Share

الفصل 15

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-20 07:49:30

دخلت نرمين إلى الشركة كعادتها.

كان الموظفون يتبادلون التحية معها وهي تتجه نحو المصعد. لم يكن في ملامحها ما يدل على أنها ودعت والديها قبل أقل من ساعة، لكنها كانت تشعر بفراغ خفيف في داخلها.

توقفت أمام باب مكتبها، وأخرجت البطاقة الإلكترونية من حقيبتها.

وما إن همّت بفتح الباب حتى لفت انتباهها شيء أبيض عند أسفله.

تجمدت يدها في مكانها.

انحنت ببطء، ثم التقطت ظرفًا صغيرًا أبيض اللون كان مدسوسًا أسفل الباب.

قلبته بين يديها.

لا اسم مرسل.

لا اسم مستقبل.

ولا أي ختم.

عقدت حاجبيها، ثم فتحت الباب ودخلت.

وضعت حقيبتها فوق المكتب، وأغلقت الباب خلفها، ثم جلست على كرسيها وهي ما تزال تنظر إلى الظرف.

ترددت لثوانٍ قبل أن تفتحه.

أخرجت ورقة صغيرة مطوية بعناية.

لم يكن فيها سوى سطر واحد.

"ابحثي عن الظرف الذي وصلك ليلة الحادث."

توقفت عيناها عند الكلمات.

أعادت قراءتها مرة...

ثم مرة أخرى.

شعرت بأنفاسها تثقل.

عاد ذلك المساء إلى ذاكرتها بكل تفاصيله.

ساعي البريد...

الظرف الكبير...

سلوى...

ثم سقوط سهام في المسبح.

همست دون أن تشعر:

"من أنت...؟"

أدارت الورقة بين أصابعها.

لم يكن على الوجه الآخر أي شيء.

لا توقيع.

لا رقم.

لا إشارة يمكن أن تدل على صاحب الرسالة.

نهضت من مكانها واتجهت نحو النافذة.

بقيت دقائق تنظر إلى حركة السيارات في الخارج، بينما كانت الكلمات تتردد في ذهنها.

ابحثي عن الظرف...

لو كان الأمر مزحة، فلماذا اختار صاحبها تلك الليلة تحديدًا؟

ولماذا الظرف؟

تنهدت، ثم أمسكت هاتف المكتب.

"أرجو أن يمر عليّ مسؤول الأمن عندما يتفرغ."

لم تمض سوى دقائق حتى طرق الباب.

دخل رجل في منتصف الأربعينيات.

"صباح الخير، سيدتي."

أشارت إلى الكرسي المقابل.

"تفضل بالجلوس."

جلس وهو ينتظر أن تتحدث.

وضعت الظرف الصغير أمامه.

"هل رأيت هذا من قبل؟"

هز رأسه.

"لا."

"وجدته قبل قليل تحت باب مكتبي."

رفع رأسه باستغراب.

"تحت الباب؟"

أومأت.

"أريد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بهذا الطابق."

وقف فورًا.

"حالًا."

بعد دقائق كانت تقف داخل غرفة المراقبة.

اصطفت أمامها عدة شاشات تعرض زوايا مختلفة من الشركة.

بدأ الموظف بإرجاع التسجيلات إلى وقت مبكر من الصباح.

مرت الدقائق دون شيء يلفت الانتباه.

موظفون يدخلون ويخرجون.

عمال النظافة.

سكرتيرات الأقسام.

ثم...

توقف الموظف فجأة.

"لحظة."

ثبت الصورة.

ظهر رجل يسير في الممر.

كان يرتدي ملابس شركة توصيل سريع.

قبعة سوداء تغطي معظم شعره.

وكمامة تخفي ملامح وجهه.

قال الموظف:

"لا أذكر أن لدينا أي عملية تسليم هذا الصباح."

اقتربت نرمين من الشاشة.

كان الرجل يسير بخطوات هادئة، وكأنه يعرف المكان.

توقف أمام باب مكتبها.

نظر يمينًا ويسارًا.

