FAZER LOGINانقضت عطلة نهاية الأسبوع أسرع مما تمنّت نرمين. مع بزوغ أول خيوط الفجر، غادرا المزرعة في طريق العودة إلى المدينة. كان الطريق هادئًا، وتبادل الزوجان حديثًا خفيفًا طوال الرحلة، حتى وصلا إلى الفيلا قبل أن تبدأ المدينة يومها بالكامل. دخلت نرمين إلى المنزل وهي تشعر بتعب السفر، لكنها كانت راضية عن اليومين اللذين قضتهما بعيدًا عن ضجيج العمل. وضعت حقيبتها في غرفة النوم، ثم ساعدت ماهر في إنزال بقية الأمتعة من السيارة. ابتسم لها وهو يحمل آخر حقيبة. "اذهبي واستريحي قليلًا، سأرتب الباقي." هزت رأسها مبتسمة. "لن أتركك تعمل وحدك." وبعد دقائق، انتهيا من إدخال كل شيء إلى المنزل. في صباح اليوم التالي، استيقظت نرمين باكرًا كعادتها. ارتدت ملابس العمل، ثم جلست أمام منضدة الزينة تراجع جدول اجتماعاتها لذلك اليوم. مدّت يدها نحو حقيبتها لتتأكد من وجود ختم الشركة الذي تستخدمه في توقيع المستندات المهمة. فتحت الجيب المخصص له. توقفت. أعادت البحث مرة أخرى. ثم فتحت الحقيبة بالكامل. اختفت ابتسامتها. "أين ذهب؟" أخرجت كل ما في الحقيبة ووضعته فوق السرير. ملفات... مفاتيح... محفظتها... مستحضرات التج
ثم مسحت دموعها. وانحنت لتلتقط الفستان من جديد. نفضته برفق... وكأنها تعتذر له. ثم ارتدته بصمت. نظرت إلى انعكاس صورتها في الزجاج الصغير. شعرت وكأنها تنظر إلى فتاة أخرى... فتاة دخلت ذلك اليوم وهي تملك أحلامًا كثيرة. أما اليوم... فلم يبقَ منها... إلا الحزن.طرقت الحارسة الباب برفق. ثم قالت: ــ هل انتهيت؟ أجابت أروى بصوت خافت: ــ نعم. خرجت من الغرفة. وكانت القيود قد عادت إلى معصميها. لكنها لم تشعر بثقلها. فما يحمله قلبها... كان أثقل من أي قيد. سارت بصمت. وخلفها الحارستان. أما أمامها... فكان طريق الوداع الأخير... ينتظرهافُتح الباب الخارجي ببطء.توقفت أروى للحظة.منذ أكثر من عامين...لم تعبر هذا الباب.رفعت بصرها إلى السماء.كان الهواء مختلفًا.والشوارع كما كانت...تعج بالحياة.سيارات تمر.وأشخاص يسيرون مسرعين.وأطفال يضحكون في الجهة المقابلة.شعرت وكأن الزمن لم يتوقف لأحد...إلا لها.أما هي...فقد خرجت لتودع آخر شخص كان ينتظر عودتها.فتحت الحارسة باب السيارة.جلست أروى في المقعد الخلفي.وجلس إلى جوارها مالك.بينما جلس أفراد الحراسة في المقاعد الأخرى.انطلقت السيارة ب
الفصل الثامن والثلاثون الوداع الأخير (الجزء الثاني) أخذت أروى تحدق في وجه مالك. كانت تنتظر منه أن يطمئنها... أن يقول إن عمها بخير. لكن صمته... كان يزداد ثقلًا مع كل ثانية. تقدمت خطوة نحوه. وقالت بصوت مرتجف: ــ مالك... تكلم. أرجوك. خفض بصره إلى الأرض. ولم يستطع أن ينطق. ارتفع خوفها أكثر. وقالت بسرعة: ــ هل أصيب بحادث؟ أنا... أنا سأراه، أليس كذلك؟ أجابها بصوت خافت: ــ نعم... سترينه. تعلقت بتلك الكلمة. وقالت بلهفة: ــ إذن هو حي... أليس كذلك؟ رفع مالك رأسه ببطء. وكانت عيناه تمتلئان بالدموع. في تلك اللحظة... شعرت أروى بأن قلبها توقف. همست بصوت بالكاد يُسمع: ــ لا... أرجوك... لا تنظر إلي بهذه الطريقة. اقترب منها مالك خطوة. وقال بصوت اختنق بالحزن: ــ أروى... رحم الله عمك... أسامة. تجمدت في مكانها. حدقت فيه طويلًا. وكأنها لم تسمع شيئًا. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة... ابتسامة من يرفض تصديق الواقع. وقالت وهي تهز رأسها: ــ لا... أنت مخطئ. لقد كان عندي منذ أيام. كان بخير. لن يموت... ليس عمي. قال مالك و
