوتًا يقول بحذر: "سليم؟".

قبل ساعة من ذلك، لقّنته نادين ثلاث قواعد كما يُلقَّن الغواص قواعد النزول: لا تصمت أكثر من ثلاث ثوانٍ، فالصمت يمنح المستخدمة فرصة لتفكر. ولا تنطق كلمة "أحبك" قبلها، فالكلمة الأولى يجب أن تكون منها. وإذا بكت، فلا تواسِها، بل قل لها إنك تشعر بما تشعر. كان يومئ لكل قاعدة كتلميذ مطيع، وهو يحس أن كل واحدة منها تُدخل خيطًا جديدًا في نسيج لا يريد أن يكون جزءًا منه.

"أنا هنا". خرجت الجملة من حنجرته، وعبرت الحاسوب، فعادت إلى أذنيه بصوت آخر لم يكن صوته: أعمق وأدفأ، بتشويش خفيف يشبه غبارًا ناعمًا على زجاج. كان يشعر بأنه ينظر إلى وجهه في مرآة غريبة. ارتبك، فأضاءت الشاشة الصغيرة أمامه بنص مقترح: "اشتقت إلى سماع صوتك". قرأه بصوت متردد، فجاءه رد ياسمين مبللًا بشيء يشبه البكاء المكتوم: "وأنا كمان. بس النهارده حصلت حاجة خلتني أتلخبط".

كان يعرف هذا الإحساس من قبل: أن تقول شيئًا لا تعنيه لشخص يصدقك تمامًا. حدث له ذلك مع هالة في أشهر الأزمة الأولى، حين قال لها إن كل شيء سيكون على ما يرام وهو يحدّق في رقم أحمر على شاشة. لكنه هناك كان يكذب لأنه يخاف عليها، أما هنا فكان يكذب لأن ضعف امرأة ما سيُقاس، وعاطفتها ستُباع في باقة براقة. أحسّ بغثيان خفيف، وواصل الكلام، لأن الشاشة لا تنتظر أحدًا.

كانت النصوص تتدفق على الشاشة كماء في قناة محفورة، جملة بعد جملة، فيقولها بصوته وهو يراقب الأرقام التي تتغير في زاوية الشاشة: نبض المستخدمة، ونبرة صوتها، ونسبة الثقة. بدا له أن الآلة تقود رقصة، وأنه لا يعدو كونه قدمين مستعارتين في هذه الرقصة. لكن ياسمين توقفت فجأة عن الكلام، وقالت بصوت متماسك يحاول ألا يرتجف: "سليم، أنا عمري ما قلتلك اسم صاحبتي. لا في كتابة ولا في تسجيل. عرفت اسمها منين؟".

تجمد كريم. ظهر النص المقترح بلون أزرق ناعم أمامه: "ذكرتِ اسمها في مكالمتنا الأولى، ألا تتذكرين يا حبيبتي؟". كان كذبة كاملة، وكان يعرف ذلك من الملف الذي قرأه قبل ساعات: مصدر الاسم إذن الوصول إلى الهاتف، لا كلمة نطقتها ياسمين. جاءه في السماعة صوت نادين البارد من غرفة المراقبة: "اقرأ الجملة يا كريم". حاول أن يفتح فمه، فخرجت أنفاسه متقطعة، وبدأ التشويش في الميكروفون يعلو، كأن الحاسوب يترجم ارتباكه إلى أدق تفاصيله.

قال، بصوته هذه المرة، وقد لاحظ أن الحاسوب لم يعالج النبرة لجزء من الثانية: "لا. أنتِ لم تقوليها".

سمع شهقة خفيفة من الطرف الآخر. خفض كريم صوته وهو يعلم أنه يلقي بنفسه من حافة عالية: "ياسمين، افعلي شيئًا واحدًا لأجلي. قبل أن تردّي على أي رسالة أخرى، افتحي إعدادات التطبيق وانظري إلى الأذونات التي منحتِها له. كل واحد منها".

انقطع الصوت. لم ينقطع الاتصال، بل انقطع صوته هو. أضاءت الشاشة أمامه باللون الأحمر، وتجمّد الميكروفون، بينما استمر الحوار من الطرف الآخر بصوت سليم، لكنه هذه المرة صوت سلس بلا ذرة تشويش، بلا أنفاس، بلا ارتباك: "أنتِ متعبة يا حبيبتي، وأنا أخاف عليكِ من التفكير الكثير. نامي الآن، وغدًا نتحدث". تحرك الحاسوب بدلًا من الإنسان، وكان الفرق بين الصوتين كالفرق بين يد تلمسك ويد اصطناعية تحاكي اللمس.

