بيت / الرومانسية / الطفلة التي تناديني أمي / الفصل 11: الرجل الذي تأخر كثيرًا

مشاركة

الفصل 11: الرجل الذي تأخر كثيرًا

مؤلف: H.E.D
last update تاريخ النشر: 2026-05-07 05:00:16

ظل الباب مفتوحًا بينهما كأن الهواء نفسه توقف عند العتبة ولم يعرف إلى أي جهة يميل.

فارس لم يتحرك.

لم يقترب.

لم يحاول حتى أن يلمس الجدار أو الدرابزين أو أي شيء يثبت به نفسه. فقط وقف في مكانه، وعيناه تنتقلان بين وجه سرين ووجه سديم كما لو أن الزمن كله عاد دفعة واحدة واصطدم به في صدره.

أول ما شعرت به سرين لم يكن الضعف.

كان الغضب.

غضبًا حادًا، جاهزًا، كأنه كان ينتظر فقط وجهًا واضحًا يعلقه عليه.

كل الصمت، والتهديدات، والغرفة البيضاء، ونوال، والطفلة، والسنوات التي لا تتذكرها ولا تفهمها... كل ذلك وجد أمامه الآن رجلًا حيًا يمكن مساءلته.

تقدمت خطوة واحدة إلى الأمام، بحيث صار جسدها يحجب سديم نصف حجب.

"هل تعرفها؟"

خرج السؤال بلا مقدمة، قاسيًا كما هو.

رفع فارس بصره إليها. كانت الصدمة ما تزال على وجهه، لكن خلفها ظهر شيء آخر. شيء يشبه الذنب حين يتعب من الاختباء.

لم يجب فورًا.

وهذا وحده كان كافيًا لإشعالها أكثر.

"سألتك: هل تعرف الطفلة؟"

ابتلع ريقه.

ثم قال بصوت خافت، كأنه يحاول أن يبقي الكلمات واقفة:

"نعم."

كان يمكن للجواب أن يأتي بشكل أسوأ، لكنه لم يخفف شيئًا.

شعرت سرين كأن الدم صعد دفعة واحدة إلى رأسها.

"نعم؟" كررت الكلمة بذهول غاضب. "فقط نعم؟"

بقيت سديم خلفها ساكنة، لكنها اقتربت نصف خطوة دون وعي. شعرت سرين بذلك قرب ساقها. لم تلتفت إليها.

"منذ متى؟"

رفع فارس عينيه إليها كاملة هذه المرة.

كان وجهه متعبًا على نحو موجع، لكنه لم يحاول الهرب من النظر.

"منذ وقت طويل."

ضحكت سرين ضحكة قصيرة، جافة، خالية من كل شيء إلا السخرية.

"وقت طويل؟ الجميع يعرف منذ وقت طويل، أليس كذلك؟ الجميع إلا أنا."

خفض فارس بصره للحظة.

هذه الحركة وحدها كانت اعترافًا كافيًا.

"انظر إليّ."

رفع عينيه فورًا.

"هل كنت تعرف أنها موجودة؟ أنها حيّة؟"

تردد، ثانية فقط، لكنها رأتها.

"كنت أعرف أنها ربما..."

"لا."

قاطعته بحدة.

"لا تعطِني أجوبة جبانة. كنت تعرف أو لا تعرف."

بقي صامتًا لحظة.

ثم قال بصوت أكثر ثباتًا رغم الانكسار فيه:

"كنت أعرف أنها حيّة."

اختفى الهواء من صدرها.

ورغم أنها كانت تتوقع الجواب، فإن سماعه خرج من فم فارس كان أشبه بطعنة أكثر منه إجابة.

"وأين كنت؟"

سكت.

"أين كنت كل هذه السنوات؟"

لم يجب فورًا.

لكنّها لم تمنحه الوقت.

"تبحث؟" قالتها باحتقار واضح. "تبحث بينما هي تُسحب من مكان إلى مكان؟ تبحث بينما أمي تعرف، وأنت تعرف، والناس جميعًا يقررون حياتي نيابة عني؟"

"لم أكن أعرف أين كانت." قالها أخيرًا، بسرعة كأنها تخرج دفاعًا عن آخر ما بقي له. "أقسم لكِ أنني لم أعرف مكانها."

