تسجيل الدخولانقضت عطلة نهاية الأسبوع أسرع مما تمنّت نرمين. مع بزوغ أول خيوط الفجر، غادرا المزرعة في طريق العودة إلى المدينة. كان الطريق هادئًا، وتبادل الزوجان حديثًا خفيفًا طوال الرحلة، حتى وصلا إلى الفيلا قبل أن تبدأ المدينة يومها بالكامل. دخلت نرمين إلى المنزل وهي تشعر بتعب السفر، لكنها كانت راضية عن اليومين اللذين قضتهما بعيدًا عن ضجيج العمل. وضعت حقيبتها في غرفة النوم، ثم ساعدت ماهر في إنزال بقية الأمتعة من السيارة. ابتسم لها وهو يحمل آخر حقيبة. "اذهبي واستريحي قليلًا، سأرتب الباقي." هزت رأسها مبتسمة. "لن أتركك تعمل وحدك." وبعد دقائق، انتهيا من إدخال كل شيء إلى المنزل. في صباح اليوم التالي، استيقظت نرمين باكرًا كعادتها. ارتدت ملابس العمل، ثم جلست أمام منضدة الزينة تراجع جدول اجتماعاتها لذلك اليوم. مدّت يدها نحو حقيبتها لتتأكد من وجود ختم الشركة الذي تستخدمه في توقيع المستندات المهمة. فتحت الجيب المخصص له. توقفت. أعادت البحث مرة أخرى. ثم فتحت الحقيبة بالكامل. اختفت ابتسامتها. "أين ذهب؟" أخرجت كل ما في الحقيبة ووضعته فوق السرير. ملفات... مفاتيح... محفظتها... مستحضرات التج
بعد أن انتهيا من شرب القهوة، خرجت نرمين إلى الحديقة. كان الهواء منعشًا، ورائحة أشجار الزيتون تعبق في المكان. سارت ببطء بين الممرات الحجرية، تمرر أصابعها فوق أوراق الأشجار كلما اقتربت منها. لحق بها السيد ماهر، وقد ارتدى قبعة قش قديمة كان يحتفظ بها في المزرعة. ما إن رأته حتى انفجرت ضاحكة. نظر إليها باستغراب. "ما الذي يضحك؟" أشارت إلى القبعة. "لا أصدق أنك ما زلت تحتفظ بها." ابتسم وهو ينزعها عن رأسه. "وهل تذكرين من اشتراها لي؟" "أنا." "إذن لا يحق لكِ السخرية منها." اقتربت منه وأخذتها من يده، ثم وضعتها على رأسها. "الآن أصبحت أجمل." تأملها للحظات، ثم قال مبتسمًا: "كل شيء يصبح أجمل عندما يكون عليك." ابتسمت له ابتسامة دافئة. "أتعرف؟" "ماذا؟" "أحيانًا أتساءل كيف لا تنفد منك هذه الكلمات." ابتسم وهو يسير إلى جانبها. "لأنني لا أبحث عنها... أقول فقط ما أشعر به." لم ترد، لكنها أمسكت يده دون أن تشعر. واصلا السير بين الأشجار في هدوء. وصلا إلى شجرة زيتون كبيرة في طرف المزرعة. توقفت نرمين أمامها. "ما زالت هنا." ابتسم السيد ماهر. "ولماذا لن تكون هنا؟" وضعت يدها على جذعها. "
مرت أيام قليلة منذ اللقاء الذي جمع نرمين بصديقتها سمر. عادت كل واحدة إلى حياتها اليومية، وانشغلت بالعمل، بينما بقيت قضية سهام عالقة دون أي تطور يذكر، حتى بدأت تفاصيلها تتراجع قليلًا أمام ضغوط الحياة. في صباح يوم الجمعة، كانت نرمين تجلس إلى طاولة الإفطار في الفيلا. وضعت فنجان الشاي أمامها، ثم بدأت تقلب صفحات الجريدة دون اهتمام حقيقي. دخل السيد ماهر إلى غرفة الطعام بعد أن أنهى مكالمة هاتفية قصيرة. ابتسم عندما رآها. "صباح الخير." رفعت رأسها وابتسمت. "صباح النور." جلس إلى جوارها، ثم سكب لنفسه كوبًا من القهوة. ساد الصمت لدقائق، قبل أن يقطعه وهو ينظر إليها. "هل لديكِ ارتباطات مهمة غدًا؟" هزت رأسها. "لا، لماذا؟" ابتسم ابتسامة غامضة. "إذن لا تخططي لأي شيء." رفعت حاجبيها. "هذا ليس جوابًا." ضحك بخفة. "لأنني لم أنهِ كلامي بعد." وضعت الجريدة جانبًا وهي تنظر إليه باهتمام. "تفضل." تنهد وهو يرتشف قهوته. "منذ أسابيع ونحن بين العمل والمشكلات والتحقيقات... حتى أصبحنا لا نجد وقتًا لأنفسنا." ابتسمت موافقة. "معك حق." نظر إليها بعينين مليئتين بالود. "لذلك قررت أن أخطفك يومين." ضح
