Home / التشويق / الإثارة / الشخص الذي مات مرتين / ‎الفصل الثاني: البيت الذي لا ينام

Share

‎الفصل الثاني: البيت الذي لا ينام

Author: Watar
last update publish date: 2026-10-17 18:00:03

وصلت ليلي إلى مدينتها القديمة بعد ثلاث ساعات من السفر. كان المطر قد توقف، لكن السماء ظلت مغطاة بغيوم رمادية جعلت الشوارع تبدو أكثر كآبة مما تتذكر.

استقلت سيارة أجرة إلى المنزل الذي عاشت فيه طفولتها.

طوال الطريق، ظلت تنظر من النافذة، تراقب المباني التي تغيرت، والمحلات التي اختفت، والشوارع التي بقيت كما هي.

لكنها لم تكن تفكر في أي من ذلك.

كانت تفكر في الرسالة الأخيرة.

«ليلي، أنا أمك. اهربي من أبيك.»

أعادت قراءة الرسالة عشرات المرات، وكأنها تأمل أن تتغير الكلمات إذا نظرت إليها طويلًا.

كيف يمكن لأمها أن ترسل إليها رسالة بعد خمس عشرة سنة من اختفائها؟

ولماذا طلبت منها الهرب من والدها؟

توقفت السيارة أمام المنزل.

كان البيت أكبر مما تتذكره، أو ربما كانت ذكرياتها عنه قد صغرته مع مرور السنوات. بوابته الحديدية القديمة مغطاة بالصدأ، والنباتات البرية امتدت على جانبي الممر المؤدي إلى الباب.

لكن شيئًا واحدًا جعلها تشعر بالخوف.

كانت هناك سيارة سوداء متوقفة أمام المنزل.

سيارة لم ترها من قبل.

دفعت الأجرة ونزلت، ثم وقفت أمام البوابة تراقب النوافذ.

في الطابق العلوي، خلف الستائر، تحرك ظل شخص ما.

رفعت رأسها بسرعة.

اختفى الظل.

أخرجت المفتاح القديم من حقيبتها، وفتحَت البوابة ببطء.

كان صوت خطواتها فوق الحصى هو الصوت الوحيد في المكان.

طرقت الباب.

لم يجبها أحد.

طرقت مرة أخرى، ثم جربت المفتاح.

انفتح الباب بسهولة.

دخلت إلى الردهة، وتوقفت للحظة وهي تنظر حولها.

كل شيء كان في مكانه تقريبًا؛ المرآة الكبيرة، والساعة المعلقة على الحائط، والصورة العائلية التي تجمعها بأختها ووالديها.

لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.

كان هناك كوبان من القهوة فوق الطاولة.

أحدهما لا يزال دافئًا.

وضعت حقيبتها على الأرض، ثم نادت:

«بابا؟»

لم تتلقَّ إجابة.

تقدمت نحو غرفة المعيشة، فسمعت صوتًا يأتي من الطابق العلوي.

صوت خطوات بطيئة.

خطوة.

ثم أخرى.

رفعت رأسها نحو السلم.

«مين هنا؟»

توقفت الخطوات.

ثم سمعت صوت باب يُغلق.

لم تنتظر ليلي.

أسرعت نحو السلم، وصعدت إلى الطابق العلوي. كان الممر مظلمًا، باستثناء ضوء خافت يتسرب من تحت باب غرفة والدها.

اقتربت منه ودفعت الباب.

كانت الغرفة فارغة.

لكن النافذة كانت مفتوحة، والستائر تتحرك مع الهواء.

ركضت نحو النافذة ونظرت إلى الحديقة الخلفية.

لم ترَ أحدًا.

وعندما استدارت لتغادر الغرفة، لاحظت ظرفًا أبيض موضوعًا فوق السرير.

كان اسمها مكتوبًا عليه بخط تعرفه جيدًا.

خط أمها.

فتحت الظرف بأصابع مرتجفة.

في داخله ورقة صغيرة، كُتبت عليها جملة واحدة:

«إذا أردتِ معرفة ما حدث لإيمي، فابحثي عن الغرفة التي لا توجد في مخطط المنزل.»

قرأت الجملة مرة أخرى.

