Share

الفصل 39

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-08-06 00:24:14

كان الكوخ غارقًا في الصمت.

لم تكن تسمع سوى صوت أنفاسها المتقطعة، وصوت الريح وهي تداعب الأشجار خارج النافذة.

جلست نرمين على الأريكة، ووجهها بين كفيها.

لم تعد تعرف منذ متى وهي تبكي.

كل ما كانت تعرفه أن قلبها يؤلمها أكثر من أي وقت مضى.

رفعت رأسها ببطء.

مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت هاتفها.

ظهرت على الشاشة عشرات المكالمات الفائتة.

كلها من ماهر.

أسفلها رسالة قصيرة.

"نرمين... أين أنت؟ أنا قلق عليك. ردي عليّ، أرجوك."

ظلت تنظر إلى الرسالة طويلًا.

ثم أغلقت الشاشة دون أن ترد.

وضعت الهاتف إلى جانبها.

لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير.

"هل يشعر بالقلق فعلًا... أم يخشى أنني اكتشفت الحقيقة؟"

أغمضت عينيها بقوة.

كانت كل إجابة تقودها إلى سؤال جديد.

بعد دقائق، فتحت هاتفها مرة أخرى.

دخلت إلى الصور التي التقطتها من الهاتف الأسود.

بدأت تتصفحها ببطء.

صورة لطريق تحيط به الأشجار.

أخرى لغروب الشمس.

وثالثة لفنجان قهوة على شرفة مطلة على البحر.

تنهدت.

"كلها صور عادية..."

كادت تغلق الهاتف، لكنها توقفت.

أعادت فتح صورة فنجان القهوة.

كبرتها قليلًا.

ثم أكثر.

تجمدت.

بجوار الفنجان...

كان هناك فنجان ثانٍ.

لم تنتبه إليه من قبل.

ابتعدت قليلًا عن الشاشة، ثم عادت تكبر الصورة.

كان الفنجان الثاني في الطرف الآخر من الطاولة.

جلست صامتة.

فتحت الصورة التالية.

كانت لطبق طعام.

كبرتها.

وجدت في الطرف المقابل من الطاولة طبقًا آخر.

شعرت بانقباض في صدرها.

بدأت تقلب الصور بسرعة.

في صورة أخرى...

كأسان زجاجيان.

وفي أخرى...

كرسيان متقابلان.

همست لنفسها:

"لم يكن وحده..."

لكنها لم تتوقف.

فتحت صورة الغروب مرة أخرى.

كانت قد التقطت من خلف نافذة زجاجية.

كبرت الصورة بحذر.

اقتربت أكثر.

ثم اتسعت عيناها.

في انعكاس الزجاج...

ظهر ظل امرأة تقف خلف الشخص الذي يلتقط الصورة.

لم يظهر وجهها.

لكن شعرها الطويل كان واضحًا.

ارتجفت يد نرمين.

أعادت تكبير الصورة مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تكون مخطئة.

لكن الظل بقي في مكانه.

وضعت الهاتف على الطاولة.

وأخذت نفسًا عميقًا.

وأراحت رأسها على ظهر الأريكة.

لم تعد تشعر بالغضب.

ولا حتى بالصدمة.

شعرت بشيء أشد قسوة...

أن ذكرياتها الجميلة معه بدأت تتشقق واحدة تلو الأخرى.

كانت كل صورة تسحب منها ذكرى، وتعيد إليها كذبة.

وفي تلك الليلة...

جلست وحدها في الكوخ، تحدق في الظلام خارج النافذة.

ولأول مرة...

لم تكن تخشى أن تعرف الحقيقة.

بل أصبحت تخشى أن تكون كل الحقيقة أسوأ مما تخيلت.

كانت تجلس أمام نافذة الكوخ، تحدق في الظلام، بينما تتزاحم الأسئلة في رأسها دون إجابة

 كانت قد اتخذت قرارها.

لن تستطيع أن تعيش مع رجل خانها.

ولن تستطيع أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

انتهى الأمر.

مدت يدها إلى هاتفها.

أرادت الاتصال بمحاميها.

لكنها فوجئت بأن اسمه لم يعد يظهر في قائمة جهات الاتصال.

عقدت حاجبيها.

"غريب... هل حضرته بالخطأ؟"

بحثت عن رقمه في سجل المكالمات القديم الغة الحضر ، ثم ضغطت على زر الاتصال.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى جاءها صوته الهادئ.

