في الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، رن هاتف ليلي مورغان.
لم تكن من الأشخاص الذين يستيقظون بسهولة بسبب الأصوات، لكنها في تلك الليلة فتحت عينيها فورًا، وكأنها كانت تنتظر تلك المكالمة منذ سنوات.
امتدت يدها فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير، وأمسكت الهاتف.
رقم مجهول.
ترددت للحظة، ثم أجابت بصوت ناعس.
«ألو؟»
لم يجبها أحد.
سمعت صوت تنفس خفيفًا في الطرف الآخر، ثم صوتًا تعرفه جيدًا، رغم مرور خمس عشرة سنة على آخر مرة سمعته فيها.
صوت طفلة صغيرة.
«ليلي؟»
تجمدت أصابعها حول الهاتف.
لم يكن ممكنًا.
لم يكن ممكنًا بأي شكل من الأشكال.
«مين معايا؟»
جاءها الصوت مرة أخرى، أكثر وضوحًا هذه المرة.
«ليلي، أنا بردانة.»
شعرت ليلي بأن الهواء اختفى من الغرفة.
ذلك الصوت لم يكن غريبًا عنها. كانت تعرف طريقة نطق الكلمات، والارتعاشة الخفيفة في نهاية الجمل، وحتى الطريقة التي كانت الطفلة تتنفس بها قبل أن تتحدث.
لقد سمعت هذا الصوت آلاف المرات في طفولتها.
كانت أختها الصغرى.
إيمي مورغان.
الفتاة التي ماتت منذ خمسة عشر عامًا.
الفتاة التي دفنتها عائلتها في تابوت مغلق.
الفتاة التي أخبرها الجميع أنها غرقت في بحيرة قريبة من منزلهم القديم.
الفتاة التي قضت ليلي نصف حياتها تحاول نسيانها.
همست ليلي، وقد بدأت دموعها تنزل من دون أن تشعر:
«إيمي؟»
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم أجابت الطفلة:
«إنتِ وعدتيني إنك مش هتسيبيني لوحدي تاني.»
انقطع الاتصال.
ظلت ليلي تحدق في شاشة الهاتف، غير قادرة على الحركة.
حاولت الاتصال بالرقم مرة أخرى، لكن الهاتف أخبرها بأن الرقم غير متاح.
ضغطت على زر الاتصال مرة ثانية.
ثم ثالثة.
لم يتغير شيء.
وضعت الهاتف على السرير، وأخفت وجهها بين يديها.
كانت تعرف أنها لا تحلم.
لم تكن تحلم، ولم تكن تتخيل.
لقد سمعت صوت إيمي.
لكن إيمي كانت ميتة.
كانت في الثامنة من عمرها عندما اختفت، بينما كانت ليلي في الرابعة عشرة. في ذلك اليوم، أمضت الشرطة ساعات طويلة في البحث عنها، حتى عثروا على حذائها الصغير قرب البحيرة.
بعد ثلاثة أيام، أعلنت السلطات أنها غرقت، رغم أنهم لم يعثروا على جثتها.
أصر والدها على إقامة جنازة.
وأصر على وضع صورة إيمي فوق التابوت.
ثم قال للجميع إن الأسرة تحتاج إلى تجاوز الأمر.
لكن ليلي لم تتجاوز الأمر أبدًا.
لأنها كانت آخر شخص رأى إيمي على قيد الحياة.
ولأنها كانت تحمل سرًا لم تخبر به أحدًا.
في تلك الليلة، قبل اختفاء أختها بساعات، سمعت إيمي تبكي خلف باب غرفة التخزين في الطابق السفلي.
وعندما سألتها عن السبب، أمسكت الطفلة بيدها وقالت:
«لو حصل لي حاجة، ما تصدقيش بابا.»
في ذلك الوقت، ظنت ليلي أن أختها تتحدث عن كابوس.
