جميع فصول : الفصل -الفصل 10

10 فصول

الفصل 1: الطفلة أمام الباب

كانت سرين تقود ببطء وهي تشعر أن هذا اليوم استنزف آخر ما فيها. شاشة الهاتف على المقعد المجاور ما زالت تضيء كل بضع ثوانٍ برسائل من العمل، لكنّها لم تمد يدها إليه. لم تعد تملك رغبة في الرد على أحد، ولا حتى في قراءة ما يريدونه منها. كل ما كانت تريده أن تصل إلى بيتها، تخلع كعبيها العالي، وتدخل إلى ذلك الصمت الذي اعتادت أن تعتبره النعمة الوحيدة الصادقة في حياتها.عندما توقفت أمام المنزل، بقيت للحظة ممسكة بالمقود. سكون الشارع في هذا الوقت كان كثيفًا، والهواء خلف الزجاج بدا باردًا على نحو غير مريح. أغمضت عينيها لثانيتين، ثم فتحت الباب ونزلت.لفحتها برودة الليل فورًا. أغلقت السيارة، سحبت حقيبتها على كتفها، وبدأت تمشي نحو الباب وهي تفتش عن المفاتيح في داخل الحقيبة من دون أن تنظر. حفظت هذا الطريق عن ظهر قلب. ثلاث خطوات على الرخام، انعطافة صغيرة قرب الأصيص الحجري، ثم درجتان قصيرتان تؤديان إلى المدخل. لم تكن بحاجة إلى أن ترفع رأسها حتى.لكنها رفعت رأسها.وتوقفت.في البداية ظنّت أن هناك كيسًا صغيرًا أو صندوقًا موضوعًا قرب الباب. شيئًا تركه أحد العاملين أو أحد الجيران بالخطأ. كان الظل صغيرًا ساكنًا،
last updateآخر تحديث : 2026-04-24
اقرأ المزيد

الفصل 2: الاسم الذي لا يعرفه أحد

ظلت سرين واقفة في مكانها لثانية بدت أطول من الليل نفسه. الطرقات على الباب لم تتوقف، وكل ضربة كانت تدخل مباشرة في أعصابها، لكن الشيء الذي جمّدها حقًا لم يكن الصوت في الخارج... بل الرعب الواضح في عيني سديم. لم يكن خوف طفلة من رجل غريب يطرق بابًا بقوة. كان خوف من يعرف هذا الصوت جيدًا. "من هذا؟" سألتها سرين بصوت منخفض، وهي لا تزال تنظر إلى الباب. هزت سديم رأسها بسرعة، كأن السؤال نفسه لا يجوز أن يُطرح. "لا تفتحي." عاد الصوت من الخارج، هذه المرة أقرب، أشد، كأنه التصق بالباب من الجهة الأخرى. "أنا أعرف أنها دخلت. افتحي." قبضت سرين على هاتفها بقوة حتى آلمتها أصابعها. غريزتها الأولى كانت أن تتصل بالشرطة فورًا، لكن شيئًا فيها رفض أن يتحرك بعشوائية. أخذت نفسًا قصيرًا، ثم أشارت إلى سديم بأن تبقى مكانها، واتجهت بخطوات حذرة نحو المدخل. وقفت على بعد متر من الباب، لا قريبة بما يكفي لفتحه، ولا بعيدة بما يكفي لتبدو خائفة. "من أنت؟" ساد صمت قصير، ثم جاءها صوت الرجل من الخارج أخفض قليلًا، لكنه لم يفقد حدته. "اسمي لا يهم. الطفلة تخصنا. افتحي الباب، وسآخذها وننهي هذا الهراء." التفتت سرين فورًا إل
last updateآخر تحديث : 2026-04-24
اقرأ المزيد

