Home / التشويق / الإثارة / الصفحة 104 / الفصل 6: شفرة دميان

Share

الفصل 6: شفرة دميان

Author: liro
last update publish date: 2026-07-16 17:17:31

كانت مارا تشعر باختناق حقيقي يمزق حنجرتها، وقبضة الرجل المقنع الحديدية تضغط على مجرى تنفسها بقوة تسلبها الوعي تدريجياً، بينما بدأت تظهر بقع سوداء تتراقص أمام عينيها. تذكرت وسط ذعرها المطبق ومقاومتها اليائسة بعض تدريبات الدفاع عن النفس الأساسية التي تلقتها قديماً في نادٍ محلي.

وبكل ما تبقّى لها من قوة جسدية ضئيلة وإرادة مستميتة للحياة، رفعت قدمها اليمنى عالياً، وثبتت كعب حذائها لتسدد ضربة خلفية دقيقة ومستهدفة بكل قوة في ركبة المهاجم الضعيفة. تراجع الرجل المقنع خطوة إلى الوراء متألماً، ومطلقاً صرخة مكتومة غاضبة إثر الضربة المفاجئة التي أرخت قبضته لثوانٍ.

استغلت مارا هذه الفرصة الذهبية، وتملصت من بين يديه لتنهض مندغمة في الظلام، وراحت تركض بجنون بين جذوع الأشجار الكثيفة وهي تسعل بعنف وتستنشق الهواء البارد المحمل برائحة المطر بصعوبة بالغة، محاولةً تجاهل الألم الحارق في عنقها.

وفجأة، انشق سكون الغابة بصوت طلقة نارية صامتة وخافتة شبيهة بصفير الرياح *(سسسفت)*. تعثر الرجل المقنع الذي كان يلاحقها وسقط أرضاً على وجهه كجثة هامدة دون حراك. ومن بين ظلال الأشجار الكثيفة المبتلة، انسل تريستان كشبح حقيقي، ومسدسه الأسود المجهز بكاتم صوت طويل لا يزال موقهاً نحو الجثة بثبات جليدي.

"هل أنتِ بخير؟ هل أصابكِ بأذى؟" سألها بنبرة قلقة غير معتادة، وهو يقترب منها بخطوات سريعة ويمسك بذراعها بقوة ليساعدها على الوقوف واستعادة توازنها المفقود.

"لقد تأخرت كثيراً! كدت أموت خنقاً بين يديه!" صرخت في وجهه بنبرة متحشرجة ومبحوحة، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتشعر بألم شديد يطوق رقبتها كطوق من النار.

لم يضيع تريستان وقتاً ثميناً في الاعتذار أو التبرير، بل انحنى فوراً فوق جثة الرجل المقنع الباردة في الطين. بمهارة وسرعة فائقة، بدأ يفتش جيوب معطفه الواقي من المطر حتى عثر على جهاز لاسلكي صغير يصدر منه وشيش خافت، وورقة صغيرة مطوية بعناية فائقة، كانت مخبأة في جيب داخلي سري. فتحها تحت ضوء كشافه اليدوي الصغير، لتظهر رموز وأرقام غريبة مكتوبة بخط يد دقيق ومرتب: **[55.12 - 09.33]**.

نظرت مارا إلى الورقة بتمعن وتركيز شديدين، على الرغم من ارتجاف يدها وصدمتها من مشهد القتيل. "هذه ليست مجرد رموز عشوائية أو شفرة سرية معقدة يصعب حلها،" قالت مارا وعيناها تلمعان بذكاء مهنتها اللغوية التي صقلت انتباهها للتفاصيل. "بصفتي مصححة لغوية عملت مع دميان لسنوات، أعرف أسلوبه الملتوي جيداً في إرسال التوجيهات. دميان دائماً ما كان يستخدم الإحداثيات الجغرافية المشفرة في هوامش مسودات الكتب والروايات المرفوضة التي نرسلها للأرشيف، لكي يتبادل المواقع الهامة مع رجاله دون أن يثير ريبة أحد أو يترك خلفه أثراً رقمياً. هذه إحداثيات موقع جغرافي حقيقي!"

أخرج تريستان هاتفاً ذكياً آخر مشفراً بسرعة، وقام بإدخال تلك الأرقام في تطبيق خرائط مخصص للأقمار الصناعية. تحركت شاشة الهاتف بسرعة حتى استقرت العلامة الحمراء مباشرة فوق مجسم لمصنع قديم ومهجور لإعادة تدوير المواد الكيميائية، يقع في منطقة صناعية نائية ومعزولة تماماً على أطراف المدينة.