لكنها الآن، بعد خمسة عشر عامًا، لم تعد متأكدة من أي شيء.
⸻
نهضت ليلي من السرير وفتحت النافذة.
كانت المدينة غارقة في المطر، والمباني القديمة تبدو كأنها تراقب الشوارع في صمت.
عاشت ليلي في هذه المدينة منذ سبع سنوات، بعيدًا عن عائلتها ومنزل طفولتها.
كانت تعمل محررة في دار نشر صغيرة، وتعيش حياة هادئة لا يعرف عنها أحد الكثير.
لم تكن لديها صداقات كثيرة، ولم تكن تحب الحديث عن ماضيها.
حتى خطيبها السابق، دانيال، لم يعرف القصة كاملة.
كان يعتقد أن ليلي فقدت أختها في حادث مأساوي، وأنها لا تزال تشعر بالذنب لأنها لم تستطع إنقاذها.
لم يكن يعلم أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
لم يكن يعلم أن ليلي تتذكر كل كلمة قالتها أختها في تلك الليلة.
ولا أنه قبل اختفاء إيمي بأسبوع، رأت والدها يخرج من غرفة التخزين في منتصف الليل، بينما كانت ملابسه ملطخة بالدماء.
في اليوم التالي، أخبرها أن أحد العمال أصيب في المصنع.
وصدقت كذبته.
لأنها كانت في الرابعة عشرة.
ولأنها أرادت أن تصدق أن والدها رجل طيب.
لكن بعد اختفاء إيمي، تغير كل شيء.
أصبح والدها رجلًا آخر.
لم يعد يتحدث عن إيمي، ولم يسمح لأحد بذكر اسمها على مائدة الطعام.
أما والدتها، فقد دخلت في حالة اكتئاب شديدة، ثم ماتت بعد عامين بسبب جرعة زائدة من الدواء.
قال الأطباء إنها كانت تعاني من اضطرابات نفسية منذ وفاة ابنتها.
لكن ليلي لم تصدق ذلك تمامًا.
كانت تتذكر نظرة أمها في الأيام الأخيرة من حياتها.
نظرة امرأة خائفة.
امرأة تعرف شيئًا، لكنها لا تستطيع قوله.
عادت ليلي إلى السرير، وأمسكت هاتفها.
فتحت سجل المكالمات.
ثم توقفت فجأة.
كانت هناك رسالة صوتية جديدة.
وصلت في الساعة الثانية وأربع عشرة دقيقة.
أي بعد انتهاء المكالمة بدقيقة واحدة.
ضغطت عليها.
سمعت صوت خشخشة، ثم صوت تنفس سريع.
وبعده جاء صوت الطفلة:
«ليلي، لو سمعتي الرسالة دي، يبقى هو عرف إني كلمتك.»
صمت قصير.
ثم قالت:
«ما ترجعيش البيت.»
انتهت الرسالة.
لكن قبل أن تستوعب ليلي الكلمات، وصلتها رسالة نصية من الرقم نفسه.
كانت تحتوي على صورة واحدة.
صورة قديمة التُقطت أمام منزل عائلتها قبل خمسة عشر عامًا.
وقفت أمها في منتصف الصورة، وإلى جانبها والدها، بينما كانت ليلي تمسك بيد إيمي الصغيرة.
كانت الصورة عادية تمامًا.
إلا أن شخصًا ما رسم دائرة حمراء حول وجه رجل يقف خلفهم.
رجل لم تتذكر ليلي أنها رأته من قبل.
أسفل الصورة ظهرت جملة قصيرة:
«اسألي والدك من الذي دفنتموه في القبر رقم 17.»
شعرت ليلي ببرودة تسري في جسدها.
لم يكن في عائلتها قبر يحمل الرقم 17.
على الأقل، هذا ما كانت تعتقده.
فتحت الصورة بأصابع مرتجفة، وكبرت وجه الرجل.
كان يقف بعيدًا عن بقية العائلة، ويرتدي معطفًا أسود طويلًا.
