Masukخطت مارا أولى خطواتها داخل القصر، فشعرت وكأنها تعبر بوابة زمنية إلى عصر مظلم غارق في الوحشة. كانت خطواتها المترددة ترن بصدى كئيب وواضح فوق البلاط الرخامي البارد للردهة الواسعة ذات السقف الشاهق الارتفاع، والذي تدلت منه ثريا كريستالية مغبرة لم تضاء مصابيحها منذ زمن طويل. كان المكان بأكمله يبدو وكأنه متحف خاص ومخيف مكرس لتخليد أبشع الجرائم البشرية؛ الجدران الخشبية الداكنة كانت مغطاة برفوف عملاقة تكدست عليها آلاف الكتب، بينما غطت المساحات الفارغة بينها قصاصات صحف قديمة ومصفرة توثق جرائم قتل حقيقية غامضة، وصور فوتوغرافية حادة بالأبيض والأسود لمواقع جرائم حقيقية، بعضها يظهر تفاصيل خيوط وأدلة دُبّرت بدقة. كان هذا القصر يجسد كابوساً حياً مرسوماً بعناية، يعكس السوداوية والعمق المظلم اللذين يميزان كتابات الكاتب الشبح "تريستان". ورغم أن المدفأة الحجرية في نهاية الردهة كانت تنفث بعض الدفء، إلا أن مارا شعرت ببرودة قاسية تتسلل تحت جلدها وتتغلغل في عمق عظامها.
وقفت مارا تراقب تريستان وهو يخلع معطفه الأسود الثقيل ويعلقه ببطء، قبل أن يلتفت إليها بنظرة رمادية غامضة ويطلب منها الانتظار في الردهة حتى يذهب إلى المطبخ لإعداد بعض القهوة الدافئة التي قد تفك تشنج أعصابها المتوترة. وما إن اختفى طيفه خلف المنعطف المؤدي للمطبخ وتصاعد صوت حركة الأواني الطفيفة، حتى أدركت مارا أن هذه هي فرصة العمر الذهبية التي قد لا تتكرر. تسللت بخطوات حذرة، حابسة أنفاسها في صدرها، متجهة نحو مكتبه الخاص الواقع في نهاية ذلك الرواق الطويل المظلم. كانت أصوات طقطقة خشب الأرضية تحت قدميها تبدو في أذنيها كضربات طبول صاخبة قد تفضح أمرها في أي لحظة. كانت مدفوعة برغبة عارمة ويائسة، وخوف حقيقي على مصير أختها؛ فمذكرات مالوري كانت واضحة بضرورة البحث عن "الرواية التي لم تُنشر"، ولعلها في هذا المكتب تجد الخيط الرفيع الذي ينجيها من هذا التيه المرعب. دفعت الباب الخشبي الثقيل ببطء لتدخل عالم تريستان السري. كان المكتب يعج بالفوضى المنظمة؛ أوراق مبعثرة، ومخططات تخطيطية معقدة لجرائم وهمية مرسومة وموزعة على الطاولة كأنها تصاميم هندسية دقيقة. بدأت تبحث بلهفة بين الأدراج، تقلب الأوراق والمسودات المرفوضة بحركات سريعة ومرتبكة، وعينها تراقب الباب باستمرار. وبينما كانت تمرر يدها خلف لوحة جدارية كلاسيكية عتيقة لامرأة باكية تتوسط الجدار الخلفي، تعثرت أصابعها بشيء معدني بارد. أزاحت اللوحة جانباً برفق لتكتشف وجود خزنة حديدية صغيرة سوداء اللون، مدمجة بذكاء داخل التجويف الجداري. اقتربت مارا من الخزنة، ونبضات قلبها تتسارع حتى تكاد تخنقها. لامست بأصابعها الباردة الأزرار الرقمية التي أصدرت ضوءاً أزرق خافتاً في عتمة الغرفة. بدأت تحاول تخمين الرقم السري بتركيز شديد؛ جربت في البداية تاريخ ميلاد أختها مالوري، ثم جربت تاريخ اختفائها المشؤوم قبل خمس سنوات، لكن في كل مرة كانت الخزنة تطلق نغمة تحذيرية حمراء خافتة تزيد من توترها وتجعل عرقاً بارداً يتصبب من جبينها. تراجعت خطوة للوراء، واضعة يدها على فمها لتهدئة أنفاسها المضطربة، وبدأت تفكر بعقلانية أكبر. فجأة، لمعت في ذهنها فكرة؛ تذكرت ما قاله لها تريستان في ممر دار النشر عن معنى اسمها القديم "مارا" والذي يعني في اللاتينية القديمة (الكابوس). تساءلت إن كان هذا