الفصل 3: لا يمكن أن تكوني أمي

ظلت الرسالة مفتوحة أمام عينيها لثوانٍ طويلة، حتى بدأت الحروف تفقد شكلها الطبيعي.أعيديها الآن يا سيرو... قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا.شعرت سرين بأن شيئًا انكسر داخل صدرها، لا بصوت عالٍ، بل بصمت حاد.يديها لم تعودا ثابتتين، والدبوس المعدني ما زال بين أصابعها، باردًا، قديمًا، وكأنه خرج من قبر لا من درج.رفعت رأسها ببطء نحو سديم.كانت الطفلة تراقبها.لا تسأل، لا تتحرك، فقط تراقب وجهها بذلك الهدوء الذي صار يخيفها أكثر من البكاء.أغلقت سرين شاشة الهاتف دفعة واحدة، وكأنها تستطيع بإطفائه أن تطفئ ما حدث. ثم نهضت بسرعة، وخطت إلى الخلف، بعيدة خطوة، ثم خطوتين.لا.لا يمكن أن تسمح لهذا الجنون أن يستقر في بيتها، أو في عقلها."من أرسلك؟"خرج السؤال من فمها قاسيًا، أسرع مما أرادت.لم تجب سديم فورًا. ظلت واقفة قرب الأريكة، أصابعها الصغيرة متعلقة بطرف البطانية، وعيناها على وجه سرين فقط."أجبيني.""لم يرسلني أحد.""كذبة."اهتز وجه الطفلة قليلًا، لكن ليس لأن الكلمة آلمتها، بل كأنها سئمت سماعها."أنا لم أكذب."ضحكت سرين ضحكة قصيرة مشدودة بلا أي فرح."حقًا؟ طفلة لا أعرفها تأتي إلى بيتي في منتصف
last updateآخر تحديث : 2026-04-24
اقرأ المزيد

الفصل 4: الحقيبة الصغيرة

تجمدت سرين مكانها لحظة واحدة فقط، ثم تحرك جسدها قبل أن يلحقه عقلها. التفتت نحو الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية، وسمعت الصوت مرة ثالثة، أقرب وأوضح، كأن شيئًا صلبًا ارتطم بالزجاج أو أُلقي عليه من الخارج. لم يكن مجرد تحذير هذه المرة. كان اختبارًا للحدود."ابقَي هنا." خرج صوتها منخفضًا وحادًا.لكن سديم نهضت فورًا من مكانها، وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بطريقة موجعة."لا تتركيني وحدي."التفتت سرين إليها بسرعة. كانت الكلمات بسيطة، لكنها أصابت مكانًا هشًا داخلها. ومع ذلك، لم تسمح لنفسها بالتوقف عندها. اتجهت إلى الخزانة الصغيرة قرب الممر، أخرجت منها المصباح المعدني الثقيل الذي تحتفظ به للطوارئ، ثم أخذت هاتفها معها وفتحت الكاميرات الخارجية. ظهر الجزء الخلفي من المنزل مظلمًا أكثر من الواجهة، والأشجار الممتدة قرب السور كانت تتحرك بخفة مع الهواء. لم تستطع أن ترى أحدًا، لكن التشقق الواضح في الزجاج الجانبي قرب الباب الخلفي كان كافيًا لرفع نبضها أكثر.اقتربت سديم من ظهرها حتى شعرت سرين بأنفاسها المرتجفة خلف ذراعها."هل رأيتِ من فعلها؟"هزت الطفلة رأسها نفيًا، ثم همست:"هم لا يحبون أن أنتظر طويلًا."
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 5: أول شرخ

بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي ليبقى خارج انتباهها.رفعت رأسها ببطء نحو النافذة، وشعرت لأول مرة أن البيت الذي احتمت به طوال السنوات الماضية لم يعد بيتًا، بل صندوقًا زجاجيًا يراقبه أحد من الخارج.دقت الشرطة الباب للمرة الأولى.قفزت سديم قليلًا، واتجهت عيناها فورًا إلى الحقيبة فوق الطاولة. التقطت سرين النظرة. نظرة طفل يعرف أن شيئًا واحدًا قد يضيع منه، فيضيع معه كل شيء.دق الباب مرة ثانية، أقوى هذه المرة.أغلقت الصورة على الفور، ثم فتحت الكاميرا الأمامية لترى الواجهة. الدورية موجودة فعلًا، وشرطيان يقفان عند البوابة. أخذت نفسًا طويلًا، ثم التفتت إلى سديم."اسمعيني جيدًا. لن أذكر الحقيبة الآن."رفعت الصغيرة رأسها بسرعة، وظهر في عينيها شيء يشبه الرجاء الخجول."لكن إن سألوا، ستقولين الحقيقة فقط. لا مزيد من الألغاز. هل فهمتِ؟"أ
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 6: زيارة مركز الشرطة