غرفة لا توجد في مخطط المنزل؟

تذكرت فجأة غرفة التخزين في الطابق السفلي، المكان الذي سمعت فيه أختها تبكي قبل اختفائها.

لكن عندما بحثت في ذاكرتها، أدركت أن هناك شيئًا لم تفكر فيه منذ سنوات.

لم يسمح لها والدها بدخول تلك الغرفة بعد اختفاء إيمي.

وفي اليوم التالي، أغلق بابها بقفل حديدي كبير.

ثم أخبرها أن الغرفة أصبحت خطرة بسبب مشكلة في الجدران.

لماذا تذكرت ذلك الآن؟

ولماذا كانت أمها تريد منها العودة إلى هناك؟

أخرجت هاتفها واتصلت بوالدها.

هذه المرة، أجاب فورًا.

«ليلي؟ إنتِ فين؟»

«في البيت.»

ساد الصمت.

ثم جاء صوته غاضبًا:

«إنتِ عملتِ إيه؟ قلت لكِ ما ترجعيش!»

«أنا عايزة أعرف الحقيقة.»

«اخرجي من البيت حالًا!»

«ليه؟»

سمعت صوت أنفاسه السريعة.

ثم قال بصوت منخفض:

«لأنه مش فاضي.»

شعرت ليلي ببرودة في أطرافها.

«مين اللي موجود؟»

لكن والدها لم يجب.

أغلق الخط.

وفي اللحظة نفسها، سمعت صوتًا خلفها.

صوت امرأة يهمس باسمها.

«ليلي.»

استدارت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن باب غرفة والدها، الذي تركته مفتوحًا، كان قد أُغلق.

ومن خلفه، سمعت صوت امرأة تبكي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل التاسع:الاسم الأخير

    لم تصدق ليلي ما سمعته.«إنت بتقول إن أندرو هو اللي مات؟»أومأ ديفيد.«قبل خمس عشرة سنة، وقع حريق في المستودع. عُثر على جثة متفحمة، ولم يستطع أحد التعرف عليها. أندرو كان قد خطط لتبديل هويته بهوية أخيه، لكنه مات قبل أن ينفذ خطته.»«إذن من الرجل الذي ربّاني؟»نظر ديفيد إليها بحزن.«روبرت.»«لكن أمي قالت إنه مات.»«لأنها لم تكن تعرف الحقيقة.»تراجعت ليلي، محاولة استيعاب ما تسمعه.«إزاي؟»قال ديفيد:«بعد الحريق، فقد روبرت ذاكرته لفترة طويلة. وعندما عاد إلى وعيه، وجد نفسه في المستشفى، وقد أخبره الجميع أنه أندرو. كان أندرو قد جهز كل شيء قبل الحريق، حتى الأوراق الرسمية.»«يعني أبويا كان فاكر إنه أندرو؟»«نعم. عاش سنوات وهو يعتقد أنه شقيقه، حتى بدأت الذكريات تعود إليه.»شعرت ليلي بأن دموعها تنزل ببطء.«وإيمي؟»«عندما اكتشف روبرت الحقيقة، حاول العثور عليها. لكنه لم يكن يعرف أين اختفت. أما والدتك، فكانت تعتقد أن زوجها قد مات، وأن الرجل الذي يعيش معها هو أندرو.»«والراجل اللي قابلناه في الفندق؟»خفض ديفيد رأسه.«كان روبرت.»ساد الصمت.إذن الرجل الذي ظنت ليلي أنه عدوها كان والدها الحقيقي.والرجل ا