"لكنّك عرفت أنها موجودة."

"نعم."

"وسكت."

"لم أسكت."

ارتفع صوتها فورًا.

"أنت هنا الآن، إذًا لا تقل لي لم أسكت."

لمعت عينا فارس بشيء يشبه الألم الخالص.

"أتيت مرارًا."

"إلى أين؟"

"إليكِ."

ضحكت مرة أخرى، وهذه المرة خرجت الضحكة أكثر قسوة.

"أوه، جميل. جئت إليّ؟ وماذا فعلت؟ وقفت بعيدًا كما تقف الآن؟ نظرت من الخارج؟ ثم قررت أن الوقت غير مناسب؟"

شد فكّه قليلاً، لكنها لأول مرة رأت أنه لا يدافع عن نفسه بغرور أو غضب، بل بشيء أقرب إلى الخسارة.

"لم تكوني تريدين رؤيتي."

"ومن قال هذا؟"

سكت.

فهمت قبل أن ينطق.

"أمي."

لم يجب، لكن الصمت كان جوابًا جديدًا.

شعرت سرين أن شيئًا في داخلها ينفجر ببطء.

"هي قالت لك إنني لا أريد أن أراك؟"

"لم تقلها بهذه البساطة."

"لكنها قالت ما يكفي."

أخفض بصره.

"نعم."

كانت تريد أن تصرخ في وجهه. أن تدفع الباب وتغلقه. أن تقول له إن رجلاً يصدق امرأة أخرى في أمر كهذا لا يستحق حتى أن ينطق اسمه داخل هذا البيت. لكنها لم تستطع. ليس بعد أن سمعت منه اعترافًا حيًا بأنه عرف. وليس بعد أن رأت تلك الصدمة الحقيقة في وجهه عندما رأى سديم.

"انظر إليها."

قالتها ببطء.

فعل.

تحركت عيناه إلى سديم الواقفة خلفها.

كانت الصغيرة تحدق به بصمت كامل، دون خوف هذه المرة. وهذا ما أربك سرين أكثر. لم تتشبث بها. لم تختبئ. فقط نظرت إليه، كما لو أن جزءًا منها يعرفه، أو ينتظر أن يعرفه.

"هل تعرفها من وجهها؟"

سألته.

مرّت ثانية. ثم قال:

"عرفتها من عينيكِ."

شعرت الجملة كأنها تمشي على شيء هش جدًا في صدرها.

"لا تستخدم هذه النبرة معي."

"أنا لا أحاول..."

"بل تحاول." قاطعته مجددًا. "تحاول أن تجعل كل شيء مؤلمًا ومفهومًا في الوقت نفسه. وأنا لا أريد الفهم الآن. أريد الحقيقة."

هز رأسه مرة، ببطء.

"اسألي."

"هل هي ابنتي؟"

هذه المرة لم يصمت طويلًا.

نظر إليها نظرة مباشرة، عارية تمامًا من المراوغة، ثم قال:

"نعم."

تجمدت أطرافها للحظة.

رغم نوال، ورغم العلامة، ورغم الصورة، كان لهذه الكلمة من فمه وزن آخر. وزن يضرب اليقين في قلبه مباشرة، لا من أطرافه.

وراءها، سمعت سديم تأخذ نفسًا صغيرًا، مرتجفًا. لم تلتفت إليها. لم تستطع. كانت تنظر فقط إلى فارس.

"وأنت؟"

عرف السؤال قبل أن تكمله.

"نعم." قالها هذه المرة بصوت خافت جدًا. "أنا أبوها."

أغلقت سرين عينيها.

لم يكن هذا راحة.

ولم يكن حسمًا.

كان ارتطامًا.

كأن كل الأشياء المبعثرة في رأسها قررت أن تصبح حقيقة في اللحظة نفسها، من دون أن تمنحها حتى حق الجلوس.

فتحت عينيها ببطء.

"ادخل."

رفع رأسه بسرعة، كأنه لم يتوقع الكلمة.

"ادخل."

كررتها ببرود أشد.

دخل فارس أخيرًا، لكن بحذر واضح، كما لو أنه يعرف أن أرض هذا البيت ليست أرضًا عادية، بل حقل ألغام من الذاكرة والذنب. ما إن أغلق الباب خلفه حتى بدا حضوره الحقيقي أوضح. رائحة خفيفة من الهواء البارد والشارع، أثر تعب في معطفه، وسهر في وجهه، وحزن لم تحاول حتى أن تمنحه اسمًا.

