FAZER LOGINلم يكن أسوأ ما في اللحظة هو اختفاء ليلى.
بل الفراغ الذي تركته.وقفت غرام في منتصف الغرفة، جسدها ثابت ظاهريًا، لكن من الداخل كانت تتفكك ببطء. صدرها يرتفع ويهبط بسرعة غير منتظمة، كأن الهواء فقد طبيعته، لم يعد يُستنشق بسهولة، بل يُنتزع انتزاعًا. نظرت حولها مرة، ثم مرة أخرى، كأنها تتوقع أن تظهر ليلى فجأة من زاوية ما وتقول إن كل هذا مجرد مزحة ثقيلة.لكن الغرفة لم تستجب.كل شيء كان في مكانه… إلا الإحساس.كان هناك شيء ناقص. أو بالأدق… شيء زائد."ليلى؟"خرج صوتها هذه المرةلم تكن الأم تصرخ هذه المرة.الصوت… اختفى.كأن الألم نفسه امتصه شيء داخلها، أو كأن عقلها قرر أن الصراخ لم يعد له معنى.كانت جالسة على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وذراعها ممدودة بزاوية خاطئة قليلًا… زاوية لا تحتاج خبرة طبية لتفهم أنها ليست سليمة.أنفاسها قصيرة.متقطعة.وعيناها… لا تتركان ليلى.ليلى لم تتحرك.واقفة أمامها… بنفس الثبات.لكن هذا الثبات لم يعد مجرد “غريب”.كان تهديدًا.الصمت بينهما لم يكن فراغًا…بل مساحة مشحونة، أي حركة فيها قد تفجّر كل شيء."ليلى…" خرجت الكلمة أخيرًا من فم الأم، بصعوبة، كأنها تمر عبر حافة حادة."أنا… مش هعملك حاجة…"لا رد.لكن…رمشة واحدة.بطيئة.غير متزامنة مع الموقف."سيبيني أقوم بس…" أكملت، وهي تحاول تسحب جسدها قليلًا على الأرض، متجاهلة الألم الذي صرخ داخل ذراعها."نهدى… ونفهم…""تفهمي إيه؟"الصوت جاء هادئًا.بهدوء غير مريح.ليلى لم تتحرك… لكن صوتها خرج وكأنها أقرب."إن بنتك… مش بنتك؟"تجمدت الأم."ولا إنك كنتي شايفة… ومش راضية تصدقي؟"بدأت الأم تهز رأسها ببطء."لا… لا… أنا شايفة بنتي… إنتي بنتي…"ابتسمت ليلى.لكن هذه المرة… الابتسامة كانت صغيرة.محسوب
لم يكن الصمت في الغرفة عاديًا. لم يكن مجرد غياب للصوت… بل حضور شيء آخر. شيء ثقيل… يضغط على الجدران ، على الهواء ، على صدر الأم التي وقفت أمام ابنتها، غير قادرة على تفسير ما تراه، لكنها متأكدة أن ما يحدث… ليس طبيعيًا ليلى كانت واقفة ثابتة لكن الثبات لم يكن سكونًا… كان انتظارًا عيناها لم ترمشان تنظر… لكن ليس كإنسان ينظر كأن هناك شيئًا خلف عينيها هو من يراقب "ليلى…" قالتها الأم بصوت منخفض، تحاول أن تُبقيه ثابتًا رغم الارتعاش الخفيف الذي تسلل إليه. " بصيلي كويس… إنتي سامعاني ؟" لم ترد ليلى. لكن جسدها… تحرك ببطء غير مريح رأسها مال قليلًا… ليس كما يميل البشر بشكل طبيعي، بل بزاوية زائدة ، كأن الرقبة لا تشعر بالحدود المفروض عليها ثم ابتسمت لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها. "أنا سامعاكي." جاء الصوت لكنه لم يكن صوتها أخفض أثقل. و فيه صدى خافت… كأن كلمتين تُقالان في نفس اللحظة تراجعت الأم خطوة دون وعي "إنتي… تعبانة." قالتها بسرعة، كأنها تحاول الإمساك بأي تفسير منطقي "يمكن ضغط… أو سكر… إحنا نروح لدكتور دلوقتي—" "مش محتاجة. قاطعتها ليلى لكن هذه المرة، لم يكن الصوت فقط هو المختلف… بل الطريق
لم يكن الأمر واضحًا منذ اللحظة الأولى.في الواقع، لو أن أحدًا مرّ بجوار ليلى في ذلك الصباح دون أن يعرفها جيدًا، لما لاحظ شيئًا مختلفًا. كانت تتحرك بشكل طبيعي، تمشي بخطوات متزنة، ترد التحية إن وُجّهت إليها، وتجلس حيث اعتادت أن تجلس. كل شيء في الظاهر كان سليمًا… مضبوطًا… بل ربما أفضل مما كان عليه في الأيام السابقة.لكن “الطبيعي” أحيانًا لا يكون في التفاصيل الكبيرة.بل في تلك الانحرافات الصغيرة التي لا يراها إلا من يعرفك… أو من يراقبك جيدًا.أمها كانت من النوع الثاني.لم تكن تعرف بالضبط ما الذي تبحث عنه، لكنها شعرت به. ذلك الإحساس الغامض الذي لا يُترجم إلى كلمات مباشرة، لكنه يضغط على الداخل بإلحاح. شيء ما في ابنتها… لم يعد كما هو.وقفت عند باب المطبخ، تراقبها دون أن تعلن ذلك.ليلى كانت جالسة على الكرسي، ظهرها مستقيم، يدها تتحرك ببطء وهي تقلب الملعقة في الكوب أمامها، رغم أنها لم تضف شيئًا يحتاج إلى تقليب. كانت تكرر الحركة بنفس الإيقاع، نفس الزاوية، نفس السرعة… وكأنها لا تنتبه لما تفعل.أو… وكأنها لا تحتاج أن تنتبه.“ليلى.”قالت الأم أخيرًا.توقفت الملعقة فورًا بلا تأخير بلا لحظة تردد رفعت