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل الثامن:الذكرى التي عادت

    جلست ليلي وحدها في الغرفة المجاورة.كانت تحاول أن تستعيد ذكرياتها، لكنها لم تجد سوى صور متقطعة.باب المطبخ.صوت صراخ.إيمي تبكي.ويدها الصغيرة تمسك بمقبض باب حديدي.ثم صوت أمها تقول:«اقفلي الباب يا ليلي! بسرعة!»فتحت ليلي عينيها فجأة.كانت تتنفس بصعوبة.لم تكن هذه مجرد ذكريات مشوشة.لقد تذكرت شيئًا حقيقيًا.في ليلة اختفاء إيمي، كانت أمها قد طلبت منها إغلاق باب غرفة التخزين حتى لا يصل إليها أندرو.لكن إيمي كانت في الداخل.كانت تصرخ وتضرب الباب بيديها الصغيرتين.أما ليلي، فكانت تبكي وتحاول فتحه.ثم ظهر أندرو.أمسكها من ذراعها، وأبعدها عن الباب.بعدها، لم تتذكر شيئًا.حتى الآن.نهضت وخرجت من الغرفة.وجدت أمها في المطبخ، تعد الشاي.قالت ليلي:«إنتِ طلبتِ مني أقفل الباب على إيمي.»سقط الكوب من يد أمها.تحطم على الأرض.نظرت إليها بعيون مذعورة.«إنتِ افتكرتِ؟»«أيوه.»جلست الأم ببطء.«أنا آسفة.»«ليه عملتِ كده؟»«كنت بحاول أحميها.»«بحبسها؟»«أندرو كان جاي ياخدها. كنت عارفة إنه هيقتلها لو خرجت معاه. طلبت منك تقفلي الباب، وكنت ناوية أرجع أخرجها بعد ما يمشي.»«لكن أندرو أخدني بعيدًا عنها.»أو

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل السابع:الحقيقة الكاملة

    ساد الصمت.ثم تراجع الرجل خطوة.رفعت ليلي عينيها إلى وجهه.كان وجهه يتغير.لم يكن الأمر سحريًا أو غريبًا كما تخيلت، بل بدا وكأنها بدأت تلاحظ تفاصيل لم ترها من قبل: اختلاف شكل الأنف، والندبة الصغيرة عند الحاجب، والطريقة التي كان يقف بها.همست:«إنت مين؟»نظر إليها الرجل بحزن.«أنا والدك.»هزت ليلي رأسها بعنف.«لا! إنت قلت إنك هنري!»«قلت لكِ ما أردتِ أن تصدقيه.»تقدم توماس ووضع الملف فوق الطاولة.«روبرت مورغان كان رجلًا حقيقيًا. لكنه مات في حادث الحريق. أما الرجل الذي ربّاكِ، فهو شقيقه التوأم، أندرو مورغان.»شعرت ليلي بأن كل شيء حولها يدور.«عمي؟»أومأ توماس.«بعد وفاة روبرت، أخذ أندرو هويته. كان يريد السيطرة على أمواله، وعلى عائلته، وعلى إيمي التي لم تكن ابنته الحقيقية.»نظرت ليلي إلى الرجل.«إنت قتلت أبويا؟»خفض أندرو رأسه.«لم أكن أنوي ذلك.»صرخت:«إنت عشت معايا خمس عشرة سنة! كنت بتقول لي يا بنتي!»«لأنني أحببتكِ.»ضحكت ليلي بمرارة.«ما تقولش إنك بتحبني!»أمسكت إيمي بيدها.«ليلي، لازم نخرج من هنا.»لكن توماس رفع سلاحه.«لن يخرج أحد.»في تلك اللحظة، دوى صوت إطلاق نار.سقط توماس على ا

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل السادس:الشخص الذي مات مرتين

    قاد هنري الفتاتين عبر ممر ضيق خلف الفندق.كان المكان مظلمًا، وتغطي جدرانه صور قديمة لأشخاص لا تعرفهم ليلي.وفي نهاية الممر، توقف أمام باب خشبي.أخرج مفتاحًا وفتح الباب.كانت الغرفة صغيرة، لا تحتوي إلا على طاولة وخزنة معدنية مثبتة في الحائط.أشار إلى الخزنة.«حاولي فتحها.»اقتربت ليلي، وأدخلت المفتاح في القفل.دار المفتاح بسهولة.لكن الخزنة لم تُفتح.لاحظت وجود لوحة صغيرة بها أرقام.«فيه رقم سري.»أومأ هنري.«أربعة أرقام. فكري في شيء لا يمكن لروبرت أن ينساه.»فكرت ليلي في تاريخ اختفاء إيمي، ثم في تاريخ وفاة أمها، ثم في تاريخ ميلادها.جربت الأرقام واحدًا تلو الآخر.لم يحدث شيء.أغمضت عينيها.تذكرت ساعة الحائط في الفندق.الثانية وثلاث عشرة دقيقة.أدخلت الرقم 0213.صدر صوت خافت.ثم انفتح باب الخزنة.في الداخل، وجدت ليلي ثلاثة أشياء: ملفًا بنيًا، وشريط تسجيل قديمًا، وصورة لرجل يشبه والدها تمامًا.لكن الرجل في الصورة كان يرتدي ملابس سجين.وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة:«روبرت مورغان، المتوفى رسميًا منذ خمسة عشر عامًا.»شعرت ليلي بأن قلبها توقف.«إيه ده؟»أخذ هنري الملف، وفتحه أمامها.كان يحتو