نظر تريستان إلى العداد الزمني على شاشة البث المباشر الخاص بمالوري؛ كان يشير بوضوح لا يقبل الشك إلى: **12:00:00**. اثنتا عشرة ساعة فقط هي كل ما يفصل شقيقتها عن السقوط الأخير وتوقف نبضها.

"انتهى وقت التمثيل.. دعينا ننهي هذا الكابوس،" قال تريستان بلهجة حاسمة وهو يسحبها خلفه نحو سيارته رباعية الدفع المخفية بين الشجيرات.

انطلقا فوراً بسرعة جنونية، مخترقين شوارع الضواحي الخالية تحت وطأة المطر الذي تحول إلى سيول تغسل زجاج السيارة. كان تريستان يقود بتهور مدروس، متجاوزاً الإشارات الحمراء والمنعطفات الضيقة بينما كانت مارا تضغط على مذكرات أختها بيدين باردتين، وتراقب العداد الزمني الذي ينقص ثانية تلو الأخرى كأنه يدق في رأسها.

وعندما وصلا إلى الموقع المذكور بعد رحلة حبست الأنفاس، كانت الأجواء المحيطة بالمصنع تبعث على الرعب الخالص. مجمعات إسمنتية عملاقة متهدمة، وخزانات كيميائية صدئة تتآكل تحت المطر، وهدوء قاتل لا يقطعه سوى عواء الرياح العاتية التي تعصف بصفائح الحديد السائبة للمصنع المعزول.

تسللا بحذر شديد عبر شق في باب المصنع الصدئ والمكسور. سارا في الممرات المظلمة التي تفوح منها رائحة الأسيد والخرسانة الرطبة، مستعينين بضوء خافت للغاية من هواتفهما كاد لا يبدد العتمة المطبقة.

وفجأة، وفي منتصف القاعة الرئيسية الشاسعة، تفاجآ بصوت تصفيق حاد، بطيء ومنتظم، يتردد صداه بقوة ويسري كالقشعريرة في أرجاء الجدران المعدنية.

بضربة واحدة، انطلقت كشافات الإضاءة الصناعية الصفراء الضخمة المثبتة في السقف لتسحق الظلام الدامس وتصيب أعينهما بالعمى المؤقت. أغمضت مارا عينيها من شدة الضوء المفاجئ، وحين فتحتهما تدريجياً، لجم لسانها هول المشهد.

كان دميان يجلس بكبرياء سلطوي مألوف على مقعد جلدي فخم وضعه في منتصف القاعة كعرش وسط هذا الخراب، مرتدياً بدلة رمادية أنيقة لم يمسسها قطرة مطر واحدة، ونظراته الحادة مصوبة نحوهما ببرود منتصر.

وبجانبه تماماً، كانت تقف شقيقتها مالوري.. مقيدة اليدين والقدمين بحبال غليظة فوق كرسي خشبي عتيق، وجهها شاحب وعيناها تحملان نظرة رجاء مكسورة لم ترهما مارا منذ خمس سنوات. وفوق رأس مالوري مباشرة، كان يتأرجح حبل المشنقة الغليظ، لكنه هذه المرة لم يكن متصلاً بسقف الغرفة، بل بآلة سحب ميكانيكية أوتوماتيكية ضخمة، يدور ترسها المعدني ببطء شديد محدثاً صوتاً ميكانيكياً يبشر بنهاية وشيكة.

"أهلاً بكما في الفصل الأخير،" قال دميان وابتسامة ساخرة خالية من الرحمة ترتسم على وجهه. "لقد تأخرتما عن موعد النشر.. والآن، حان وقت تصفية الحسابات وإغلاق الكتاب للابد."

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Diemm Diem
في شوي لخبطه في هذا الفصل...🩷
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • الصفحة 104   الفصل 10: السطر الأخير

    مر شهر كامل وسريع على تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياة الجميع، وكأنها كانت إعصاراً مدمراً عبر وأفسح المجال لربيع جديد. تم القبض على دميان، الذي نجا بأعجوبة من الموت المحتم في انفجار المصنع الكيميائي، لكنه خرج منه جسداً مشوهاً بحروق بليغة وندوب قاسية سترافقه طوال حياته خلف القضبان. وتحت وطأة التحقيق المكثف والمواجهة بالأدلة، انهار تماماً واعترف بكل جرائمه البشعة؛ من تصفية خصومه وتدبير الحوادث، إلى إدارة شبكة الابتزاز المعقدة التي كان يتستر عليها لسنوات خلف ستار الثقافة والأدب الراقي. ولم يكن هذا الاعتراف ليحدث لولا تلك الصاعقة الرقمية التي ضربت بريد الشرطة الفيدرالية ووسائل الإعلام الكبرى في نفس ليلة الانفجار—حزم ضخمة من المستندات والملفات الصوتية المرسلة من مصدر مشفر ومجهول الهوية، ذُيّل بتوقيع واحد مألوف: "تريستان". أما مالوري، فقد بدأت رحلة تعافيها الطويلة من آثار الصدمة الجسدية والنفسية. وبمساعدة شقيقتها مارا التي لم تترك يدها للحظة، بدأت حياة جديدة تماماً وهادئة، متخلية عن رغبات الطمع السابقة وسوء الحظ الذي كاد يودي بحياتها، مدركة أن الحياة الحقيقية أثمن بكثير من الأسرار