مرّت الأيام التالية بهدوء غير معتاد.لم تحمل الشرطة أي أخبار جديدة عن سهام، ولم يظهر أي دليل يقود إليها. ومع مرور الوقت، بدأت الحياة تستعيد إيقاعها الطبيعي، وعادت نرمين إلى عملها اليومي، بينما انشغل السيد ماهر بإدارة الشركة، وكأن الجميع يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث في ليلة الحفل أصبح جزءًا من الماضي.أما سمر...فكانت تبدأ كل صباح بالطريقة نفسها.رنّ المنبه عند السابعة، ففتحت عينيها ببطء، وأطفأته قبل أن يرن مرة أخرى.جلست على حافة السرير للحظات، تنظر إلى الغرفة الصغيرة التي اعتادت الاستيقاظ فيها كل يوم.لم تكن شقتها كبيرة.غرفة نوم واحدة، وصالة صغيرة تتصل بمطبخ مفتوح، وحمام صغير يضم المرحاض في مساحة واحدة.ورغم ضيق المكان، بدا كل شيء مرتبًا بعناية.الأثاث أنيق، والألوان هادئة، والستائر البيضاء تسمح لأشعة الشمس بالدخول برفق، حتى يظن من يراها لأول مرة أنها شقة فاخرة.لكن الحقيقة أنها كانت مجرد شقة متواضعة، اختارت كل قطعة فيها بعناية، لتبدو أجمل مما هي عليه.نهضت واتجهت نحو المطبخ.أعدّت فنجانًا من القهوة، ثم وقفت أمام النافذة الصغيرة المطلة على الشارع.كانت السيارات تعبر تباعًا، والناس يس
مرت عدة أيام دون أي تطور في قضية سهام. واصلت الشرطة تحقيقاتها، لكن لم يظهر أي دليل جديد، ولم يُعثر على أثر يقود إلى مكانها. أما نرمين، فقد حاولت أن تعود إلى روتينها المعتاد. كانت تذهب إلى الشركة كل صباح، تراجع التقارير، تجتمع بالموظفين، ثم تعود إلى الفيلا مع نهاية اليوم. ومع مرور الأيام، بدأت تستعيد هدوءها شيئًا فشيئًا، رغم أن الظرف والرسالة لم يغيبا عن تفكيرها تمامًا. وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت تراجع بعض الملفات في مكتبها، رن هاتفها. ظهرت على الشاشة ابتسامة صغيرة قبل أن ترد. "مرحبًا يا سمر." جاءها صوت سمر المرح. "هل أصبحتِ تنسين صديقتك؟" ضحكت نرمين. "بل أنتِ من اختفيت." "إذن عاقبيني اليوم، واتركي العمل لبضع ساعات، وتعالي نتناول القهوة كما كنا نفعل." نظرت نرمين إلى الملفات أمامها. "أخشى أن لدي الكثير من العمل." "العمل لن يهرب، أما أنا فقد أزعل." ضحكت نرمين مرة أخرى. "حسنًا... ربحتِ." بعد أقل من ساعة، التقت الصديقتان في أحد المراكز التجارية الكبيرة. ما إن رأت سمر نرمين حتى أسرعت نحوها وعانقتها بحرارة. "اشتقت إليك." ابتسمت نرمين. "وأنا أيضًا." توجهتا إلى مق
عندما وصلت، كان الموظفون قد بدأوا يومهم منذ وقت، فحيّاها الجميع بابتسامات معتادة، وردّت التحية وهي تحاول أن تبدو هادئة. دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها. وضعت حقيبتها على المكتب، ثم جلست أمام الملفات التي كانت بانتظار توقيعها منذ الصباح. حاولت أن تراجع أول ملف، لكنها أعادت إغلاقه بعد دقائق. لم تستطع التركيز. كانت كلمات مدير شركة التوصيل تتردد في رأسها باستمرار. "هذا الظرف ليس من شركتنا." أخرجت الظرف من حقيبتها ووضعته أمامها. ظلت تتأمله طويلًا، ثم مررت أصابعها فوق اسمها المكتوب عليه. كيف وصل إلى مكتب ماهر؟ ولماذا كان فارغًا؟ كانت تعرف أن الأسئلة لن تختفي إذا بقيت تدور في رأسها. أعادت الظرف إلى حقيبتها، ونهضت من مكانها. تناولت هاتفها واتصلت بمكتب ماهر. أجابتها السكرتيرة بصوت هادئ. "مكتب السيد ماهر، تفضلي." "مرحبًا، معك نرمين. هل السيد ماهر في مكتبه؟" "لديه اجتماع مع مجلس الإدارة، لكنه سينتهي بعد أقل من ساعة." ابتسمت بخفة. "شكرًا، سأمر إليه." أنهت المكالمة، وأخذت حقيبتها وغادرت الشركة. بعد نحو نصف ساعة، وصلت إلى شركة السيد ماهر. رحبت بها موظفة الاستقبال كعادتها، وأخب