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل الخامس: السر الذي أخفته الذاكرة

    لم تتحرك ليلي.كانت تحدق في الرجل الواقف أمامها، وتحاول أن تفهم ما الذي يعنيه كلامه.«ابنتي؟»ابتسم هنري.«أخيرًا قابلتكِ مرة أخرى.»نظرت ليلي إلى إيمي، ثم إليه.«إنت مين؟»«أنا الشخص اللي حاول ينقذ أختك.»«لكنهم قالوا إنك مت.»«لأنهم أرادوا للجميع أن يصدقوا ذلك.»اقترب هنري خطوة.تراجعت ليلي.«ما تقربش مني.»توقف مكانه.«من حقك أن تخافي. لكن الوقت ليس في صالحنا.»«إنت تعرف إيمي منين؟»نظر إلى الفتاة التي تقف بجانبها.«لأنني والدها.»شعرت ليلي وكأن أحدهم صفعها.«إيه؟»خفضت إيمي رأسها.«ليلي، أنا كنت عايزة أقول لكِ.»ضحكت ليلي بصدمة.«أبوكي؟ يعني إنتِ أختي من أمي بس؟»لم تجب إيمي.لكن صمتها كان كافيًا.تراجعت ليلي حتى اصطدم ظهرها بالحائط.كل الذكريات التي احتفظت بها عن عائلتها بدأت تتغير.والدها الذي ربّاها.الرجل الذي كان يأخذها إلى المدرسة ويقرأ لها القصص قبل النوم.الرجل الذي أخبرها أن هنري كول رجل خطير ومجرم.هل كان يعرف أن هنري هو والد إيمي الحقيقي؟وهل كان اختفاء إيمي مرتبطًا بهذا السر؟قال هنري:«روبرت لم يكن والد إيمي الحقيقي، لكنه لم يستطع تقبل ذلك. عندما اكتشف الحقيقة، حاول أ

  • الشخص الذي مات مرتين   الفصل الرابع: الفتاة عند البحيرة

    لم تنتظر ليلي حتى الصباح.استقلت سيارة أجرة إلى البحيرة، وطلبت من السائق أن يتركها عند الطريق القديم المؤدي إلى الفندق المهجور.كان المكان بعيدًا عن المدينة، تحيط به الأشجار الكثيفة من كل جانب.لم يعد الفندق يستقبل الزوار منذ سنوات طويلة، بعد أن أُغلق إثر حريق غامض في أحد أجنحته.كانت ليلي تتذكر المكان جيدًا.فقد اصطحبهم والدها إليه مرة عندما كانت صغيرة، قبل اختفاء إيمي بأشهر قليلة.في ذلك اليوم، جلست إيمي على حافة البحيرة، وقالت لها:«أنا بحب المكان ده. نفسي أعيش هنا لما أكبر.»ضحكت ليلي وقتها.«هتعيشي في فندق قديم؟»أجابت إيمي بجدية:«مش الفندق. البيت اللي وراه.»لم تفهم ليلي ما قصدته، ونسيت الحديث تمامًا.حتى الآن.وصلت إلى الفندق بعد منتصف الليل بقليل.كانت البوابة مفتوحة، والباب الرئيسي يتحرك مع الهواء ويصدر صوتًا مزعجًا جداً .دخلت وهي تمسك بالمفتاح الفضي الذي أعطاها إياه توماس.في الردهة، وجدت مكتب الاستقبال مغطى بالغبار، وساعة حائط متوقفة عند الثانية وثلاث عشرة دقيقة.الوقت نفسه الذي تلقت فيه المكالمة الأولى.تقدمت نحو الممر، حتى سمعت صوتًا يأتي من الطابق العلوي.«ليلي؟»رفعت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status