ثم انحنى قليلًا.

مد يده أسفل الباب، ودفع الظرف إلى الداخل.

بعدها استقام وغادر الممر بهدوء، دون أن يطرق الباب أو يحاول الدخول.

سادت لحظة صمت.

قالت نرمين وهي لا تزال تحدق في الشاشة:

"هل يمكن تكبير الصورة؟"

حاول الموظف تقريبها.

لكن ملامحه بقيت غير واضحة.

أخفى القناع نصف وجهه، بينما حجبت القبعة الجزء الآخر.

قال الموظف معتذرًا:

"للأسف... هذا أوضح ما لدينا."

انتقل إلى كاميرا أخرى.

ظهر الرجل وهو يغادر الممر.

ثم دخل إلى المصعد.

وبعدها اختفى من نطاق الكاميرات الداخلية.

سألت نرمين بهدوء:

"هل توجد كاميرات عند المدخل الرئيسي؟"

"نعم."

انتقل إليها بسرعة.

ظهر الرجل وهو يغادر المبنى.

لكن قبل أن يصل إلى البوابة الخارجية، مرّت شاحنة كبيرة أمام الكاميرا، فحجبت الرؤية لثوانٍ.

وحين ظهرت الصورة من جديد...

كان الرجل قد اختفى.

ظل الجميع صامتين.

خفض الموظف رأسه وقال:

"أعتذر يا سيدتي... لم نستطع رؤية وجهه."

ظلت نرمين تحدق في الشاشة للحظات.

ثم التفتت إليه.

"أرسل لي نسخة من هذا التسجيل."

"بالتأكيد."

خرجت من غرفة المراقبة وهي تمسك الظرف بقوة.

كانت المرة الثانية التي يظهر فيها شخص يرتدي ملابس التوصيل في حياتها...

لكن هذه المرة، لم يكن يحمل طردًا.

بل رسالة أعادت إلى ذاكرتها سؤالًا ظنت أنها نسيته منذ أيام...

أين اختفى الظرف الذي وصل ليلة الحفل؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 51

    في صباح اليوم التالي، وصلت نرمين إلى مقر شركة وسام الشافعي.دخلت إلى المبنى بخطوات هادئة، ثم توجهت إلى مكتب الاستقبال.قالت للموظفة:"لدي موعد مع السيد وسام الشافعي."راجعت الموظفة جدول المواعيد، ثم رفعت رأسها."هل يمكنني معرفة اسمك؟""نرمين العمراني."تغيرت ملامح الموظفة قليلًا عندما تعرفت إلى الاسم، ثم قالت:"تفضلي، سأخبر السيد وسام بوصولك."انتظرت نرمين دقائق قليلة قبل أن تأتي الموظفة وتطلب منها الدخول.طرقت الباب ثم دخلت.كان وسام جالسًا خلف مكتبه، وأمامه بعض الملفات.رفع عينيه إليها."تفضلي."جلست نرمين أمامه.قال وسام:"أعتذر، لكنني لا أعتقد أننا التقينا من قبل.""صحيح."نظر إليها باهتمام."إذن كيف يمكنني مساعدتك؟"قالت:"جئت لأتحدث معك بشأن قطعة أرض اشتريتها قبل عامين."تغيرت ملامحه قليلًا."أي أرض تحديدًا؟"ذكرت له موقعها.فهم فورًا."نعم، أعرفها."توقفت لحظة، ثم قالت:"أريد أن أعرف كيف عرفت بوجودها."أجابها بهدوء:"عرضها عليّ السيد ماهر مأمون."ثبتت نرمين عينيها عليه."السيد ماهر مأمون؟""نعم.""وهل كانت بينكما معرفة سابقة؟"هز رأسه."لا. لم أكن أعرفه قبل تلك الصفقة."شعرت نر