ظل واقفًا قرب المدخل.

لم يتقدم أكثر من ذلك.

سألت وهي تعود إلى منتصف الصالة:

"من أين أبدأ معك؟ من الغرفة البيضاء؟ من أمي؟ من الرسائل؟ أم من الثماني سنوات التي قلت إنك بحثت فيها عنها دون أن تجدها؟"

أخذ نفسًا عميقًا.

"ابدئي من الشيء الذي سيجعلك تبقين واقفة."

أدهشتها الجملة.

كرهتها أيضًا، لأنها ذكرتها بأنه يعرف عنها أشياء لا تريد أن يعرفها أحد.

"لا تتصرف كأنك تفهمني."

ابتلع ألمًا واضحًا قبل أن يقول:

"كنت أفهمك يومًا."

هذا وحده كان كافيًا ليرفع الغضب مجددًا.

"وكان عليك أن تفعل أكثر من الفهم."

بقي صامتًا.

ثم قال بعد لحظة:

"نعم."

ساد الصمت لثانيتين.

ثم التفتت سرين إلى سديم.

"اجلسي هنا."

جلست الصغيرة على الأريكة بهدوء، وعيناها لا تفارقان فارس. لاحظ هو ذلك، لكنّه لم يقترب. ظل في مكانه كأنه يخاف أن يحرك الهواء حولها.

"هل تريدين ماء؟"

سألها فجأة، بصوت انخفض وحده من دون قصد.

نظرت إليه سديم طويلًا، ثم هزت رأسها نفيًا.

ذلك الارتباك البسيط في وجهه عند جوابها كان مؤلمًا على نحو غير متوقع. رجل يقف أمام طفلته للمرة الأولى ولا يعرف إن كان يحق له أن يسألها عن الماء.

التقطت سرين هذا كله، وكرهته.

كرهت أن ترى هشاشته.

وكرهت أكثر أن تصدقها.

"هل رأيتها من قبل؟" سألت، وهي تشير إلى سديم.

أجاب دون أن يبعد عينيه عنها:

"مرة."

ضاقت عيناها.

"مرة؟"

"عن بعد."

"أين؟"

"في مدرسة."

رفعت حاجبيها بحدة.

"مدرسة؟"

أومأ.

"قبل حوالي عامين. وصلني خبر عن طفلة..." توقف قليلًا، ثم أكمل، "تشبهني أكثر مما ينبغي. ذهبت. رأيتها. لكن المرأة التي كانت معها اختفت بها قبل أن أصل."

التفتت إليه بالكامل.

"أي امرأة؟"

"ليست نوال."

كان الجواب سريعًا هذه المرة.

"من؟"

"لا أعرف اسمها الحقيقي."

هذه الجملة تكررت كثيرًا حتى صارت مستفزة.

"أنتم جميعًا محاطون بأناس لا تعرفون أسماءهم؟"

لم يغضب من السخرية. فقط قال:

"بعض الناس يتعمدون أن يبقوا بلا أسماء."

"وأنت تركتهم."

"لم أتركهم." قالها للمرة الأولى بنبرة ارتفع فيها شيء قريب من الحدة. "كنت أصل دائمًا متأخرًا. دائمًا."

علقت الكلمة في الهواء بينهما.

متأخرًا.

كما قالت سديم.

كما يوحي كل شيء فيه.

"ولماذا متأخر؟" سألت. "لأنك كنت تصدق ما يقال لك؟ لأنك تترك أحدًا آخر يقرر عنك؟ لأنك تخاف أن تقترب؟"

رفع عينيه إليها.

وفيها شيء شبيه بالعار.

"لأنني لم أكن أملك إلا أنصاف الحقائق."

"وأنا؟" قالتها بسرعة. "أنا ماذا كنت أملك؟"

لم يرد.

"لا شيء." أجابت هي بنفسها. "ولا حتى نفسي."

تحركت سديم قليلاً على الأريكة، وشعرت سرين بأن الجو كله صار أضيق على طفلة يجب ألّا تسمع هذا كله. لكنها لم تعرف كيف توقفه الآن. ليس بعد أن فُتح الباب.