  • الصفحة 104   الفصل 9: الهروب الكبير

    "مارا! خذي أختكِ فوراً واخرجي من المخرج الخلفي للمصنع دون أن تلتفتي وراءكِ لثانية واحدة! اركضي!" دوى صوت تريستان جهورياً وقوياً، حاملاً نبرة آمرة لم تجرؤ مارا على عصيانها. وفي نفس اللحظة، ألقى بجسده بكل ثقله وقوته فوق دميان، يثبته على الأرض الطينية اللزجة ويطبق قبضته على حركته ليمنعه من القيام بأي محاولة يائسة للهرب أو إدخال رمز خاطئ يسرّع الكارثة. "وماذا عنك أنت؟! لن أتركك هنا بمفردك لتواجه هذا الجحيم! لن أسمح بموتك!" صرخت مارا وصوتها يتهدج بالبكاء المرير، وهي تسحب يد أختها الضعيفة مالوري، التي كانت بالكاد تقوى على الوقوف على قدميها من شدة الإنهاك العضلي والجسدي وتترنح كغصن مكسور. "سأحاول اختراق كمبيوتر التحكم الرئيسي وتفكيك شيفرة القنابل في هذه الثواني المتبقية! لا تضيعي تضحيتي هباءً يا مارا.. ارحلي الآن!" صرخ تريستان وهو يتفادى ضربة من يد دميان الحرة. وفي تلك الأجزاء الضيقة من الثانية، ولأول مرة منذ لقائهما، التقت عيناه الرماديتان بعينيها مباشرة. اختفى الجليد والبرود منهما تماماً، وحلت مكانهما نظرة دافئة، عميقة، ممتلئة بوعود غير منطوقة، وبخوف صادق ونبيل على سلامتها.. نظرة حب ول

  • الصفحة 104   الفصل 8: التضحية المشؤومة

    وقف تريستان في منتصف القاعة الخرسانية كتمثال إغريقي منحوت من الجليد، ونظراته الحائرة مشتتة بين المسدس الأسود الثقيل الملقى في الطين البارد عند قدميه، وجسد مارا الذي كان يرتجف بعنف وهي تبكي بصمت مرير، ومالوري المعلقة في الأعلى والتي بدأت ملامح وجهها تذبل تدريجياً وأنفاسها تشخب وهي تصارع حبل المشنقة الغليظ. كان الموقف مستحيلاً، خالياً من أي مخرج ذكي، والثواني تمر كشفرات حادة تقطع خيوط النجاة. ببطء شديد، وتحت نظرات دميان المتلذذة والمليئة بالتشفي المترقب، انحنى تريستان والتقط المسدس المعدني. نفض عنه الطين ببرود مدروس، ووجه الفوهة السوداء مباشرة نحو منتصف صدر مارا. كانت عيناه الرماديتان تلمعان بدموع متجمدة غريبة، كأنها تعكس وداعاً أخيراً. وقال بنبرة منخفضة ورخيمة: "أنا آسف جداً يا مارا.. لكن الحزن والخراب الذي يمثله اسمي (تريستان) يجب دائماً وأبراً أن ينتهي بمأساة سوداوية تليق به." "لا! تريستان أرجوك لا تفعل هذا! لا تكن وحشاً بلا قلب مثلهم!" صرخت مارا وهي تتراجع خطوات مهزوزة للخلف حتى اصطدم ظهرها ببرودة الجدار الأسمنتي للمصنع. تملكتها مرارة خيانة قاتلة؛ خيانة تأتيها من الشخص الوحيد الذ