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 50

    عادت نرمين إلى المنزل وهي تحاول أن تبدو طبيعية. دخلت بهدوء، ثم صعدت إلى الغرفة. وجدت ماهر هناك. كان جالسًا على طرف السرير، وعندما رآها رفع رأسه. قال: "نرمين، أريد أن أتحدث معك." توقفت عند الباب. "عن ماذا؟" أشار إليها. "تعالي واجلسي." جلست أمامه. نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول: "ماذا تخفين عني؟" ارتبكت. "ماذا تقصد؟" قال بهدوء: "أنتِ غير طبيعية هذه الأيام. أصبحتِ شاردة، صامتة، وتبتعدين عني. إذا كان هناك شيء يزعجك، أخبريني. أنا زوجك." خفضت نرمين عينيها. كانت تعرف أن عليها أن تجد شيئًا يقنعه. أي شيء. رفعت عينيها إليه، ثم قالت بصوت متردد: "ذهبت إلى المستشفى." تغيرت ملامح ماهر. "لماذا؟" ترددت لحظة، ثم قالت: "أجريت بعض الفحوصات." سكتت. انتظرها. قالت بصوت مكسور: "واكتشفت أنني... لا أستطيع الإنجاب." ظل ماهر ينظر إليها. بدت الصدمة واضحة على وجهه. "ماذا؟" بدأت عيناها تمتلئان بالدموع. "هذا ما قاله الطبيب." اقترب منها. "ولماذا لم تخبريني؟" لم تجبه. مد يده إليها، ثم قال: "نرمين، هذا أمر صعب عليك. كان عليك أن تخبريني." هزت رأسها وهي تحاول منع دموعها. "لم أعرف

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 49

    لم تغادر نرمين مكتب كمال مباشرة. لقد تدكرة شيئا لم تفهمه ودخلت المكتب مرة أخرى ــ بقيت واقفة أمام مكتبه، والملف بين يديها. قالت بعد لحظة: ــ "أستاذ كمال..." ــ رفع عينيه إليها. "هل تعرف كيف بدأت علاقة وسام بماهر؟" هز رأسه. "ليس بعد." ــ وضعت الملف على المكتب. "إذن ابحث عن ذلك." أومأ. "سأحاول." ــ جلست من جديد. "ربما كان مهتمًا بالأرض، ولهذا اقترب من ماهر." فكر كمال قليلًا قبل أن يجيب: "هذا احتمال وارد. وسام يعمل في البناء والتطوير العقاري، والأرض التي اشتراها منك تقع في منطقة يمكن أن تصبح مهمة مستقبلًا. ربما كان يبحث عن فرصة، وعندما عرف أن ماهر يستطيع التفاوض على الأرض، بدأ التواصل معه." بقيت نرمين صامتة. ثم هزت رأسها ببطء. ــ "لا أظن أن الأمر بهذه البساطة." ــ نظر إليها كمال باهتمام. قالت: "لو كان وسام مهتمًا بالأرض فقط، فلماذا يتقرب من ماهر؟" "ربما لأنه كان الطرف الذي يستطيع إتمام الصفقة." "كان يستطيع أن يصل إلى الشركة أو إلى أي شخص آخر." توقفت قليلًا. ثم أضافت: "والأهم من ذلك... الأرض كانت باسمي أنا." نظر كمال إليها. أكمل

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 48

    استيقظت نرمين في وقت مبكر من صباح اليوم التالي. لم تستطع النوم جيدًا طوال الليل. كانت صورة المنزل الذي أرسله لها ماهر تعود إلى ذهنها كلما أغمضت عينيها، ثم تتداخل معها الأوراق التي رأتها في مكتب كمال. منزل... أرض... ممتلكات بيعت أو نُقلت من اسمها دون أن تعرف. كانت تشعر أن حياتها التي عرفتها طوال السنوات الماضية تخفي خلفها أشياء كثيرة لم تكن تراها. جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى هاتفها. كان لديها اتصال فائت من كمال في وقت متأخر من الليل، لكنه لم يترك رسالة. فكرت في الاتصال به، لكنها غيرت رأيها. إذا كان هناك شيء جديد، فهي لا تريد سماعه عبر الهاتف. نهضت وارتدت ملابسها بسرعة. قررت أن تذهب إليه بنفسها. --- بعد وقت قصير، كانت سيارتها تتوقف أمام مكتب الأستاذ كمال. نزلت منها ودخلت المبنى. كانت تعرف المكان جيدًا، فقد اعتادت زيارته منذ سنوات برفقة والدها. صعدت إلى الطابق الذي يوجد فيه مكتبه. استقبلتها السكرتيرة بابتسامة. "صباح الخير، أستاذة نرمين." "صباح الخير." "الأستاذ كمال في مكتبه." "سأدخل إليه." طرقت الباب ثم دخلت. رفع كمال رأسه عن مجموعة من