ظل هاتفها في يدها لثوانٍ بعد أن انقطع الصوت في الطرف الآخر. لم تُغلق نوال المكالمة رسميًا، لكن الصمت صار أوسع من أي كلام، حتى إنها لم تعد تعرف إن كانت والدتها ما تزال على الخط أم لا. كانت تحدق في سديم فقط.الطفلة لم تتحرك من مكانها. القميص القطني الأبيض كان أكبر من جسدها الصغير، يصل حتى ما تحت ركبتيها، وكمّاه يغطيان يديها تقريبًا. بدت أصغر من عمرها للحظة، أصغر وأكثر تعبًا، لكن عينيها ظلتا ثابتتين على سرين بطريقة لم تترك لها مكانًا للهرب.أبعدت الهاتف عن أذنها ببطء، ثم نظرت إلى الشاشة. الخط ما يزال مفتوحًا. رفعت الهاتف مرة أخرى."أمي."لم يأتِ جواب فورًا. سمعت فقط أنفاسًا قصيرة، متقطعة، ثم صوت نوال أخيرًا، لكنه لم يكن يشبهها. كان منخفضًا ومشدودًا، كأن الكلمات تخرج من بين أسنانها."لا تدعيها تتكلم مع أحد."شعرت سرين ببرودة تمر في ذراعيها."انتهينا من الأوامر.""سرين—""هل كنتِ تعلمين أنها حيّة؟"لم تُجب."هل كنتِ تعلمين؟""تعالي إلى البيت غدًا."ضحكت سرين ضحكة قصيرة، حادة."أي بيت؟ هذا البيت الذي تظنين أنني سأدخله كأن شيئًا لم يحدث؟""لا أستطيع قول كل شيء الآن.""إذًا متى؟ بعد عشرين سنة
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 7: الحلم القديم

بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه.رفعت بصرها ببطء عن الهاتف.كانت سديم ما تزال واقفة عند باب السيارة، تنظر إليها.لم ترَ الصورة، لكن شيئًا في وجه سرين أخبرها أن العالم تبدل مرة أخرى."ماذا حدث؟"خرج صوت الطفلة خافتًا، لكنّه وصل كأنه طُرح من مكان أقرب من المسافة بينهما.أغلقت سرين الشاشة فورًا، لا لأنها أرادت إخفاء الحقيقة عنها، بل لأنها لم تستطع بعد احتمال النظر إلى الصورة ثانية. لم تكن جاهزة للاعتراف بأي شيء، حتى داخل رأسها. كل ما كانت تعرفه أن هناك رضيعًا في حضنها يومًا ما، في غرفة مستشفى، وشالها يلفه، ووالدتها تحتفظ بهذه الصورة منذ زمن لا تعرفه... ولم تقل كلمة."اركبي."قالتها بسرعة أكثر من اللازم.نظرت إليها سديم لثانية، ثم ركبت من دون اعتراض. أغلقت الباب الخلفي، مشت إلى مقعدها، جلست، وأبقت الهاتف في حضنها دون أن تشغل
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 8: من أين جاءت؟

توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تندفع إلى الداخل، وعلى إصبعه خاتم فضي لمحت بريقه كأنه خرج من ذاكرة لم تُدفن جيدًا."سرين."جاءها صوت سديم من الخلف، صغيرًا، لكنه اخترق الضجيج.أخذت نفسًا حادًا، ثم عادت إليها الأصوات دفعة واحدة: الأبواق، محرك السيارة، أنفاسها، وضربات قلبها التي صارت مؤلمة داخل صدرها. رفعت قدمها عن الفرامل ببطء، وأكملت السير حتى أول جانب آمن للطريق. أوقفت السيارة هناك، ثم وضعت رأسها للحظة على المقود وأغمضت عينيها."هل رأيتِه؟"سؤال سديم جاء هذه المرة أوضح.رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى المرآة. كانت الصغيرة مشدودة الحزام، يدها على المقعد، وعيناها عليها مباشرة."ماذا؟""الشخص."ظلّت تنظر إليها لثانية."لا أعرف من كان."لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا على الأقل: هذا لم يعد مجرد خوف عام أو صور مشوشة. صارت الذكريات—أو الك
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 9: الندبة

