Share

الفصل 8: من أين جاءت؟

Author: H.E.D
last update publish date: 2026-04-25 22:07:05

توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تندفع إلى الداخل، وعلى إصبعه خاتم فضي لمحت بريقه كأنه خرج من ذاكرة لم تُدفن جيدًا.

"سرين."

جاءها صوت سديم من الخلف، صغيرًا، لكنه اخترق الضجيج.

أخذت نفسًا حادًا، ثم عادت إليها الأصوات دفعة واحدة: الأبواق، محرك السيارة، أنفاسها، وضربات قلبها التي صارت مؤلمة داخل صدرها. رفعت قدمها عن الفرامل ببطء، وأكملت السير حتى أول جانب آمن للطريق. أوقفت السيارة هناك، ثم وضعت رأسها للحظة على المقود وأغمضت عينيها.

"هل رأيتِه؟"

سؤال سديم جاء هذه المرة أوضح.

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى المرآة. كانت الصغيرة مشدودة الحزام، يدها على المقعد، وعيناها عليها مباشرة.

"ماذا؟"

"الشخص."

ظلّت تنظر إليها لثانية.

"لا أعرف من كان."

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا على الأقل: هذا لم يعد مجرد خوف عام أو صور مشوشة. صارت الذكريات—أو الكوابيس—تملك تفاصيل. يد. خاتم. باب. صوت.

"سنعود إلى البيت أولًا." قالتها وهي تعيد تشغيل السيارة بعد أن كانت ما تزال تعمل أصلًا كأنها بحاجة لأن تعلن قرارًا ما.

"البيت لا يحبنا اليوم."

التفتت إليها بسرعة.

"ماذا؟"

خفضت سديم عينيها قليلًا.

"منذ الليل... البيت خائف."

كانت جملة غريبة حتى بمقاييس هذه الليلة الطويلة، لكنها لم تبدُ عبثية تمامًا. البيت فعلًا صار خائفًا. أو هي التي صارت تخاف فيه. عادت تنظر إلى الطريق وأكملت القيادة دون جواب.

حين دخلت إلى الحي، شعرت بأن كل شيء مراقَب. السيارة التي تقف عند الرصيف المقابل بدت مريبة، رغم أنها قد تكون عادية. الرجل الذي كان يغلق متجره الصغير عند الزاوية بدا كأنه يطيل النظر، رغم أنه ربما لم يفعل. حتى شجرة الحديقة الأمامية، التي كانت دائمًا جزءًا من المشهد المعتاد، صارت الآن تخفي أكثر مما تظهر.

أدخلت السيارة إلى الداخل وأغلقت البوابة سريعًا. نزلت أولًا، فتحت الباب الخلفي، وخرجت سديم من دون كلام. أخذت سرين بيدها هذه المرة بطريقة غريزية، لم تفكر فيها، فقط فعلتها. ولم تحاول سديم سحب يدها.

دخلتا البيت.

الرائحة ذاتها. الصمت ذاته. الشق في الزجاج الخلفي ما زال هناك، يُرى بوضوح حين ينعكس الضوء عليه. لكن شيئًا آخر تغيّر. أو ربما كان هذا التغير داخلها هي. الصالة لم تعد مجرد صالة. صارت مسرحًا لكل ما قيل الليلة الماضية: "أمي"، "سيرو"، "لم أمت"، "إذا جعلناك تنسين مرة..." كلمات عاشت الآن بين الجدران.

أغلقت الباب جيدًا، ثم التفتت إلى سديم.

"اجلسي."

جلست الصغيرة بهدوء على الأريكة، لكنّها لم تترك يدها فورًا. بقيت متعلقة بها لحظة أطول من اللازم، ثم تركتها ببطء. التقطت سرين ذلك، وشعرت بشيء مؤلم يصعد في صدرها دون إذن.

ذهبت إلى المطبخ، جلبت كأسين من الماء، وعادت. أعطت واحدة لسديم وجلست قبالتها، هذه المرة بقصد واضح. لم يعد عندها استعداد لتتلقى نصف الحقائق على دفعات غير مفهومة. هناك شيء واحد بدأ يتبلور، وهي تريد أن تدفعه إلى الأمام: من أين جاءت هذه الطفلة فعلًا، وكيف وصلت إلى بابها، ولماذا تبدو واثقة من أنها لا تأتي إلى غريب بل إلى مكان تعود إليه؟

"سنبدأ من البداية."