"مساء الخير يا ابنتي."

تنهدت براحة.

"مساء الخير، أستاذ كمال."

كان الأستاذ كمال صديقًا قديمًا لوالدها، ومحامي العائلة منذ سنوات طويلة. عرف نرمين وهي طفلة، وكانت تثق به ثقة كاملة.

قال مبتسمًا:

"كنت سأتصل بك في الغد لكن يبدو أنك سبقتِني."

استغربت.

"كنت ستتصل بي؟ لماذا؟"

ساد صمت قصير.

ثم قال باستغراب:

"ألم تتصلي لمتابعة أوراق نقل الملكية؟"

شعرت نرمين وكأن الكلمات فقدت معناها.

قالت ببطء:

"أي... أوراق؟"

رد كمال وقد بدا عليه الاستغراب:

"أوراق نقل ملكية شركة التصنيع التي يديرها ماهر. أعمل عليها منذ أيام، وكنت على وشك الانتهاء منها."

اتسعت عيناها.

تجمدت في مكانها.

شركة التصنيع...

شركة والدها...

ماهر ينقل ملكيتها؟

همست بصوت بالكاد سُمع:

"ماذا تقول...؟"

قال كمال بهدوء:

"هذا ما طلبه مني ماهر، وأخبرني أن الأمر تم بالاتفاق معك، لذلك لم أشك في شيء."

لم تستطع الرد.

كانت الكلمات تدور في رأسها دون أن تستقر.

الخيانة...

الهاتف...

الفندق...

والآن...

نقل ملكية الشركة.

شعرت أن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب صدمة جديدة.

تماسكت بصعوبة وقالت:

"أستاذ كمال... أوقف أي إجراء فورًا."

ساد الصمت للحظات.

ثم سألها بجدية:

"هل حدث شيء؟"

نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط.

كانت تشير إلى العاشرة ليلًا.

قالت بصوت خافت:

"أين أنت الآن؟"

أجاب:

"ما زلت في مكتبي."

قالت دون تردد:

"أرسل لي عنوانك في رسالة. أريد أن أراك الليلة."

توقف لحظة، ثم قال:

"حسنًا."

وأضافت بسرعة:

"وأرجوك... لا تخبر ماهر أنني اتصلت بك."

أغلق الخط.

وبعد ثوانٍ، وصلتها رسالة بعنوان المكتب.

وضعت الهاتف على الطاولة.

جلست في مكانها دون أن تتحرك.

كانت تحدق في الفراغ.

لم تعد قادرة على التفكير.

وكأن الصدمات المتلاحقة أفرغت عقلها من كل شيء.

لم يبقَ في رأسها سوى سؤال واحد...

كم حقيقة أخرى كانت تجهلها؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 63

    خرجت نرمين من مكتب كمال وهي في حالة من الذهول.كانت تحاول استيعاب ما أخبرها به، لكن كلما أعادت التفكير في كلماته، ازداد شعورها بالضيق.كيف استطاع ماهر أن يستغل ثقتها به إلى هذه الدرجة؟كيف تمكن من التصرف في ممتلكاتها طوال تلك الفترة دون أن تشك في شيء؟دخلت مكتبها وجلست خلف مكتبها، لكنها لم تفتح أي ملف.بقيت تحدق أمامها، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها.كان عليها أن تجد طريقة لاستعادة ممتلكاتها.الطريق القانوني قد يستغرق وقتًا طويلًا، وربما لا يؤدي في النهاية إلى النتيجة التي تريدها.لكن أكثر ما كان يؤلمها لم يكن مجرد نقل الملكيات.الغريب أنها لم تنفعل بهذا الشكل عندما عرفت أن ماهر تصرف في بعض ممتلكاتها.كانت تتوقع أن يكون قد فعل شيئًا من هذا القبيل.لكن معرفة أن اثنتين من تلك الممتلكات أصبحتا باسم سمر كانت مختلفة تمامًا.كانت تعرف الآن أن سمر تخونها.رأت ذلك بعينيها.ومع ذلك، لم تكن مستعدة لرؤية اسمها على أوراق تخصها.وضعت نرمين يدها على جبينها وأغمضت عينيها.قالت في داخلها:"كيف استطعتِ أن تثقي به كل هذه السنوات؟"لم تجد إجابة.فجأة، قطع شرودها صوت وصول رسالة.أخذت هاتفها ونظرت إل

