LOGINلم تصدق ليلي ما سمعته.
«إنت بتقول إن أندرو هو اللي مات؟» أومأ ديفيد. «قبل خمس عشرة سنة، وقع حريق في المستودع. عُثر على جثة متفحمة، ولم يستطع أحد التعرف عليها. أندرو كان قد خطط لتبديل هويته بهوية أخيه، لكنه مات قبل أن ينفذ خطته.» «إذن من الرجل الذي ربّاني؟» نظر ديفيد إليها بحزن. «روبرت.» «لكن أمي قالت إنه مات.» «لأنها لم تكن تعرف الحقيقة.» تراجعت ليلي، محاولة استيعاب ما تسمعه. «إزاي؟» قال ديفيد: «بعد الحريق، فقد روبرت ذاكرته لفترة طويلة. وعندما عاد إلى وعيه، وجد نفسه في المستشفى، وقد أخبره الجميع أنه أندرو. كان أندرو قد جهز كل شيء قبل الحريق، حتى الأوراق الرسمية.» «يعني أبويا كان فاكر إنه أندرو؟» «نعم. عاش سنوات وهو يعتقد أنه شقيقه، حتى بدأت الذكريات تعود إليه.» شعرت ليلي بأن دموعها تنزل ببطء. «وإيمي؟» «عندما اكتشف روبرت الحقيقة، حاول العثور عليها. لكنه لم يكن يعرف أين اختفت. أما والدتك، فكانت تعتقد أن زوجها قد مات، وأن الرجل الذي يعيش معها هو أندرو.» «والراجل اللي قابلناه في الفندق؟» خفض ديفيد رأسه. «كان روبرت.» ساد الصمت. إذن الرجل الذي ظنت ليلي أنه عدوها كان والدها الحقيقي. والرجل الذي أخبرها بالحقيقة كان يخفي عنها جزءًا منها. أما توماس، فقد كان يحاول السيطرة على الملف حتى لا تنكشف جرائم قديمة تورط فيها. لكن ليلي لم تستطع أن تفهم شيئًا واحدًا. «مين اللي بعت لي الرسائل؟» ابتسم ديفيد. «أنا.» حدقت فيه بصدمة. «إنت؟» «كنت أريدك أن تعودي إلى المدينة. كنت أعرف أن ذاكرتك ستعود عندما ترين الصور والأماكن القديمة.» «وليه ما قلتليش الحقيقة من الأول؟» «لأنني لم أكن متأكدًا أنك تستطيعين تحملها.» نهضت ليلي واتجهت نحو الباب. «أنا مش عايزة أعرف أي حاجة تاني.» لكن ديفيد ناداها. «ليلي، انتظري.» التفتت. أخرج من درج الطاولة صورة قديمة. كانت صورة لروبرت وهو يحمل ليلي الصغيرة بين ذراعيه، وإيمي تقف بجانبهما. على ظهر الصورة، كُتبت جملة بخط والدها: «إذا قرأتِ هذا يومًا، فتذكري أنني أحببتكما أكثر من أي شيء في العالم.» انهارت ليلي بالبكاء. للمرة الأولى منذ عودتها، لم تكن تبكي بسبب الخوف. كانت تبكي لأنها أدركت أن والدها لم يكن وحشًا كما تخيلت. كان رجلًا ضائعًا، سرقت منه حياته ذكريات لم يستطع استعادتها. لكن القصة لم تنتهِ بعد. لأن ديفيد قال بصوت خافت: «هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.» رفعت ليلي رأسها. «إيه؟» أشار إلى باب الغرفة. «الشخص الذي مات مرتين لم يكن روبرت.» توقفت أنفاسها. «مين إذن؟» ابتسم ديفيد ابتسامة حزينة. «أندرو.» «لكن أندرو مات مرة واحدة.» هز رأسه ببطء. «مات في الحريق، ثم مات مرة أخرى عندما استخدم روبرت اسمه وعاش حياته. لم يعد أحد يعرف من كان أندرو الحقيقي، أو أين انتهت قصته.» نظرت ليلي إلى الصورة في يدها. كانت تعرف الآن أن بعض الأسرار لا تُدفن في القبور. بل تُدفن داخل الأشخاص الذين يواصلون الحياة، وهم يحملون أسماء ليست لهم. ⸻ في المساء، عادت ليلي إلى المنزل الصغير قرب البحيرة. وجدت أمها وإيمي تنتظرانها. لم