لم يكن ينظر إلى الكاميرا.
كان ينظر إلى إيمي.
وفجأة، لاحظت ليلي شيئًا جعل قلبها يتوقف تقريبًا.
الرجل كان يضع يده اليمنى في جيبه.
أما يده اليسرى، فكانت تحمل ساعة فضية قديمة.
ساعة تعرفها ليلي جيدًا.
لأنها كانت ملكًا لوالدها.
⸻
في الصباح، لم تذهب ليلي إلى العمل.
جلست أمام حاسوبها تبحث عن سجل المكالمات، وعن أي معلومات يمكن أن تساعدها في معرفة مصدر الرسائل.
لكن الرقم لم يكن مسجلًا باسم أحد.
والصورة لم تحتوِ على معلومات تكشف مكان التقاطها.
اتصلت بشركة الاتصالات، ثم بخدمة الدعم، لكن لم تحصل على شيء مفيد.
كانت كل دقيقة تمر تجعلها أكثر اقتناعًا بأن شخصًا ما يتعمد إخافتها.
لكن لماذا الآن؟
ولماذا يستخدم صوت إيمي؟
هل كان الأمر مزحة قاسية؟
أم أن هناك شخصًا يعرف أسرار عائلتها؟
وفي أثناء تفكيرها، رن هاتفها مرة أخرى.
هذه المرة، كان المتصل هو والدها.
ترددت قبل أن تجيب.
لم تتحدث معه منذ ثلاثة أشهر، وكانت مكالماتهما قصيرة وباردة في العادة.
«صباح الخير يا ليلي.»
«صباح الخير.»
«كنت بحاول أكلمك من امبارح.»
نظرت إلى الهاتف.
لم يكن لديها أي مكالمات فائتة منه.
«ما وصلنيش أي اتصال منك.»
ساد الصمت للحظة.
ثم قال:
«يمكن الشبكة كانت ضعيفة. المهم، إنتِ كويسة؟»
«آه.»
«صوتك غريب.»
«أنا تعبانة شوية.»
تنفس والدها ببطء.
«ليلي، عايزك تعملي حاجة عشاني.»
شعرت بانقباض في صدرها.
كان والدها يستخدم هذه الجملة عندما يريد منها تنفيذ أمر لا ترغب فيه.
«إيه هي؟»
«ما تسأليش عن إيمي.»
لم تتكلم.
ظلت تمسك الهاتف بقوة، بينما كانت عيناها مثبتتين على الصورة المفتوحة أمامها.
«إنت بتقول إيه؟»
«أنا عارف إنك لسه بتفكري فيها، لكن اللي حصل من زمان انتهى. مش عايزك ترجعي تفتحي الموضوع ده.»
«ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟»
«لأن بعض الحاجات لازم تفضل مدفونة.»
كانت الجملة الأخيرة كافية لتجعل الدم ينسحب من وجهها.
بعض الحاجات لازم تفضل مدفونة.
نفس العبارة التي قالتها أمها قبل موتها بثلاثة أيام.
في ذلك الوقت، كانت ليلي تجلس بجانب سريرها في المستشفى، تمسك يدها وتحاول إقناعها بتناول الدواء.
فتحت أمها عينيها فجأة، ونظرت إليها برعب.
ثم همست:
«لو حد سألك عن إيمي، قولي إنك مش فاكرة حاجة.»
وعندما سألتها ليلي عما تقصده، بدأت أمها تبكي.
بعدها بساعات، توقفت عن الكلام تمامًا.
عادت ليلي إلى الحاضر على صوت والدها.
«ليلي؟ إنتِ سامعاني؟»
ابتلعت ريقها.
«أيوه.»
«وعديني إنك مش هترجعي للبيت القديم.»
نظرت إلى الرسالة النصية مرة أخرى.
ما ترجعيش البيت.