"هل كنت تعرف أن أمي أخذتها؟"

هنا فقط تردد فارس طويلًا فعلًا.

رأت ذلك بوضوح.

الصمت لم يكن خوفًا منها فقط، بل من الحقيقة نفسها.

"فارس."

رفع بصره إليها.

"نعم."

خرجت الكلمة كأنها سكين بارد.

"منذ متى؟"

"ليس من البداية."

"إذًا متى؟"

"بعد سنوات."

"كم سنوات؟"

"خمس تقريبًا."

شعرت أنها قد تسقط إن لم تقف أكثر ثباتًا. أمسكت ظهر الكرسي القريب.

"خمس سنوات؟"

"كانت مجرد شكوك أولًا."

"لكنها صارت يقينًا."

"نعم."

"ولم تأتِ إليّ."

"أتيت."

"لا."

صرخت الكلمة هذه المرة.

"لا تأتيني الآن بحكاية الأبواب والرسائل. إذا كنت عرفت أن عندي طفلة سُرقت مني، ثم لم أقف أمامي وأقول ذلك بوضوح... فأنت لم تأتِ."

خفض رأسه.

كانت الصدمة الحقيقية أنه لم يحاول حتى أن يعترض.

"كنت تريدين أن تكرهيني." قالها أخيرًا بصوت منخفض.

"ربما كنت أستحق أن أكرهك."

رفع عينيه إليها.

فيهما شيء مكسور تمامًا.

"وأنا لم أكن أستحق أقل من ذلك."

صمتت.

الجملة لم تخفف شيئًا، لكنها أصابتها في مكان لم تتوقعه. لأنها لم تكن دفاعًا، بل حكمًا.

التفتت إلى الطاولة.

الصورة الممزقة، الرسالة، المفتاح، قطعة الشال.

ثم عادت إليه.

"هل تعرف هذا الشال؟"

تقدم نصف خطوة من مكانه، ثم توقف.

نظره وقع على القطعة العاجية والخيط الأزرق.

وتغير وجهه فورًا.

"كان معك."

أغلقت يدها على طرف الطاولة.

"إذًا تتذكر."

"كيف لا أتذكر؟"

"احكِ."

ابتلع ريقه.

بدا كأنه يحفر في نفسه كي يخرج الكلمات.

"كنت تضعينه دائمًا حين تبردين... أو حين تتوترين."

سكت لحظة.

ثم أضاف بصوت أخفض: "وفي ذلك اليوم... كان معك أيضًا."

تجمدت.

"أي يوم؟"

نظر إليها مباشرة.

"يوم ولدتِ."

اختفى العالم كله خارج هذه الجملة.

حتى سديم لم تتحرك.

قالت سرين ببطء مخيف:

"كنت هناك."

"نعم."

"في الغرفة البيضاء."

أومأ.

"وأنت من كان يناديني."

اتسعت عيناه قليلًا.

لم يقل نعم فورًا. كأنّه فوجئ هي نفسها بتذكر ذلك.

ثم قال أخيرًا:

"نعم."

شعرت برعشة باردة تسري من عنقها إلى أسفل ظهرها.

إذًا هذا الجزء على الأقل صار حقيقيًا لا كابوسًا.

"ماذا حدث بعد ذلك؟"

هنا فقط تغير شيء في وجه فارس.

ظهر الحذر.

الألم.

والخوف من الجملة التالية.

"سرين..."

"لا."

رفعت يدها تمنعه من استخدام اسمها كمسكن.

"ماذا حدث بعد ذلك؟"

نظر إلى سديم للحظة.

ثم عاد إليها.

"أنتِ انهرتِ."

أغلقت عينيها لثانية.

"ثم؟"

"وأخذوها."

"من؟"

"أمك."

سقطت الكلمة على الأرض بينهما كشيء ثقيل جدًا لا يستطيع أحد حمله وحده.

وراءها، سمعت نفس سديم يتغير.

لكن لا هي التفتت، ولا فارس تحرك.

"هل رأيت ذلك بعينيك؟"

"نعم."

"وحاولت؟"

ضحك ضحكة قصيرة، يائسة، مؤلمة.

"حاولت حتى كرهتني كل الجدران."

ثبتت عيناها عليه.

"وفشلت."