الكاتب المهووس بالرموز قد استخدم اسمها كمفتاح لأسراره. قامت بتحويل حروف اسمها "M-A-R-A" إلى الأرقام المقابلة لترتيبها الأبجدي باللاتينية، وضغطت الأزرار بحذر وتتابع.. **1-3-1-1-8-1**. وبصوت تكة معدنية ميكانيكية خفيفة ومريحة جداً للأعصاب، تحرك القفل الحديدي وانفتحت الخزنة ببطء أمام عينيها المندهشتين. لم تجد مارا بداخل الخزنة أي أوراق، أو مخطوطات، أو روايات قديمة كما كانت تأمل. بدلاً من ذلك، كان هناك جهاز تسجيل صوتي قديم وصغير يعمل بالأشرطة المغناطيسية، تكسوه طبقة رقيقة من الغبار. التقطته بسرعة بيدين ترتجفان، وبقلب ينبض بعنف وحنق، ضغطت على زر التشغيل (Play). تردد صوت وشيش مغناطيسي مشوش في هدوء الغرفة، تداخلت معه بعض الأصوات قبل أن يخرج فجأة صوت تريستان الواضح جداً والمألوف، لكنه كان يتحدث بنبرة حادة، غاضبة وباردة مع شخص آخر ذو صوت أجش وعميق: > *"سأعطيك مارا هذه المرة.. سأحضرها لك على طبق من فضة لتفعل بها ما تشاء، فقط اترك مالوري وشأنها واطلق سراحها فوراً. مارا فتاة غبية ولا تعرف شيئاً عن طبيعة تلك الوثائق ولن تفيدكم بشيء في صراعكم."* تصلب جسد مارا بالكامل في مكانه، وشعرت وكأن صاعقة ثلجية قد ضربت عمودها الفقري لتجمد الدماء في عروقها وتفقدها القدرة على الحركة. سقطت مذكرات أختها التي كانت تحتضنها من يدها لترتطم بالأرض الخشبية بصوت خافت. تلاشت كل ذرة أمان شعرت بها تجاه هذا الرجل، وحل محلها شعور ساحق بالخيانة والرعب المطبق. التفتت ببطء شديد، وعيناها مليئتان بالدموع والصدمة، نحو باب المكتب المفتوح.. لتجده واقفاً هناك بالفعل. كان تريستان يستند بكتفه العريض على إطار الباب ببرود هادئ ومخيف، وعيناه الرماديتان الحادتان تلمعان كعيني ذئب يراقب فريسته في عتمة الغرفة. لم يكن يرتدي سترة، بل قميصاً أبيض شمر عن ساعديه، وكان يمسك بيده اليمنى سكيناً حاداً وطويلاً، يقطر من نصلها الفضي سائل أحمر قاني وسميك، يسقط قطرة تلو الأخرى ليترك بقعاً حمراء صغيرة على الأرضية الخشبية. بدأ تريستان يتقدم نحوها بخطوات بطيئة، هادئة ومنتظمة للغاية، وهو يرفع السكين اللامع ببطء حتى أصبح في مستوى صدرها. تراجعت مارا بذعر حقيقي وجنون إلى الخلف، تتحرك عشوائياً حتى ارتطم ظهرها بقوة بحافة المكتب الخشبي العتيق، وشعرت بأنها حوصرت تماماً ولا مفر لها. كان قلبها يدق بعنف كطبول الحرب تصرخ طلباً للنجاة والهروب من هذا المسلخ البشري. اقترب تريستان منها أكثر فأكثر حتى انعدمت المسافة بينهما، وشعرت بأنفاسه الباردة تلامس وجهها الشاحب. انحنى قليلاً مستمتعاً برعبها، وقال لها بصوت منخفض، رخيم وخافت يرسل الموت في الأوصال: "لم يكن عليكِ فتح هذه الخزنة والعبث بمحتوياتها يا مارا.. بعض القصص تكون أجمل، وتموت بسلام أكبر، إذا لم يعرف أحد نهايتها الحقيقية."مر شهر كامل وسريع على تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياة الجميع، وكأنها كانت إعصاراً مدمراً عبر وأفسح المجال لربيع جديد. تم القبض على دميان، الذي نجا بأعجوبة من الموت المحتم في انفجار المصنع الكيميائي، لكنه خرج منه جسداً مشوهاً بحروق بليغة وندوب قاسية سترافقه طوال حياته خلف القضبان. وتحت وطأة التحقيق المكثف والمواجهة بالأدلة، انهار تماماً واعترف بكل جرائمه البشعة؛ من تصفية خصومه وتدبير الحوادث، إلى إدارة شبكة الابتزاز المعقدة