رفعت سديم عينيها.

"بدأنا."

"لا. ليس بما يكفي." انحنت سرين قليلًا للأمام. "أريد أن أعرف من أين جئتِ. ليس من اسم شخص أو بيت أو حي فقط. أريد الحقيقة كما تعرفينها أنتِ."

نظرت الصغيرة إلى الكأس بين يديها، ثم قالت:

"جئت لأعود."

تصلب فك سرين. كانت تتوقع الجملة، لكنها ما تزال تضربها كل مرة كأنها الأولى.

"عودتك إلى أين؟"

رفعت سديم وجهها ببطء.

"إليك."

"هذا جوابك المعتاد. وأنا لا أريده هكذا. من أين خرجتِ الليلة التي جئتِ فيها إلى بابي؟"

سكتت لحظة، ثم قالت:

"من البيت."

"أي بيت؟"

"الذي كنت فيه."

أغمضت سرين عينيها لثانية. كانت على حافة الغضب، لا من الصغيرة وحدها، بل من عجز اللغة بينهما. كل شيء في رأسها يصرخ، وكل شيء في فم الطفلة يخرج نصفه فقط.

"اسمعيني جيدًا، سديم. أنا لا أستطيع أن أحميك إن بقيتِ تتكلمين بهذه الطريقة. هل فهمتِ؟"

تأملت الصغيرة وجهها لحظة، ثم أومأت ببطء.

"هل تتذكرين شكل البيت؟"

"نعم."

"إذًا صفِيه."

سكتت الطفلة قليلًا، وكأنها تبحث عن الكلمات داخل شيء أقدم من قدرتها على الوصف.

"له باب أخضر... لكنه ليس أخضر جميل. أخضر مريض."

رمشت سرين مرة.

"أخضر مريض؟"

"كأنه قديم ويقشر."

"والداخل؟"

"ممر طويل. والأرض باردة. وفيه ضوء لا يحب."

شعرت سرين بأنفاسها تبطؤ لتستوعب الجملة.

"غرف؟"

"نعم."

"كم؟"

"لا أعرف. كنت أعرف غرفتي. وغرفة كانت تُغلق دائمًا. وغرفة فيها خزانة عالية."

تذكرت الحقيبة فورًا.

"في الغرفة التي فيها الخزانة العالية وجدتِ الحقيبة؟"

أومأت سديم.

"هل كان البيت بيتًا عاديًا؟ أم مكانًا فيه مرضى؟ أو أطفال آخرون؟"

فكرت الصغيرة هذه المرة أطول.

"لم يكن بيتًا مثل البيوت. لكنه أيضًا لم يكن مستشفى."

"ما الفرق؟"

رفعت الصغيرة كتفيها، ثم قالت:

"في البيت الناس يضحكون أحيانًا. هناك... كانوا ينتظرون فقط."

دخلت الجملة إلى سرين ببطء. كانت طفلة تصف شعور مكان، لا هندسته. وهذا غالبًا أصدق.

"ومن كان معك هناك؟"

"المرأة."

"الكبيرة؟"

أومأت.

"والرجل الذي يغضب؟"

"كان يأتي ويذهب."

"وأطفال آخرون؟"

صمتت، ثم قالت:

"ليس دائمًا. أحيانًا أسمعهم. ثم لا أراهم."

انقبض قلب سرين.

"هل كنتِ تذهبين إلى المدرسة من ذلك المكان؟"

هزت رأسها.

"أحيانًا فقط."

"لماذا؟"

"لأنها كانت تقول إنني لا يجب أن أتعلق."

"من هي؟"

"المرأة."

"هل تعرفين اسمها؟"

خفضت سديم بصرها.

"كانت تسمح لي باسم واحد فقط."

"ما هو؟"

"خالة."

ضغطت سرين على أسنانها. امرأة تُبقي طفلة في مكان يشبه البيت ولا يشبهه، تمنعها من التعلق، تُدعى فقط خالة، ويأتي إليها رجل يغضب ويعرف كيف يصل إلى بيتها. كل شيء يزداد سوادًا.

"ومتى خرجتِ من ذلك المكان؟"

"بعد أن عرفت."

شعرت سرين بالتوتر يعود.

"عرفتِ ماذا؟"

"أنك هنا."

تسمرت في مكانها.

"كيف عرفتِ؟"

"رأيت."