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 62

    مرت الدقائق ببطء. كانت تنظر إلى الساعة بين حين وآخر، وكلما تأخر كمال، ازداد توترها. لم تكن تعرف ماذا ستجد في تلك الوثائق، لكنها كانت تشعر بأن شيئًا مهمًا ينتظرها. مرت قرابة ساعة. وأخيرًا، فُتح الباب ودخل كمال. قال وهو يخلع معطفه: "آسف لأنني تأخرت." ثم أضاف: "مررت بمكتب الإدارة لأخذ الوثائق بنفسي، ولم أرغب في أن أتركها مع أي شخص آخر." ابتسمت نرمين. "لا بأس. لم أنتظر طويلًا." نظر كمال إليها للحظات، وكأنه لاحظ أنها كانت أكثر توترًا مما تحاول إظهاره. جلس خلف مكتبه، ثم وضع ظرفًا كبيرًا أمامه. "هذه هي الوثائق التي تمكنت من الحصول عليها." نظرت نرمين إلى الظرف. ثم قالت: "هل وصلت كلها؟" هز كمال رأسه. "ليس كلها، لكن هذا ما تمكنت من الحصول عليه حتى الآن." فتح الظرف. كانت الأوراق بداخله كثيرة. بدأ كمال يقلبها واحدة تلو الأخرى، بينما كانت نرمين تتابع حركته بصمت. مرّت عدة دقائق دون أن يتحدث. كانت تراقب وجهه، محاولة أن تعرف من ملامحه ما وجده. لكن كمال بقي متحفظًا. ثم توقف فجأة عند إحدى الأوراق. تنهد ببطء. رفعت نرمين عينيها إليه. "ماذا وجدت؟" رفع كمال نظره إليها. قال به

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 61

    عادت نرمين إلى عملها بعد مغادرتها مكتب وسام.جلست خلف مكتبها، وفتحت أحد الملفات أمامها، لكنها لم تستطع التركيز في الكلمات التي كانت تقرؤها.كان عرض وسام يشغل تفكيرها.هي لم تكن تريد أرضًا جديدة، ولم تكن تفكر في الاستثمار من الأساس.كل ما كانت تريده هو استعادة ممتلكاتها التي اكتشفت أن ماهر تصرف فيها دون علمها.لكنها، في الوقت نفسه، لم تستطع تجاهل ما فعله وسام من أجلها.كان بإمكانه أن يتركها تتصرف بغضب في ذلك اليوم، وأن تذهب لمواجهة ماهر وسمر أمام الجميع، لكنه اختار أن يتدخل ويخرجها من المطعم عندما كانت في أسوأ حالاتها.تنهدت نرمين، وأسندت ظهرها إلى كرسيها.قالت في داخلها:"ربما عليّ أن أرى الأرض أولًا، وبعدها أقرر."أخذت هاتفها، وكتبت لوسام:"أود أن أرى الأرض التي تحدثت عنها. يرجى تحديد موعد مناسب."وضعت الهاتف على المكتب، ولم تمر سوى دقائق حتى وصلها الرد:"حسنًا، سأخبركِ بالموعد قريبًا. شكرًا لكِ."قرأت نرمين الرسالة، لكنها لم تجبه.وضعت الهاتف جانبًا، ثم أعادت نظرها إلى الملفات أمامها.حاولت العودة إلى عملها، وهذه المرة تمكنت من التركيز قليلًا.---أنهت نرمين عملها في المساء، ثم عادت

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 60

    انتهت سهرة نرمين وسمر في وقت متأخر. خرجتا من المطعم معًا، وتوقفتا أمام المدخل تتحدثان لبضع دقائق قبل أن تتجها إلى سيارتيهما. ابتسمت سمر، ثم احتضنت نرمين وقالت: "سعدت كثيرًا لأننا قضينا هذه الليلة معًا." بادلتها نرمين الابتسامة. "وأنا أيضًا." ابتعدت سمر قليلًا، ونظرت إليها باهتمام. "اعتني بنفسك، ولا تجهدي نفسك كثيرًا." أومأت نرمين. "سأفعل." ابتسمت سمر مرة أخرى، ثم قالت: "سنلتقي قريبًا، أليس كذلك؟" أجابتها نرمين بهدوء: "بالطبع." لوحت لها سمر قبل أن تتجه إلى سيارتها. ركبت كل واحدة منهما سيارتها، ثم غادرتا المكان. جلست نرمين خلف المقود، لكنها لم تتحرك مباشرة. وضعت يديها على المقود وبقيت تنظر أمامها. كانت كلمات سمر تعود إلى ذهنها. "أنتِ مثل أختي." أغمضت نرمين عينيها. كانت تلك الجملة تؤلمها أكثر من أي شيء آخر. لأنها كانت تصدر من المرأة التي اكتشفت أنها تخونها مع زوجها. ومع ذلك، لم تكن نرمين مستعدة لمواجهتها. ليس الآن. كانت تحتاج إلى وقت. وقت لتفهم ما حدث، ووقت لتعرف ماذا تريد أن تفعل قبل أن تكشف لسمر أنها تعرف الحقيقة. فتحت عينيها أخيرًا،