أومأ.

"نعم."

كانت الجملة قاسية، لكنها لم تكن أقسى من الحقيقة نفسها.

مرّت لحظات ثقيلة، ثم تحركت سديم أخيرًا. نزلت قدماها من الأريكة إلى الأرض، ووقفت. لم يكن في حركتها خوف ولا ارتباك، فقط ذلك الهدوء الحزين الذي صار يرافقها كظل.

تقدمت خطوتين صغيرتين.

عينَا فارس تبعتاها فورًا، وكأن العالم كله ضاق حتى صار في المسافة بينه وبينها فقط.

توقفت سديم.

نظرت إليه مباشرة.

ثم سألت، بصوت صغير جدًا، لكنه واضح كالماء:

"هل أنت أيضًا تأخرت عني؟"

أغلق فارس عينيه لثانية واحدة، كأن السؤال أصابه في أعمق مكان فيه.

وعندما فتحهما، كان فيهما من الوجع ما لم تستطع سرين حتى أن تنكره.

"نعم."

قالها بصوت مبحوح.

"تأخرت كثيرًا."

لم تتحرك سديم.

"لكنني لم أتركك."

خرجت الجملة منه صافية، حقيقية، لا دفاعًا ولا تبريرًا.

ورغم الغضب كله، رغم نوال، رغم السنين، رغم كل ما بينهما، شعرت سرين أن هذه الجملة تحديدًا لم تكن كذبًا.

لكنّها لم تسمح لذلك أن يلينها.

تقدمت خطوة، عادت تقف بينه وبين الصغيرة.

"ليس لك حق في أن تقول شيئًا لها قبل أن تقول كل شيء لي."

رفع رأسه إليها ببطء، كأنه توقع هذا، وربما استحقه.

"حسنًا."

"إذًا أخبرني الآن." قالتها، وعيناها لا تفارقان عينيه. "بعد أن أخذتها أمي... ماذا فعلت أنت؟"

ساد الصمت.

ثانية واحدة.

ثم قال فارس بصوت خرج أهدأ من كل ما سبق، وأخطر:

"تزوجتِني في اليوم نفسه... ثم نسيتِني بعد أسبوعين."

وتجمدت سرين مكانها، كأن أحدًا فتح بابًا ثالثًا داخل ذاكرتها لم تكن تعرف بوجوده أصلًا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 60: الكلمة التي وصلت أخيرًا

    مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 59: القرار

    جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 57: هل يكفي الحب؟

    لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 58: البيت الجديد

    في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 56: فارس والاعتذار الأخير

    لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 55: الأب الذي صمت

    لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 8: من أين جاءت؟

    توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 3: لا يمكن أن تكوني أمي

    ظلت الرسالة مفتوحة أمام عينيها لثوانٍ طويلة، حتى بدأت الحروف تفقد شكلها الطبيعي.أعيديها الآن يا سيرو... قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا.شعرت سرين بأن شيئًا انكسر داخل صدرها، لا بصوت عالٍ، بل بصمت حاد.يديها لم تعودا ثابتتين، والدبوس المعدني ما زال بين أصابعها، باردًا، قديمًا، وكأنه خرج من

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 2: الاسم الذي لا يعرفه أحد

    ظلت سرين واقفة في مكانها لثانية بدت أطول من الليل نفسه. الطرقات على الباب لم تتوقف، وكل ضربة كانت تدخل مباشرة في أعصابها، لكن الشيء الذي جمّدها حقًا لم يكن الصوت في الخارج... بل الرعب الواضح في عيني سديم. لم يكن خوف طفلة من رجل غريب يطرق بابًا بقوة. كان خوف من يعرف هذا الصوت جيدًا. "من هذا؟" سألت

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 1: الطفلة أمام الباب

    كانت سرين تقود ببطء وهي تشعر أن هذا اليوم استنزف آخر ما فيها. شاشة الهاتف على المقعد المجاور ما زالت تضيء كل بضع ثوانٍ برسائل من العمل، لكنّها لم تمد يدها إليه. لم تعد تملك رغبة في الرد على أحد، ولا حتى في قراءة ما يريدونه منها. كل ما كانت تريده أن تصل إلى بيتها، تخلع كعبيها العالي، وتدخل إلى ذلك ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status