ثم سألت بصوت منخفض:
«بابا، مين اللي في الصورة؟»
ساد صمت طويل.
طويل لدرجة أنها اعتقدت أن الاتصال انقطع.
ثم قال والدها:
«إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»
«الصورة اللي اتصورت قدام البيت يوم عيد ميلاد إيمي. الراجل اللي واقف وراكم.»
لم يجبها.
«بابا؟»
سمعت صوت شيء يسقط في الطرف الآخر.
ثم جاء صوته مختلفًا تمامًا.
لم يعد هادئًا.
كان غاضبًا.
«إنتِ جبتي الصورة دي منين؟»
«جاوبني.»
«اسمعيني كويس يا ليلي. امسحي الصورة، وغيّري رقمك، وانسي إن المكالمة دي حصلت.»
«أنا عايزة أعرف الحقيقة.»
«الحقيقة هتدمرك.»
«وإيه اللي حصل لإيمي؟»
لم يجبها.
ثم سمعت صوت امرأة في الخلفية.
كانت تتحدث مع والدها، لكن صوتها كان بعيدًا.
«مين اللي بيكلمك؟»
تغير صوت والدها فجأة.
«محدش. ادخلي جوه.»
سمعت خطوات، ثم صوت باب يُغلق.
عاد والدها إلى الهاتف.
«ليلي، اسمعيني. لو بتحبيني، ما تعمليش أي حاجة غبية.»
ثم أغلق الخط.
جلست ليلي أمام الحاسوب، تحدق في الشاشة.
كان بإمكانها أن تتجاهل الأمر.
أن تمسح الصور، وتحظر الرقم، وتعود إلى حياتها العادية.
كان هذا ما حاولت فعله طوال خمس عشرة سنة.
لكنها لم تعد قادرة على ذلك.
لأن والدها لم يسألها كيف حصلت على الصورة فحسب.
لقد بدا خائفًا.
ولأنها أدركت شيئًا آخر.
المرأة التي سمعَت صوتها في الخلفية لم تكن غريبة عنها.
كانت تعرف ذلك الصوت.
كانت قد سمعته في طفولتها.
وكان مستحيلًا أن تكون صاحبته على قيد الحياة.
لأنها كانت أمها.
⸻
في الساعة الرابعة عصرًا، حجزت ليلي تذكرة إلى المدينة التي ولدت فيها.
لم تخبر والدها.
ولم تتصل بأي شخص من عائلتها.
وضعت في حقيبتها بعض الملابس، وحاسوبها، والصورة التي وصلتها.
ثم خرجت من شقتها.
قبل أن تغلق الباب، نظرت إلى المرآة المعلقة في الممر.
بدت شاحبة ومتعبة.
لكن عينيها كانتا مختلفتين.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم تكن تحاول الهرب من الماضي.
كانت ذاهبة إليه.
وصلت إلى محطة القطار قبل موعد الرحلة بنصف ساعة.
اشترت قهوة، وجلست قرب النافذة، تحاول أن ترتب أفكارها.
كان عليها أن تبدأ من مكان ما.
القبر رقم 17.
لم تكن تعرف إن كان موجودًا بالفعل، لكنها تذكرت اسم المقبرة التي دُفنت فيها أمها.
مقبرة سانت ماري.
ربما كان الرجل في الصورة مدفونًا هناك.
وربما كان الأمر كله خدعة.
أخرجت هاتفها، وفتحت الرسالة الصوتية مرة أخرى.
استمعت إليها عدة مرات.
في المرة الخامسة، لاحظت صوتًا لم تنتبه إليه من قبل.
بعد أن قالت إيمي: «ما ترجعيش البيت»، سُمعت ثلاث طرقات خافتة.
ثم صوت رجل يقول شيئًا غير واضح.
رفعت ليلي مستوى الصوت، وأعادت التسجيل.
هذه المرة، استطاعت تمييز الكلمات.
كان الرجل يقول:
«هي لسه عايشة.»