انفتح باب الغرفة بعنف. دخلت نادين، وانتزعت السماعة عن أذنيه، وأطفأت الحزام بحركة واحدة. لم ترفع صوتها قط: "الغرفة مسجلة يا كريم، وأنت خرجت من النص. هذه أول مرة، وآخر مرة". حدّق فيها وقد تحول خوفه إلى غضب هادئ: "أنتم تكذبون عليها". ابتسمت ابتسامة مرهقة، وقالت: "عماد قال الجملة نفسها قبل ستة أشهر. ظن أنه بطل في فيلم. أراد أن يحذّر امرأة أخرى".

وأضافت وهي تراجع شيئًا على شاشتها: "معدل نبضك ارتفع إلى ثمانية وتسعين، وتعرّقت راحتاك، والخوارزمية سجلت ذلك كله. لن نعاقبك اليوم، لكننا سنتذكر".

"وأين هو الآن؟" سأل كريم. لم تجب. اكتفت بأن أخذت البطاقة السوداء من جيب المقعد، وقلّبتها بين أصابعها وهي تقرأ التحذير المكتوب عليها، ثم مزقتها إلى نصفين وألقتها في سلة صغيرة في الزاوية. قالت أخيرًا، وهي تخرج: "في مكان يستريح فيه. تصبح على خير".

بقي كريم وحيدًا في الغرفة نصف دقيقة، يتفقد سقفها بعينيه بحثًا عن كاميرا لا يراها، ثم انحنى بحذر وأخرج قطعتي البطاقة الممزقتين من السلة. وضعهما جنبًا إلى جنب على ركبته، فلاحظ ما لم تلاحظه نادين: سطرًا ثانيًا مكتوبًا بخط أصغر على ظهر البطاقة، بقلم رصاص باهت: "إن قرأتَ هذا فأنا ما زلت حيًا. المخزن تحت الطابق الأرضي، الغرفة سبعة". دسّ القطعتين في جيب سترته، وشعر بأن قلبه يخفق على إيقاع لا يشبه أي حزام في هذه الغرفة.

حين خرج من البرج بعد منتصف الليل، كان الشارع يومض بإعلانات الهولوغرام نفسها: "جِد حبك الحقيقي في دقائق". توقف تحتها لحظة، ورفع رأسه إلى الوجوه المتلألئة التي تبتسم لعابري الطريق، وفكّر أن كل ابتسامة منها قد يقف خلفها رجل يتنفس في غرفة بلا نوافذ، ويحب امرأة لا يعرف حتى وجهها. ثم مشى نحو محطة الحافلة، والبطاقة الممزقة تحرق جيبه.

في تلك الأثناء، كانت ياسمين جالسة على حافة سريرها في الظلام، وقد أنزلت الهاتف عن أذنها. لم يخدعها الصوت الأخير. لاحظت الفارق كما تلاحظ مهندسة شرخًا في عارضة: كان في الصوت الأول ارتعاش إنسان، وكان في الثاني كمال آلة. وفي اللحظة التي تكلم فيها الأول بلا قناع، عرفت أن ثمة شخصًا حقيقيًا يقف خلف هذا الاسم، شخصًا يخاف.

تذكرت أباها وهو يقول إن الكلام الحلو بلا فعل مثل الشاي بلا سكر، وكانت تضحك منه دائمًا. الآن فهمت ما قصده: لقد ابتلعت أسابيع من الكلام الحلو ولم ترَ يومًا فعلًا واحدًا، وها هو أول فعل حقيقي يأتيها من رجل لا تعرف اسمه، في لحظة لم يكن يُفترض أن تسمعها.

تذكرت قصة رغد، والجملة المنسوخة في مئات الحسابات، وجدول الأزمنة الذي حسبته، وأدركت أن كل قطعة من الأحجية تتجه نحو الشكل نفسه. لم تبكِ ولم تصرخ، بل تنفست بعمق، وقررت أن تعرف الحقيقة كاملة مهما كان الثمن.

فتحت إعدادات التطبيق بأصابع ترتجف. قائمة طويلة: جهات الاتصال، الميكروفون، الرسائل، الموقع، المعرض، حتى مستشعر الحركة. كلها كانت خضراء، ممنوحة بضغطة واحدة قبل أسابيع. وعندما هبطت إلى آخر القائمة، اهتزّ الهاتف بإشعار جديد، بحروف ذهبية تلمع في العتمة: "دعوة حصرية إلى ليلة التوأمة. مقعد واحد باسمك يا ياسمين. سليم ينتظرك".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل الثامن عشر : اسم سليم

    لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status