مرّت الأيام التالية بهدوء غير معتاد.لم تحمل الشرطة أي أخبار جديدة عن سهام، ولم يظهر أي دليل يقود إليها. ومع مرور الوقت، بدأت الحياة تستعيد إيقاعها الطبيعي، وعادت نرمين إلى عملها اليومي، بينما انشغل السيد ماهر بإدارة الشركة، وكأن الجميع يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث في ليلة الحفل أصبح جزءًا من الماضي.أما سمر...فكانت تبدأ كل صباح بالطريقة نفسها.رنّ المنبه عند السابعة، ففتحت عينيها ببطء، وأطفأته قبل أن يرن مرة أخرى.جلست على حافة السرير للحظات، تنظر إلى الغرفة الصغيرة التي اعتادت الاستيقاظ فيها كل يوم.لم تكن شقتها كبيرة.غرفة نوم واحدة، وصالة صغيرة تتصل بمطبخ مفتوح، وحمام صغير يضم المرحاض في مساحة واحدة.ورغم ضيق المكان، بدا كل شيء مرتبًا بعناية.الأثاث أنيق، والألوان هادئة، والستائر البيضاء تسمح لأشعة الشمس بالدخول برفق، حتى يظن من يراها لأول مرة أنها شقة فاخرة.لكن الحقيقة أنها كانت مجرد شقة متواضعة، اختارت كل قطعة فيها بعناية، لتبدو أجمل مما هي عليه.نهضت واتجهت نحو المطبخ.أعدّت فنجانًا من القهوة، ثم وقفت أمام النافذة الصغيرة المطلة على الشارع.كانت السيارات تعبر تباعًا، والناس يس
مرت عدة أيام دون أي تطور في قضية سهام. واصلت الشرطة تحقيقاتها، لكن لم يظهر أي دليل جديد، ولم يُعثر على أثر يقود إلى مكانها. أما نرمين، فقد حاولت أن تعود إلى روتينها المعتاد. كانت تذهب إلى الشركة كل صباح، تراجع التقارير، تجتمع بالموظفين، ثم تعود إلى الفيلا مع نهاية اليوم. ومع مرور الأيام، بدأت تستعيد هدوءها شيئًا فشيئًا، رغم أن الظرف والرسالة لم يغيبا عن تفكيرها تمامًا. وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت تراجع بعض الملفات في مكتبها، رن هاتفها. ظهرت على الشاشة ابتسامة صغيرة قبل أن ترد. "مرحبًا يا سمر." جاءها صوت سمر المرح. "هل أصبحتِ تنسين صديقتك؟" ضحكت نرمين. "بل أنتِ من اختفيت." "إذن عاقبيني اليوم، واتركي العمل لبضع ساعات، وتعالي نتناول القهوة كما كنا نفعل." نظرت نرمين إلى الملفات أمامها. "أخشى أن لدي الكثير من العمل." "العمل لن يهرب، أما أنا فقد أزعل." ضحكت نرمين مرة أخرى. "حسنًا... ربحتِ." بعد أقل من ساعة، التقت الصديقتان في أحد المراكز التجارية الكبيرة. ما إن رأت سمر نرمين حتى أسرعت نحوها وعانقتها بحرارة. "اشتقت إليك." ابتسمت نرمين. "وأنا أيضًا." توجهتا إلى مق
عندما وصلت، كان الموظفون قد بدأوا يومهم منذ وقت، فحيّاها الجميع بابتسامات معتادة، وردّت التحية وهي تحاول أن تبدو هادئة. دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها. وضعت حقيبتها على المكتب، ثم جلست أمام الملفات التي كانت بانتظار توقيعها منذ الصباح. حاولت أن تراجع أول ملف، لكنها أعادت إغلاقه بعد دقائق. لم تستطع التركيز. كانت كلمات مدير شركة التوصيل تتردد في رأسها باستمرار. "هذا الظرف ليس من شركتنا." أخرجت الظرف من حقيبتها ووضعته أمامها. ظلت تتأمله طويلًا، ثم مررت أصابعها فوق اسمها المكتوب عليه. كيف وصل إلى مكتب ماهر؟ ولماذا كان فارغًا؟ كانت تعرف أن الأسئلة لن تختفي إذا بقيت تدور في رأسها. أعادت الظرف إلى حقيبتها، ونهضت من مكانها. تناولت هاتفها واتصلت بمكتب ماهر. أجابتها السكرتيرة بصوت هادئ. "مكتب السيد ماهر، تفضلي." "مرحبًا، معك نرمين. هل السيد ماهر في مكتبه؟" "لديه اجتماع مع مجلس الإدارة، لكنه سينتهي بعد أقل من ساعة." ابتسمت بخفة. "شكرًا، سأمر إليه." أنهت المكالمة، وأخذت حقيبتها وغادرت الشركة. بعد نحو نصف ساعة، وصلت إلى شركة السيد ماهر. رحبت بها موظفة الاستقبال كعادتها، وأخب