التي كان يتستر عليها لسنوات خلف ستار الثقافة والأدب الراقي. ولم يكن هذا الاعتراف ليحدث لولا تلك الصاعقة الرقمية التي ضربت بريد الشرطة الفيدرالية ووسائل الإعلام الكبرى في نفس ليلة الانفجار—حزم ضخمة من المستندات والملفات الصوتية المرسلة من مصدر مشفر ومجهول الهوية، ذُيّل بتوقيع واحد مألوف: "تريستان". أما مالوري، فقد بدأت رحلة تعافيها الطويلة من آثار الصدمة الجسدية والنفسية. وبمساعدة شقيقتها مارا التي لم تترك يدها للحظة، بدأت حياة جديدة تماماً وهادئة، متخلية عن رغبات الطمع السابقة وسوء الحظ الذي كاد يودي بحياتها، مدركة أن الحياة الحقيقية أثمن بكثير من الأسرار
"مارا! خذي أختكِ فوراً واخرجي من المخرج الخلفي للمصنع دون أن تلتفتي وراءكِ لثانية واحدة! اركضي!" دوى صوت تريستان جهورياً وقوياً، حاملاً نبرة آمرة لم تجرؤ مارا على عصيانها. وفي نفس اللحظة، ألقى بجسده بكل ثقله وقوته فوق دميان، يثبته على الأرض الطينية اللزجة ويطبق قبضته على حركته ليمنعه من القيام بأي محاولة يائسة للهرب أو إدخال رمز خاطئ يسرّع الكارثة. "وماذا عنك أنت؟! لن أتركك هنا بمفردك لتواجه هذا الجحيم! لن أسمح بموتك!" صرخت مارا وصوتها يتهدج بالبكاء المرير، وهي تسحب يد أختها الضعيفة مالوري، التي كانت بالكاد تقوى على الوقوف على قدميها من شدة الإنهاك العضلي والجسدي وتترنح كغصن مكسور. "سأحاول اختراق كمبيوتر التحكم الرئيسي وتفكيك شيفرة القنابل في هذه الثواني المتبقية! لا تضيعي تضحيتي هباءً يا مارا.. ارحلي الآن!" صرخ تريستان وهو يتفادى ضربة من يد دميان الحرة. وفي تلك الأجزاء الضيقة من الثانية، ولأول مرة منذ لقائهما، التقت عيناه الرماديتان بعينيها مباشرة. اختفى الجليد والبرود منهما تماماً، وحلت مكانهما نظرة دافئة، عميقة، ممتلئة بوعود غير منطوقة، وبخوف صادق ونبيل على سلامتها.. نظرة حب ول
وقف تريستان في منتصف القاعة الخرسانية كتمثال إغريقي منحوت من الجليد، ونظراته الحائرة مشتتة بين المسدس الأسود الثقيل الملقى في الطين البارد عند قدميه، وجسد مارا الذي كان يرتجف بعنف وهي تبكي بصمت مرير، ومالوري المعلقة في الأعلى والتي بدأت ملامح وجهها تذبل تدريجياً وأنفاسها تشخب وهي تصارع حبل المشنقة الغليظ. كان الموقف مستحيلاً، خالياً من أي مخرج ذكي، والثواني تمر كشفرات حادة تقطع خيوط النجاة. ببطء شديد، وتحت نظرات دميان المتلذذة والمليئة بالتشفي المترقب، انحنى تريستان والتقط المسدس المعدني. نفض عنه الطين ببرود مدروس، ووجه الفوهة السوداء مباشرة نحو منتصف صدر مارا. كانت عيناه الرماديتان تلمعان بدموع متجمدة غريبة، كأنها تعكس وداعاً أخيراً. وقال بنبرة منخفضة ورخيمة: "أنا آسف جداً يا مارا.. لكن الحزن والخراب الذي يمثله اسمي (تريستان) يجب دائماً وأبراً أن ينتهي بمأساة سوداوية تليق به." "لا! تريستان أرجوك لا تفعل هذا! لا تكن وحشاً بلا قلب مثلهم!" صرخت مارا وهي تتراجع خطوات مهزوزة للخلف حتى اصطدم ظهرها ببرودة الجدار الأسمنتي للمصنع. تملكتها مرارة خيانة قاتلة؛ خيانة تأتيها من الشخص الوحيد الذ