تتحدث كثيرًا. احتضنت أختها طويلًا، ثم جلست بجانب أمها. لم تكن قادرة على مسامحة الجميع في يوم واحد. لكنها لم تعد تريد الهرب. في الأيام التالية، بدأت الشرطة تحقيقًا جديدًا في قضية اختفاء إيمي، بعد ظهور الأدلة التي احتفظ بها ديفيد. اختفى توماس ريد، ولم يعثر أحد على أندرو. أما روبرت، فقد نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج بعد إصابته. ذهبت ليلي لزيارته. كان مستلقيًا على السرير، وعيناه مغلقتان. جلست بجانبه وأمسكت يده. «بابا؟» فتح عينيه ببطء. وعندما رآها، ابتسم. «ليلي.» انهمرت دموعها. «أنا آسفة.» هز رأسه. «ما تعتذريش. إنتِ ما عملتيش حاجة غلط.» «كنت فاكرة إنك مت.» ضغط على يدها برفق. «وأنا كنت فاكر إني فقدتكِ.» ظلت بجانبه حتى غلبه النوم. وقبل أن تغادر، لاحظت ظرفًا صغيرًا موضوعًا على الطاولة. لم يكن عليه اسم المرسل. فتحته. في داخله ورقة واحدة، كُتبت عليها جملة بخط يدها هي. «إذا كنتِ تقرئين هذا، فهذا يعني أنكِ نجوتِ للمرة الأولى.» تجمدت ليلي. لم تتذكر أنها كتبت هذه الجملة من قبل. قلبت الورقة. كان هناك تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا مضت. وتحت التاريخ، كُتبت أربعة أرقام: 0213. الوقت نفسه. المكالمة نفسها. والسر نفسه الذي بدأ كل شيء. رفعت ليلي رأسها ونظرت إلى والدها النائم. ثم إلى باب الغرفة. كان هناك شخص يقف خلف الزجاج. شخص طويل يرتدي معطفًا أسود. وفي يده اليسرى، كانت هناك ساعة فضية قديمة. لم ترَ ليلي وجهه. لكنها سمعت صوته بوضوح، رغم أن الباب كان مغلقًا. «لسه فاكرة إيمي يا ليلي؟» تراجعت خطوة. اختفى الرجل من خلف الزجاج. وفي اللحظة نفسها، رن هاتفها. رقم مجهول. أجابت ببطء. لم تسمع صوت طفلة هذه المرة. بل سمعت صوت امرأة ناضجة تقول: «ليلي، أنا إيمي.» التفتت نحو السرير. كانت إيمي تقف عند الباب، تمسك هاتفها، وتنظر إليها بوجه شاحب. إذن من التي اتصلت بها؟ ومن التي كانت تقف أمامها؟ وقبل أن تتمكن من الكلام، جاء الصوت من الهاتف مرة أخرى: «ليلي، اسمعيني كويس. أختك اللي معاكِ مش إيمي.» انقطع الاتصال. رفعت ليلي عينيها ببطء نحو الفتاة الواقفة أمامها. ابتسمت الفتاة. ثم قالت: «أخيرًا عرفتي.» النهاية… أم بداية سر جديد؟لم تصدق ليلي ما سمعته.«إنت بتقول إن أندرو هو اللي مات؟»أومأ ديفيد.«قبل خمس عشرة سنة، وقع حريق في المستودع. عُثر على جثة متفحمة، ولم يستطع أحد التعرف عليها. أندرو كان قد خطط لتبديل هويته بهوية أخيه، لكنه مات قبل أن ينفذ خطته.»«إذن من الرجل الذي ربّاني؟»نظر ديفيد إليها بحزن.«روبرت.»«لكن أمي قالت إنه مات.»«لأنها لم تكن تعرف الحقيقة.»تراجعت ليلي، محاولة استيعاب ما تسمعه.«إزاي؟»قال ديفيد:«بعد الحريق، فقد روبرت ذاكرته لفترة طويلة. وعندما عاد إلى وعيه، وجد نفسه في المستشفى، وقد أخبره الجميع أنه أندرو. كان أندرو قد جهز كل شيء قبل الحريق، حتى الأوراق الرسمية.»«يعني أبويا كان فاكر إنه أندرو؟»«نعم. عاش سنوات وهو يعتقد أنه شقيقه، حتى بدأت الذكريات تعود إليه.»شعرت ليلي بأن دموعها تنزل ببطء.«وإيمي؟»«عندما اكتشف روبرت الحقيقة، حاول العثور عليها. لكنه لم يكن يعرف أين اختفت. أما والدتك، فكانت تعتقد أن زوجها قد مات، وأن الرجل الذي يعيش معها هو أندرو.»«والراجل اللي قابلناه في الفندق؟»خفض ديفيد رأسه.«كان روبرت.»ساد الصمت.إذن الرجل الذي ظنت ليلي أنه عدوها كان والدها الحقيقي.والرجل ا