توقفت أنفاسها.
من التي ما زالت على قيد الحياة؟
إيمي؟
أم شخص آخر؟
وبينما كانت تحاول استيعاب ما سمعته، جلس رجل على المقعد المقابل لها.
لم تنتبه إليه في البداية.
كان يرتدي معطفًا رماديًا، ويحمل صحيفة مطوية.
وضع الصحيفة بجانبه، ثم نظر إليها.
«ليلي مورغان؟»
تجمدت.
«إنت مين؟»
لم يجبها مباشرة.
أخرج من جيبه بطاقة صغيرة ووضعها على الطاولة.
كان اسمه توماس ريد.
وتحت الاسم كُتبت كلمة واحدة:
الشرطة.
قال بهدوء:
«أنا كنت المسؤول عن قضية اختفاء أختك.»
نظرت إليه بصدمة.
«إنت اللي حققت في قضية إيمي؟»
أومأ.
«كنت ضابطًا صغيرًا وقتها. لكني ما نسيتش القضية دي أبدًا.»
«ليه؟»
أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا.
«لأن قبل ثلاثة أيام، وصلني خطاب من شخص مجهول.»
فتح الظرف وأخرج صورة.
كانت صورة فتاة تقف أمام باب حديدي.
شعرها طويل، ووجهها شاحب، وعيناها تحدقان في الكاميرا.
لم تكن الصورة واضحة تمامًا.
لكن ليلي عرفت الفتاة في اللحظة التي رأتها فيها.
كانت إيمي.
لم تتغير ملامحها كثيرًا.
بدا أنها أكبر سنًا، ربما في الثالثة والعشرين أو الرابعة والعشرين.
لكنها كانت إيمي بلا شك.
وضعت ليلي يدها على فمها.
«دي… دي أختي.»
قال توماس:
«أنا عارف.»
«إزاي عرفتوا مكانها؟»
«ما عرفناش. الصورة وصلت بالبريد من غير عنوان للمرسل.»
«إمتى اتصورت؟»
«مش عارفين. لكن المختبر أكد إنها صورة حقيقية، ومفيش دليل واضح إنها اتعدلت.»
حدقت ليلي في الصورة.
«إيمي عايشة.»
لم يبدُ توماس مقتنعًا.
«أو فيه حد عايزنا نصدق إنها عايشة.»
رفعت عينيها إليه.
«إنت شفت الصورة اللي وصلتني؟»
أخرجت هاتفها، وفتحت صورة العائلة.
عندما رآها توماس، تغير وجهه.
لم يكن التغير كبيرًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي.
أخذ الهاتف منها، وكبّر وجه الرجل الذي يقف خلف العائلة.
ثم أعاده إليها ببطء.
«مين ده؟» سألت ليلي.
لم يجبها.
«إنت تعرفه، صح؟»
ظل ينظر إلى الصورة.
ثم قال:
«كنت أتمنى ألا أرى هذا الوجه مرة أخرى.»
شعرت ليلي بقشعريرة.
«مين هو؟»
رفع توماس عينيه إليها.
«اسمه هنري كول.»
«وإيه علاقته بأختي؟»
نظر حوله، ثم انحنى قليلًا نحوها.
«هنري كول مات قبل اختفاء إيمي بثلاثة أيام.»
ساد الصمت.
شعرت ليلي بأن الأرض تميد تحت قدميها.
«إنت متأكد؟»
«أنا اللي وقعت تقرير وفاته.»
«طب ليه موجود في الصورة؟»
أغلق توماس الظرف.
«ده السؤال اللي بحاول أجاوب عنه من خمس عشرة سنة.»
ثم نظر إلى ساعة المحطة.
«قطارك هيمشي كمان عشر دقايق.»
نهض، وأمسك حقيبته.
وقبل أن يبتعد، التفت إليها وقال:
«لو كنت مكانك، ما كنتش هرجع للبيت القديم.»