"ماذا رأيتِ؟"

"صورتك."

"أين؟"

"في الحقيبة. وفي مكان آخر."

"أي مكان؟"

سكتت سديم، ثم قالت بصوت أخفض:

"في درجها."

"درج من؟"

"المرأة."

"كان عندها صور لي؟"

أومأت.

"كيف؟"

"لا أعرف."

شعرت سرين برعشة قصيرة في ذراعيها. هناك إذًا صلة مباشرة. ليست فقط بقايا قديمة وصلت إلى الحقيبة. بل صور محفوظة في درج امرأة مجهولة.

"هل كانت تنظر إلى الصور؟"

"أحيانًا."

"وماذا كانت تقول؟"

خفضت الصغيرة عينيها.

"إنك جميلة أكثر مما تستحقين."

سقطت الكلمات بينهما كزجاج.

لم تتكلم سرين فورًا. لم تكن الصدمة في المعنى فقط، بل في النبرة التي نقلتها بها سديم. طفل لا يختلق هذه القسوة. طفل ينقلها كما سمعها.

"وهل قالت عني شيئًا آخر؟"

سكتت سديم.

"قولي."

"قالت إنك نسيتِ لأنك أردتِ أن تنسي."

شعرت سرين ببرودة تضرب ظهرها.

هذه جملة ليست لطفلة. ليست شيئًا يقال أمام طفلة أصلًا.

"وأنتِ صدقتِها؟"

رفعت الصغيرة وجهها.

"في البداية."

"والآن؟"

"الآن لا."

"لماذا؟"

ظلّت تحدق فيها لحظة، ثم قالت بهدوء ممزق:

"لأن عينيكِ عندما نظرتِ إليّ لم تكونا عيني مَن ترك."

ارتجف شيء عميق داخلها. كان يمكنها أن تكسر الجملة بسهولة، أن تعتبرها مجرد عاطفة طفل جائع للحب. لكن هذا لم يحدث. لأن ما أرعبها أنها شعرت للحظة أن سديم لا تكذب في هذا أيضًا.

نهضت سرين فجأة من مكانها، مشت خطوتين نحو النافذة، ثم عادت. كانت بحاجة إلى حركة، إلى شيء يفرّغ الضغط الذي يتراكم داخلها منذ الفجر.

"كيف وصلتِ إلى بيتي؟"

هذا السؤال تحديدًا كانت تحتاج إليه.

"مشيت."

"من أين بدأتِ المشي؟"

"من آخر الشارع."

التفتت إليها بحدة.

"أي شارع؟"

"الذي أنزلني فيه."

"من أنزلك؟"

صمتت الصغيرة.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن فارغًا. كان ممتلئًا بخوف تعرفه سرين الآن.

"هل الرجل؟"

هزة خفيفة.

"هل هالة؟"

هزة أخرى، أبطأ.

"إذًا من؟"

رفعت سديم عينيها ببطء شديد.

"هي."

تجمدت سرين.

"المرأة؟"

أومأت.

"هي التي أنزلتك قرب بيتي؟"

"نعم."

"لماذا؟"

"قالت إن الوقت انتهى."

ارتفع نبضها.

"أي وقت؟"

"وقت الكذب."

ساد الصمت.

ثم جلست سرين ببطء من جديد.

"صفِ لي هذه الليلة. من البداية. كل شيء."

هذه المرة استغرقت سديم وقتًا قبل أن تبدأ، كأنها تعيد ترتيب المشهد داخلها.

"كانت غاضبة. أكثر من المعتاد. كانت تفتح الأدراج وتغلقها. وتقول إنك بدأتِ تتحركين."

"أنا؟"

"نعم."

"كيف؟"

"لا أعرف. لكنها كانت تعرف."

"ثم؟"

"الرجل جاء. تشاجر معها."

"سمعتِ ماذا قال؟"

"قال إن من الأفضل أن أختفي قبل أن تعرفي."

شعرت سرين أن الهواء أصبح أثقل.

"وماذا قالت هي؟"

"قالت إنك لا تعرفين حتى كيف تتذكرين."

توقفت سرين عن الحركة تمامًا.

"ثم؟"

"ثم بعد أن خرج... جاءت إليّ. أعطتني الحقيبة. وقالت: إذا كنت تريدينها حقًا، اذهبي."

اختنق نفسُها قليلًا.

"بهذه البساطة؟"

"لا." قالتها سديم بهدوء. "كانت تبكي."