جلست ليلي وحدها في الغرفة المجاورة.كانت تحاول أن تستعيد ذكرياتها، لكنها لم تجد سوى صور متقطعة.باب المطبخ.صوت صراخ.إيمي تبكي.ويدها الصغيرة تمسك بمقبض باب حديدي.ثم صوت أمها تقول:«اقفلي الباب يا ليلي! بسرعة!»فتحت ليلي عينيها فجأة.كانت تتنفس بصعوبة.لم تكن هذه مجرد ذكريات مشوشة.لقد تذكرت شيئًا حقيقيًا.في ليلة اختفاء إيمي، كانت أمها قد طلبت منها إغلاق باب غرفة التخزين حتى لا يصل إليها أندرو.لكن إيمي كانت في الداخل.كانت تصرخ وتضرب الباب بيديها الصغيرتين.أما ليلي، فكانت تبكي وتحاول فتحه.ثم ظهر أندرو.أمسكها من ذراعها، وأبعدها عن الباب.بعدها، لم تتذكر شيئًا.حتى الآن.نهضت وخرجت من الغرفة.وجدت أمها في المطبخ، تعد الشاي.قالت ليلي:«إنتِ طلبتِ مني أقفل الباب على إيمي.»سقط الكوب من يد أمها.تحطم على الأرض.نظرت إليها بعيون مذعورة.«إنتِ افتكرتِ؟»«أيوه.»جلست الأم ببطء.«أنا آسفة.»«ليه عملتِ كده؟»«كنت بحاول أحميها.»«بحبسها؟»«أندرو كان جاي ياخدها. كنت عارفة إنه هيقتلها لو خرجت معاه. طلبت منك تقفلي الباب، وكنت ناوية أرجع أخرجها بعد ما يمشي.»«لكن أندرو أخدني بعيدًا عنها.»أو
ساد الصمت.ثم تراجع الرجل خطوة.رفعت ليلي عينيها إلى وجهه.كان وجهه يتغير.لم يكن الأمر سحريًا أو غريبًا كما تخيلت، بل بدا وكأنها بدأت تلاحظ تفاصيل لم ترها من قبل: اختلاف شكل الأنف، والندبة الصغيرة عند الحاجب، والطريقة التي كان يقف بها.همست:«إنت مين؟»نظر إليها الرجل بحزن.«أنا والدك.»هزت ليلي رأسها بعنف.«لا! إنت قلت إنك هنري!»«قلت لكِ ما أردتِ أن تصدقيه.»تقدم توماس ووضع الملف فوق الطاولة.«روبرت مورغان كان رجلًا حقيقيًا. لكنه مات في حادث الحريق. أما الرجل الذي ربّاكِ، فهو شقيقه التوأم، أندرو مورغان.»شعرت ليلي بأن كل شيء حولها يدور.«عمي؟»أومأ توماس.«بعد وفاة روبرت، أخذ أندرو هويته. كان يريد السيطرة على أمواله، وعلى عائلته، وعلى إيمي التي لم تكن ابنته الحقيقية.»نظرت ليلي إلى الرجل.«إنت قتلت أبويا؟»خفض أندرو رأسه.«لم أكن أنوي ذلك.»صرخت:«إنت عشت معايا خمس عشرة سنة! كنت بتقول لي يا بنتي!»«لأنني أحببتكِ.»ضحكت ليلي بمرارة.«ما تقولش إنك بتحبني!»أمسكت إيمي بيدها.«ليلي، لازم نخرج من هنا.»لكن توماس رفع سلاحه.«لن يخرج أحد.»في تلك اللحظة، دوى صوت إطلاق نار.سقط توماس على ا