  • الصفحة 104   الفصل 7: العشاء الأخير للحقائق

    "أهلاً ومرحباً بكما في الفصل الأخير والمثير من روايتي المفضلة،" قال دميان بنبرة تقطر خبثاً وغطرسة، وهو يرفع يده ببطء لينظر بسخرية واستعلاء إلى ساعة يده الذهبية الفاخرة التي لمعت تحت أضواء الكشافات الصفراء. "تريستان الكاتب العبقري الذي حير الملايين بقلمه المظلم، ومارا الكابوس الصغير الذي تجرأ على تحدي الكبار. لقد جئتما في الوقت المناسب تماماً، السيناريو يسير بدقة متناهية، وحضوركما كان ضرورياً لإتمام المشهد الختامي لقصتنا." تلاشى كل تعقل من رأس مارا ما إن رأت ملامح شقيقتها الشاحبة. كادت تندفع بجنون وتهور أعمى نحو مالوري، التي كانت تبدو مجهدة للغاية، تفوح منها رائحة الرطوبة وشبه غائبة عن الوعي، معلقة بين حافتي الحياة والموت. لكن قبضة تريستان الحديدية والتفت حول معصمها فجأة وجذبتها إلى الخلف بقوة مانعة إياها من التقدم خطوة واحدة. كان تريستان يعلم جيداً، بحسه الأمني والتحليلي الذي صقلته سنوات من كتابة الجريمة، أن أي حركة عشوائية أو اندفاع غير محسوب سيجعل إصبع دميان يضغط فوراً على زر تشغيل آلة المشنقة الأوتوماتيكية، لينهي حياة مالوري في كسر من الثانية. "ما الذي تريده فعلاً يا دميان لتنهي

  • الصفحة 104   الفصل 5: الخدعة المزدوجة

    رفعت مارا يديها أمام وجهها بحركة دفاعية غريزية وهي تغلق عينيها بإحكام وتستعد لتلقي الطعنة القاتلة، لكن بدلاً من الألم الذي توقفت أنفاسها بانتظاره، سمعت صوت تكة خفيفة ومعدنية على سطح المكتب الخشبي العتيق. فتحت عينيها ببطء وصدمة لتجد أن تريستان قد تجاوزها ببرود تام وجاذبية هادئة، ووضع السكين الطويل بجانب طبق خزفي قديم يحتوي على تفاحة حمراء ناضجة؛ كان ببساطة يقطع التفاحة إلى نصفين، والسائل الأحمر اللزج الذي سال على يديه وعلى نصل السكين لم يكن سوى عصير التفاحة الطازج والقاتم الذي بدا في العتمة مرعباً كالدماء. "التسجيل الصوتي الذي سمعتِهِ للتو في الخزنة يعود لتاريخ قديم، قبل ثلاث سنوات من الآن،" قال تريستان بهدوء تام وهو يقضم قطعة من التفاحة بحركات بطيئة ومدروسة كأن العالم لا يغلي من حولهما. ثم تابع وعيناه الرماديتان مثبتتان عليها: "لقد كان ذلك الحوار بأكمله فخاً متقناً صممته لدميان لجعله يعتقد واهماً أنني مستعد للتضحية بكِ في أي وقت مقابل سلامة شقيقتك، وكان هذا طريقتي الوحيدة والوحشية لكسب بعض الوقت الثمين لحمايتكِ ومراقبتكِ عن بعد دون أن تشعري بأي خطر أو تدري بوجودي حولك. دميان و

  • الصفحة 104   الفصل 6: شفرة دميان

    كانت مارا تشعر باختناق حقيقي يمزق حنجرتها، وقبضة الرجل المقنع الحديدية تضغط على مجرى تنفسها بقوة تسلبها الوعي تدريجياً، بينما بدأت تظهر بقع سوداء تتراقص أمام عينيها. تذكرت وسط ذعرها المطبق ومقاومتها اليائسة بعض تدريبات الدفاع عن النفس الأساسية التي تلقتها قديماً في نادٍ محلي. وبكل ما تبقّى لها من قوة جسدية ضئيلة وإرادة مستميتة للحياة، رفعت قدمها اليمنى عالياً، وثبتت كعب حذائها لتسدد ضربة خلفية دقيقة ومستهدفة بكل قوة في ركبة المهاجم الضعيفة. تراجع الرجل المقنع خطوة إلى الوراء متألماً، ومطلقاً صرخة مكتومة غاضبة إثر الضربة المفاجئة التي أرخت قبضته لثوانٍ. استغلت مارا هذه الفرصة الذهبية، وتملصت من بين يديه لتنهض مندغمة في الظلام، وراحت تركض بجنون بين جذوع الأشجار الكثيفة وهي تسعل بعنف وتستنشق الهواء البارد المحمل برائحة المطر بصعوبة بالغة، محاولةً تجاهل الألم الحارق في عنقها. وفجأة، انشق سكون الغابة بصوت طلقة نارية صامتة وخافتة شبيهة بصفير الرياح *(سسسفت)*. تعثر الرجل المقنع الذي كان يلاحقها وسقط أرضاً على وجهه كجثة هامدة دون حراك. ومن بين ظلال الأشجار الكثيفة المبتلة، انسل تريستان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status