ظلت الكلمة الأخيرة معلقة بينهما كأن البيت كله سمعها وامتنع عن التنفس بعدها.مثل طفل.لم تتحرك سرين فورًا. لم تصرخ. لم تنكر. فقط بقيت تحدق في سديم، وكأنها لو رمشت ستتبدد الجملة، أو ستتحول إلى شيء أقل خطورة. لكن الصغيرة لم تسحبها، ولم تبدُ نادمة على قولها. بل بالعكس، كان في عينيها خوف من أنها قالت قليلًا لا كثيرًا.أخفضت سرين بصرها ببطء إلى الصورة الممزقة على الطاولة، ثم إلى قطعة القماش، ثم إلى المفتاح الصغير، ثم عادت إلى وجه سديم. كل شيء في داخلها كان يطالبها بأن تتراجع، أن توقف هذا الطريق هنا، أن تؤجل، أن تنتظر نوال، أو الشرطة، أو فارس، أو أي شخص يستطيع حمل جزء من هذا الثقل معها. لكنها عرفت في تلك اللحظة أن أحدًا لن يحمل عنها شيئًا. لا نوال، لأنها جزء من الجرح. ولا الشرطة، لأن لديها أوراقًا لا قلبًا. ولا الرجل الذي يطرق الأبواب ويدفع الباب الأبيض في كوابيسها، لأنها لا تعرف حتى من يكون بعد.قالت أخيرًا، بصوت خرج أخفض من المعتاد:"كيف كان يبدو الطفل؟"ظلت سديم صامتة لثوانٍ، ثم هزت رأسها ببطء."لا أراه واضحًا.""لكن قلتِ إنني كنت أحمله.""نعم.""هل رأيتِ وجهي؟"أومأت."وكنتِ تبكين؟"أومأ
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد

الفصل 10: عودة فارس

تجمدت سرين تمامًا عند السؤال.هل نظرتِ إلى رقبتها؟خرجت الكلمات من فم نوال هادئة أكثر مما يجب، كأنها لا تسأل عن شيء طارئ، بل عن بند كانت تتوقع حدوثه ضمن تسلسل تعرفه جيدًا. لم تجب سرين فورًا. لم تستطع. لأن الجواب لم يعد مجرد نعم أو لا. الجواب صار يعني أن نوال كانت تعرف. تعرف بشأن العلامة، وبشأن الطفلة، وبشأن ما يمكن أن تراه سرين فيها إن اقتربت بما يكفي.نظرت إلى سديم.كانت الصغيرة تحدق بالهاتف كأنها تحاول أن ترى المرأة في الجهة الأخرى من الصوت. لم يكن في وجهها خوف الآن بقدر ما كان فيه ترقب مؤلم، كأنها تنتظر أن يُقال عنها شيء حاسم للمرة الأولى في حياتها."أنتِ كنتِ تعلمين." قالتها سرين أخيرًا، بصوت هادئ على نحو خطير.سكتت نوال ثانية قصيرة، ثم قالت:"أجبتُ عن سؤالك من دون أن أجيب."ضحكت سرين ضحكة قصيرة، خشنة."بل اعترفتِ من دون أن تقصدي.""أنا لم أقصد شيئًا.""لكنني فهمت كل شيء الذي حاولتِ إخفاءه.""لا، يا سرين. لو كنتِ فهمتِ كل شيء، لما كنتِ ما تزالين هناك."ثبتت يد سرين على الهاتف."هناك؟""في البيت."شعرت بشيء بارد يمر في ظهرها."كيف عرفتِ أنني عدتُ إلى البيت؟"هذه المرة لم تجب نوال ف
last updateآخر تحديث : 2026-04-25
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status