"أهلاً ومرحباً بكما في الفصل الأخير والمثير من روايتي المفضلة،" قال دميان بنبرة تقطر خبثاً وغطرسة، وهو يرفع يده ببطء لينظر بسخرية واستعلاء إلى ساعة يده الذهبية الفاخرة التي لمعت تحت أضواء الكشافات الصفراء. "تريستان الكاتب العبقري الذي حير الملايين بقلمه المظلم، ومارا الكابوس الصغير الذي تجرأ على تحدي الكبار. لقد جئتما في الوقت المناسب تماماً، السيناريو يسير بدقة متناهية، وحضوركما كان ضرورياً لإتمام المشهد الختامي لقصتنا." تلاشى كل تعقل من رأس مارا ما إن رأت ملامح شقيقتها الشاحبة. كادت تندفع بجنون وتهور أعمى نحو مالوري، التي كانت تبدو مجهدة للغاية، تفوح منها رائحة الرطوبة وشبه غائبة عن الوعي، معلقة بين حافتي الحياة والموت. لكن قبضة تريستان الحديدية والتفت حول معصمها فجأة وجذبتها إلى الخلف بقوة مانعة إياها من التقدم خطوة واحدة. كان تريستان يعلم جيداً، بحسه الأمني والتحليلي الذي صقلته سنوات من كتابة الجريمة، أن أي حركة عشوائية أو اندفاع غير محسوب سيجعل إصبع دميان يضغط فوراً على زر تشغيل آلة المشنقة الأوتوماتيكية، لينهي حياة مالوري في كسر من الثانية. "ما الذي تريده فعلاً يا دميان لتنهي
رفعت مارا يديها أمام وجهها بحركة دفاعية غريزية وهي تغلق عينيها بإحكام وتستعد لتلقي الطعنة القاتلة، لكن بدلاً من الألم الذي توقفت أنفاسها بانتظاره، سمعت صوت تكة خفيفة ومعدنية على سطح المكتب الخشبي العتيق. فتحت عينيها ببطء وصدمة لتجد أن تريستان قد تجاوزها ببرود تام وجاذبية هادئة، ووضع السكين الطويل بجانب طبق خزفي قديم يحتوي على تفاحة حمراء ناضجة؛ كان ببساطة يقطع التفاحة إلى نصفين، والسائل الأحمر اللزج الذي سال على يديه وعلى نصل السكين لم يكن سوى عصير التفاحة الطازج والقاتم الذي بدا في العتمة مرعباً كالدماء. "التسجيل الصوتي الذي سمعتِهِ للتو في الخزنة يعود لتاريخ قديم، قبل ثلاث سنوات من الآن،" قال تريستان بهدوء تام وهو يقضم قطعة من التفاحة بحركات بطيئة ومدروسة كأن العالم لا يغلي من حولهما. ثم تابع وعيناه الرماديتان مثبتتان عليها: "لقد كان ذلك الحوار بأكمله فخاً متقناً صممته لدميان لجعله يعتقد واهماً أنني مستعد للتضحية بكِ في أي وقت مقابل سلامة شقيقتك، وكان هذا طريقتي الوحيدة والوحشية لكسب بعض الوقت الثمين لحمايتكِ ومراقبتكِ عن بعد دون أن تشعري بأي خطر أو تدري بوجودي حولك. دميان و
كانت مارا تشعر باختناق حقيقي يمزق حنجرتها، وقبضة الرجل المقنع الحديدية تضغط على مجرى تنفسها بقوة تسلبها الوعي تدريجياً، بينما بدأت تظهر بقع سوداء تتراقص أمام عينيها. تذكرت وسط ذعرها المطبق ومقاومتها اليائسة بعض تدريبات الدفاع عن النفس الأساسية التي تلقتها قديماً في نادٍ محلي. وبكل ما تبقّى لها من قوة جسدية ضئيلة وإرادة مستميتة للحياة، رفعت قدمها اليمنى عالياً، وثبتت كعب حذائها لتسدد ضربة خلفية دقيقة ومستهدفة بكل قوة في ركبة المهاجم الضعيفة. تراجع الرجل المقنع خطوة إلى الوراء متألماً، ومطلقاً صرخة مكتومة غاضبة إثر الضربة المفاجئة التي أرخت قبضته لثوانٍ. استغلت مارا هذه الفرصة الذهبية، وتملصت من بين يديه لتنهض مندغمة في الظلام، وراحت تركض بجنون بين جذوع الأشجار الكثيفة وهي تسعل بعنف وتستنشق الهواء البارد المحمل برائحة المطر بصعوبة بالغة، محاولةً تجاهل الألم الحارق في عنقها. وفجأة، انشق سكون الغابة بصوت طلقة نارية صامتة وخافتة شبيهة بصفير الرياح *(سسسفت)*. تعثر الرجل المقنع الذي كان يلاحقها وسقط أرضاً على وجهه كجثة هامدة دون حراك. ومن بين ظلال الأشجار الكثيفة المبتلة، انسل تريستان