شعرت ليلي بغضب مفاجئ.
«ليه كل الناس بتقول لي ما أرجعش؟»
لم يجبها.
اكتفى بالنظر إليها بنظرة غريبة.
ثم قال:
«لأن آخر شخص دخل البيت ده وهو بيدور على الحقيقة، اختفى.»
«مين؟»
تردد للحظة.
«أمك.»
ثم غادر.
⸻
بقيت ليلي جالسة في مكانها، غير قادرة على الحركة.
أمها اختفت؟
لم يكن هذا ما أخبرها به والدها.
قال إن أمها ماتت في المستشفى، وإنه كان معها عندما توقفت أجهزة المراقبة عن تسجيل نبضها.
تذكرت الجنازة.
تذكرت التابوت.
تذكرت كيف رفض والدها السماح لها برؤية وجه أمها للمرة الأخيرة، بحجة أن حالتها كانت سيئة.
هل كانت تلك جنازة حقيقية؟
أم أن كل شيء كان كذبة؟
أخرجت هاتفها واتصلت بوالدها.
لم يجب.
اتصلت مرة أخرى.
لم يجب أيضًا.
ثم كتبت له رسالة:
«أنا راجعة البيت. وعايزة أشوفك.»
ضغطت على إرسال.
بعد ثوانٍ، ظهر أنها قُرئت.
لكن والدها لم يرد.
بدلًا من ذلك، وصلتها رسالة من رقم مجهول.
كانت تحتوي على جملة واحدة:
«لو دخلتِ البيت، هتعرفي مين اللي قتل أمك.»
رفعت ليلي رأسها بسرعة، ونظرت حولها.
الركاب يتحركون في كل اتجاه.
امرأة تحمل طفلًا.
رجل يتحدث في الهاتف.
عامل ينظف الأرضية.
لم يكن هناك أحد يبدو مهتمًا بها.
لكنها شعرت فجأة أن شخصًا ما يراقبها.
ثم لاحظت الرجل الواقف قرب بوابة الخروج.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا.
وفي يده اليسرى، كانت هناك ساعة فضية قديمة.
الساعة نفسها التي رأتها في الصورة.
نظر الرجل إليها مباشرة.
ثم ابتسم.
وللمرة الأولى في حياتها، فهمت ليلي أن الماضي لم يكن شيئًا انتهى منذ سنوات.
كان شيئًا ينتظرها.
شيئًا يعرف اسمها.
ويعرف أين تعيش.
ويعرف أنها بدأت تقترب من الحقيقة.
نهضت بسرعة، وأمسكت حقيبتها.
لكن عندما نظرت إلى مكان الرجل مرة أخرى، كان قد اختفى.
وفي اللحظة نفسها، أعلن مكبر الصوت عن وصول قطارها.
أخذت ليلي نفسًا عميقًا، واتجهت نحو الرصيف.
لم تكن تعرف من ينتظرها في المدينة.
ولم تكن تعرف ما الذي ستجده في البيت القديم.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.
إذا كانت إيمي على قيد الحياة فعلًا، فإن أختها لم تختفِ في البحيرة.
وإذا كان هنري كول قد مات قبل اختفائها بثلاثة أيام، فإن الرجل الذي ظهر في الصورة لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا.
أما إذا كانت أمها لم تمت…
فهذا يعني أن كل شيء آمنت به طوال خمس عشرة سنة كان كذبة.
وربما كانت الكذبة الأكبر هي أنها عاشت تلك السنوات بأمان.
لأنها، قبل أن تصعد إلى القطار، تلقت رسالة أخيرة.
لم تكن من الرقم المجهول.
كانت من رقم والدتها القديم.
الرقم الذي أخبرها والدها أنه أُغلق بعد وفاتها.
فتحت الرسالة.
وكانت تتكون من خمس كلمات فقط:
«ليلي، أنا أمك. اهربي من أبيك.»