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 47

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.بعد انتهاء العشاء، جلس ماهر بجانب نرمين في غرفة الجلوس.كان المنزل هادئًا، والشموع التي أشعلها في بداية المساء لم يبق منها سوى القليل.تحدثا لبعض الوقت عن أمور عادية، ثم لاحظت نرمين أن ماهر أصبح أكثر قربًا منها.اقترب منها وأمسك يدها.قال بهدوء:"اشتقت إليك."نظرت إليه للحظة.كان من السهل عليها أن تتذكر كيف كانت تشعر عندما يقول لها هذه الكلمات قبل أن تعرف الحقيقة.أما الآن، فلم تشعر إلا بالثقل.اقترب أكثر.تراجعت قليلًا وقالت:"ماهر... أنا متعبة."توقف."متعبة؟"أومأت."اليوم كان طويلًا، وأشعر أنني أحتاج إلى النوم."نظر إليها للحظات، وكأنه يحاول معرفة إن كانت تتجنب قربه عمدًا.لكنها ابتسمت له."لا تغضب مني."ابتسم أخيرًا."لن أغضب."ثم قال:"اذهبي وارتاحي."وقفت نرمين."تصبح على خير.""وأنت أيضًا."صعدت إلى غرفتها.أغلقت الباب خلفها، ثم بقيت واقفة لثوانٍ وهي تستمع إلى خطوات ماهر في الأسفل.وضعت يدها على صدرها.لم تكن تريد أن يلمسها.ليس بعد الآن.---بعد وقت قصير، جلست نرمين على طرف السرير.أخرجت هاتفها.كانت تريد الاتصال بكمال، لكنها ترددت.ثم ظهر ا

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 46

    ما إن دخلت نرمين حتى أغلقت الباب خلفها بهدوء.كانت الإضاءة مختلفة عن المعتاد.أضواء خافتة موزعة في أرجاء المكان، والشموع تملأ الطاولة، والورود الحمراء تحيط بها من كل جانب.توقفت للحظة.لم تكن تتوقع أن يكون ماهر قد أعد كل هذا.جاء صوته من خلفها:"أخيرًا وصلتِ."استدارت.كان ماهر واقفًا عند مدخل غرفة الطعام، يرتدي ملابس أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.اقترب منها."ما رأيك؟"نظرت حولها ثم عادت بعينيها إليه."جميل."اقترب أكثر."كنت أريد أن أفعل شيئًا مختلفًا الليلة."ابتسمت."لماذا؟"قال:"لأنك كنت متعبة طوال الأيام الماضية، وأردت أن تنسي ضغط العمل."شعرت نرمين بوخزة في قلبها.ضغط العمل.كان ذلك العذر الذي أخبرته به.والآن يستخدمه ليبرر هذه الأمسية.قالت:"شكرًا."مد يده إليها."تعالي."وضعت يدها في يده.كان لمس يده مألوفًا بالنسبة إليها.وهذا ما جعل الأمر أكثر ألمًا.قادها إلى الطاولة، ثم سحب لها الكرسي.جلست.جلس في الجهة المقابلة.صب لها العصير، ثم رفع كأسه."إلى نهاية أسبوع هادئة."رفعت كأسها أيضًا."إلى نهاية أسبوع هادئة."تلامست الكأسان.ابتسم ماهر.أما نرمين، فابتسامتها بقيت ثابتة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status