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 59

    بعد خروج ماهر من مكتبها، بقيت نرمين جالسة أمام مكتبها لبعض الوقت.كانت تحاول أن تجمع أفكارها، لكن كلما تذكرت ما حدث في المطعم، عادت صورة سمر مع ماهر أمام عينيها.رن هاتفها.نظرت إلى الشاشة.كانت سمر.أخذت نفسًا عميقًا ثم أجابت:"مرحبًا."قالت سمر:"مرحبًا نرمين، كيف حالك الآن؟ هل أصبحتِ أفضل؟""نعم، أنا بخير.""كنت قلقة عليكِ بعد أن غادرتِ المطعم أمس."أجابت نرمين بهدوء:"كنت متعبة فقط."سكتت سمر لحظة، ثم قالت:"ما رأيك أن نلتقي هذا المساء؟ نخرج لتناول العشاء معًا، منذ فترة لم نجلس وحدنا ونتحدث."ترددت نرمين للحظات.ثم قالت:"حسنًا، فكرة جميلة.""سأرسل لكِ اسم المطعم.""حسنًا."أنهت سمر المكالمة.وضعت نرمين الهاتف أمامها.كانت تعرف أن هذا اللقاء لن يكون مثل أي لقاء سابق بينهما.هذه المرة ستجلس أمام المرأة التي اكتشفت أنها كانت مع زوجها، وستحاول أن ترى شيئًا واحدًا فقط:هل كانت سمر صديقتها فعلًا في الماضي، أم أن كل ما عاشته معها كان مجرد كذبة؟---في المساء، وصلت نرمين إلى المطعم قبل سمر بدقائق.اختارت طاولة هادئة وجلست تنتظر.بعد قليل، ظهرت سمر وهي تبتسم كعادتها.اقتربت منها واحتضنتها

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 58

    دخلت نرمين مكتبها، فتوقفت للحظة عندما رأت ماهر واقفًا أمام النافذة.كان ينظر إلى الخارج، وما إن سمع صوت الباب حتى التفت إليها.ابتسم وكأن شيئًا لم يتغير بينهما.قال:"كيف كانت رحلة العمل؟ هل أتعبتكِ؟"بادلته نرمين الابتسامة."لا، لم تكن متعبة. حُلّت المشكلة بسرعة، كانت مجرد مشكلة في النظام."اقترب منها ماهر بخطوات هادئة، ثم احتضنها.قال وهو يضمها إليه:"لقد اشتقت إليكِ."وضعت نرمين ذراعيها حوله لبضع لحظات."وأنا أيضًا."لكنها، في داخلها، كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا.كانت تحتضنه وتفكر في الرجل الذي وقفت بين ذراعيه لسنوات وهي تظن أنها تعرفه جيدًا.قالت في نفسها بسخرية:"كيف كنت أصدقك طوال هذه السنوات؟"ابتعد ماهر عنها، ونظر إلى وجهها."هل تناولتِ الغداء؟"هزت رأسها."لا، وصلت للتو."نظر إلى الساعة، ثم قال:"بما أن الوقت تأخر، لنطلب الطعام إلى هنا."أومأت نرمين."حسنًا."جلسا أمام بعضهما، وأخرج ماهر هاتفه وطلب الطعام.بعد أن أنهى الطلب، بدأ يتحدث معها عن أمور عادية.سألها عن العمل، وتحدث معها عن بعض الأمور التي حدثت في الشركة، وكانت نرمين تستمع إليه وتجيبه بهدوء.لم يكن في تصرفاتها ما يو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status