لم يكن أسوأ ما في اللحظة هو أن النسخة خرجت من المرآة…بل أنها لم تختفِ بعدها.ظلت هناك.تقف أمام ليلى.حقيقية.بكل التفاصيل.بكل الهدوء الذي لم تعرفه ليلى يومًا.تراجعت ليلى ببطء، خطوة وراء خطوة، حتى اصطدم ظهرها بالحائط مرة أخرى. هذه المرة شعرت به، لكن الإحساس كان بعيدًا، كأنه يأتي من جسد لا يخصها بالكامل.أنفاسها كانت سريعة، متقطعة، غير منتظمة، بينما عيناها لم تستطيعا الابتعاد عن تلك النسخة."إنتي… إزاي…؟"خرج السؤال بصعوبة، كأن الكلمات نفسها ترفض أن تُقال.ابتسمت الأخرى.ابتسامة خفيفة، واثقة، بلا أي توتر."أنا كنت هنا طول الوقت."قالتها ببساطة.ثم أضافت، وهي تميل رأسها قليلًا:"إنتي بس ما كنتيش شايفاني."هزت ليلى رأسها بسرعة، كأنها تحاول طرد الفكرة قبل أن تستقر."لا… ده مش حقيقي.""الحقيقي هو اللي بيستمر."ردت النسخة بهدوء."وأنا… استمريت."صمتت ليلى للحظة.شيء في داخلها بدأ يتصدع… ليس فجأة، بل ببطء. كأن كل ما كانت متمسكة به من تفسير أو منطق بدأ يفقد قوته."إنتي عايزة إيه؟"سألت أخيرًا.اقتربت النسخة خطوة.ثم أخرى.حتى أصبحت على بعد خطوة واحدة فقط منها."أريحك."نفس الكلمة.نفس الإغ
لم يكن أسوأ ما في اللحظة هو اختفاء ليلى.بل الفراغ الذي تركته.وقفت غرام في منتصف الغرفة، جسدها ثابت ظاهريًا، لكن من الداخل كانت تتفكك ببطء. صدرها يرتفع ويهبط بسرعة غير منتظمة، كأن الهواء فقد طبيعته، لم يعد يُستنشق بسهولة، بل يُنتزع انتزاعًا. نظرت حولها مرة، ثم مرة أخرى، كأنها تتوقع أن تظهر ليلى فجأة من زاوية ما وتقول إن كل هذا مجرد مزحة ثقيلة.لكن الغرفة لم تستجب.كل شيء كان في مكانه… إلا الإحساس.كان هناك شيء ناقص. أو بالأدق… شيء زائد."ليلى؟"خرج صوتها هذه المرة أوضح قليلًا، لكنه لم يحمل ثقة. كان أقرب إلى اختبار. تجربة بسيطة لمعرفة إن كان العالم ما زال يعمل كما يجب. انتظرت ثانية… اثنتين… خمس.لا شيء.الصمت لم يكن حياديًا. لم يكن مجرد غياب أصوات، بل حضور ضغط خفي، كأن الهواء نفسه صار له وزن. شعرت به على أذنيها، خلف عينيها، في صدرها. شيء غير مرئي… لكنه موجود.تحركت خطوة للأمام.ثم توقفت.لأنها لاحظت شيئًا لم يكن هناك من قبل.على الأرض… ظل.في البداية لم تفهم.ثم ركزت أكثر.ظلها كان في مكانه، ممدودًا كما ينبغي، يتبع مصدر
لم تستوعب غرام في البداية أن التغيير لم يكن حولها… بل داخلها.وقفت في نفس المكان، أنفاسها بدأت تهدأ تدريجيًا، لكن ذلك الهدوء لم يكن راحة، بل كان أشبه بمرحلة ما بعد الصدمة، حين يتوقف الجسد عن المقاومة لأنه لم يعد يفهم ما الذي يجب أن يقاومه. عيناها ظلتا تتحركان في أرجاء الغرفة، تراقبان التفاصيل التي لم تعد كما كانت، ليس لأنها تغيرت فعليًا، بل لأنها أصبحت تُرى بطريقة مختلفة، أعمق، وكأن طبقة خفية قد أُزيلت فجأة.الظلال لم تعد مجرد غياب للضوء.أصبحت… أماكن.أماكن يمكن أن يحتويها شيء.أماكن… قد يكون فيها شيء بالفعل."إنتي شايفة، صح؟"جاء صوت ليلى هادئًا، لكنه هذه المرة لم يكن مزعجًا كما قبل. الغريب أن غرام لم تشعر برغبة في الرد فورًا. لم تكن تتجاهلها، لكنها كانت مشغولة بشيء آخر… شيء يحدث داخل رأسها.ذلك الصوت.لم يعد مجرد فكرة عابرة.بل أصبح… أقرب.لم يكن مسموعًا بالأذن، لكنه لم يعد يُشبه التفكير العادي أيضًا. كان أوضح من أفكارها، أبطأ، أثقل، وكأنه لا يحتاج إلى جهد ليظهر."المرحلة بدأت."ارتعشت أصابعها دون أن تشعر، ورفعت يدها إلى رأ