قاد هنري الفتاتين عبر ممر ضيق خلف الفندق.كان المكان مظلمًا، وتغطي جدرانه صور قديمة لأشخاص لا تعرفهم ليلي.وفي نهاية الممر، توقف أمام باب خشبي.أخرج مفتاحًا وفتح الباب.كانت الغرفة صغيرة، لا تحتوي إلا على طاولة وخزنة معدنية مثبتة في الحائط.أشار إلى الخزنة.«حاولي فتحها.»اقتربت ليلي، وأدخلت المفتاح في القفل.دار المفتاح بسهولة.لكن الخزنة لم تُفتح.لاحظت وجود لوحة صغيرة بها أرقام.«فيه رقم سري.»أومأ هنري.«أربعة أرقام. فكري في شيء لا يمكن لروبرت أن ينساه.»فكرت ليلي في تاريخ اختفاء إيمي، ثم في تاريخ وفاة أمها، ثم في تاريخ ميلادها.جربت الأرقام واحدًا تلو الآخر.لم يحدث شيء.أغمضت عينيها.تذكرت ساعة الحائط في الفندق.الثانية وثلاث عشرة دقيقة.أدخلت الرقم 0213.صدر صوت خافت.ثم انفتح باب الخزنة.في الداخل، وجدت ليلي ثلاثة أشياء: ملفًا بنيًا، وشريط تسجيل قديمًا، وصورة لرجل يشبه والدها تمامًا.لكن الرجل في الصورة كان يرتدي ملابس سجين.وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة:«روبرت مورغان، المتوفى رسميًا منذ خمسة عشر عامًا.»شعرت ليلي بأن قلبها توقف.«إيه ده؟»أخذ هنري الملف، وفتحه أمامها.كان يحتو
لم تتحرك ليلي.كانت تحدق في الرجل الواقف أمامها، وتحاول أن تفهم ما الذي يعنيه كلامه.«ابنتي؟»ابتسم هنري.«أخيرًا قابلتكِ مرة أخرى.»نظرت ليلي إلى إيمي، ثم إليه.«إنت مين؟»«أنا الشخص اللي حاول ينقذ أختك.»«لكنهم قالوا إنك مت.»«لأنهم أرادوا للجميع أن يصدقوا ذلك.»اقترب هنري خطوة.تراجعت ليلي.«ما تقربش مني.»توقف مكانه.«من حقك أن تخافي. لكن الوقت ليس في صالحنا.»«إنت تعرف إيمي منين؟»نظر إلى الفتاة التي تقف بجانبها.«لأنني والدها.»شعرت ليلي وكأن أحدهم صفعها.«إيه؟»خفضت إيمي رأسها.«ليلي، أنا كنت عايزة أقول لكِ.»ضحكت ليلي بصدمة.«أبوكي؟ يعني إنتِ أختي من أمي بس؟»لم تجب إيمي.لكن صمتها كان كافيًا.تراجعت ليلي حتى اصطدم ظهرها بالحائط.كل الذكريات التي احتفظت بها عن عائلتها بدأت تتغير.والدها الذي ربّاها.الرجل الذي كان يأخذها إلى المدرسة ويقرأ لها القصص قبل النوم.الرجل الذي أخبرها أن هنري كول رجل خطير ومجرم.هل كان يعرف أن هنري هو والد إيمي الحقيقي؟وهل كان اختفاء إيمي مرتبطًا بهذا السر؟قال هنري:«روبرت لم يكن والد إيمي الحقيقي، لكنه لم يستطع تقبل ذلك. عندما اكتشف الحقيقة، حاول أ
لم تنتظر ليلي حتى الصباح.استقلت سيارة أجرة إلى البحيرة، وطلبت من السائق أن يتركها عند الطريق القديم المؤدي إلى الفندق المهجور.كان المكان بعيدًا عن المدينة، تحيط به الأشجار الكثيفة من كل جانب.لم يعد الفندق يستقبل الزوار منذ سنوات طويلة، بعد أن أُغلق إثر حريق غامض في أحد أجنحته.كانت ليلي تتذكر المكان جيدًا.فقد اصطحبهم والدها إليه مرة عندما كانت صغيرة، قبل اختفاء إيمي بأشهر قليلة.في ذلك اليوم، جلست إيمي على حافة البحيرة، وقالت لها:«أنا بحب المكان ده. نفسي أعيش هنا لما أكبر.»ضحكت ليلي وقتها.«هتعيشي في فندق قديم؟»أجابت إيمي بجدية:«مش الفندق. البيت اللي وراه.»لم تفهم ليلي ما قصدته، ونسيت الحديث تمامًا.حتى الآن.وصلت إلى الفندق بعد منتصف الليل بقليل.كانت البوابة مفتوحة، والباب الرئيسي يتحرك مع الهواء ويصدر صوتًا مزعجًا جداً .دخلت وهي تمسك بالمفتاح الفضي الذي أعطاها إياه توماس.في الردهة، وجدت مكتب الاستقبال مغطى بالغبار، وساعة حائط متوقفة عند الثانية وثلاث عشرة دقيقة.الوقت نفسه الذي تلقت فيه المكالمة الأولى.تقدمت نحو الممر، حتى سمعت صوتًا يأتي من الطابق العلوي.«ليلي؟»رفعت