رفعت سرين رأسها.

"تبكي؟"

أومأت.

"وقالت أيضًا إنكِ إن فتحتِ الباب لي... فكل شيء سينتهي."

كانت الجملة تحتمل أكثر من معنى، وكل معانيها سيئة.

"كيف عرفتِ الطريق؟"

هنا فقط بدت سديم واثقة تمامًا. رفعت وجهها وقالت:

"لأنني عرفته."

أرادت أن تغضب، أن تقول لا تعيدي هذه الكلمة، لكن الصغيرة تابعت قبل أن تقاطعها.

"كنت أعرف شكل الشجرة أمام بيتك. وشكل الضوء عند الباب. ومكان الرقم على الجدار."

تسمرت سرين.

"كيف؟"

"أراه في النوم."

انقبض صدرها.

الحلم مرة أخرى.

"أترين بيتي في الحلم؟"

"أحيانًا."

"منذ متى؟"

"لا أعرف."

"وهل كنتِ ترينني؟"

"أحيانًا ظهرك فقط. أو يدك."

غابت الكلمات عن فم سرين للحظة.

"وما الذي جعلك تتأكدين أن هذا البيت هو بيتي أنا؟"

"لأنها قالت: إذا ضعتِ، ابحثي عن الشجرة التي تحتها حجر مكسور."

شعرت سرين بأن العالم يتوقف ثانية.

هناك، فعلًا، أسفل شجرة الحديقة الأمامية، حجر قديم مكسور من زاوية واحدة. شيء لا يلفت النظر لأي عابر. شيء لا يعرفه إلا من اقترب من الحديقة بما يكفي، أو رآه مرارًا.

"من هي؟" خرج السؤال من فمها أخيرًا بصدق عارٍ. "من هذه المرأة؟"

لكن سديم لم تعرف. أو هكذا بدا.

"لا أعرف اسمها الحقيقي."

"كيف لا تعرفين؟ عشتِ معها."

"كانت تقول إن الأسماء تجعل الناس يجدونك."

شعرت سرين بقشعريرة قصيرة.

"هل كانت كبيرة جدًا؟"

"ليست مثل جدتي." فكرت الطفلة قليلاً. "لكن أكبر منك."

"هل كانت تشبه أحدًا؟"

ترددت سديم، ثم رفعت عينيها مباشرة إليها.

"أحيانًا... كانت تشبهك عندما تكونين قاسية."

ارتجفت يد سرين قليلًا.

الوصف لم يكن دقيقًا بما يكفي ليثبت شيئًا، لكنه كان كافيًا ليزيد الفوضى داخلها.

"وهل قالت لك إلى أين تذهبين بعدي؟"

"لا."

"هل توقعت أن أبقيك؟"

"نعم."

"كيف؟"

"لأنني كنت أعود، لا أطلب."

أغمضت سرين عينيها.

هذه الطفلة تتكلم وكأن الأمر محسوم، وكأن كل ما يحدث الآن مجرد تأخر في الاعتراف، لا بحث عن حقيقة. وما يخيفها أنها لم تعد تملك اليقين نفسه لتقول لا.

صمتت الغرفة قليلًا.

ضوء الظهيرة صار أقوى خلف الستائر.

البيت نفسه بدا متعبًا.

ثم قالت سديم فجأة:

"هناك مكان آخر."

فتحت سرين عينيها.

"أي مكان؟"

"مكان كنتِ فيه."

"المستوصف القديم؟"

هزت الصغيرة رأسها.

"أقدم."

شعرت سرين بكل أعصابها تنتبه دفعة واحدة.

"أين؟"

خفضت الطفلة بصرها كأنها تحاول أن تمسك بصورة بعيدة.

"فيه سور قصير... وأرجوحة مكسورة... وباب حديدي لا يُغلق جيدًا."

توقفت أنفاس سرين للحظة.

"كملي."

"وخلفه شجرة كبيرة... ليس مثل شجرتك. أكبر. وجذعها مائل."

حدقت فيها سرين دون رمشة.

كانت الصورة بدأت تتشكل داخلها رغمًا عنها.

ليس لأنه مكان رأته أمس أو الأسبوع الماضي.

بل لأنه مكان قديم جدًا، مطمور، منسي عمدًا.

"هل تعرفين اسمه؟"

هزت الصغيرة رأسها.

"لكنني أعرف الطريق إذا رأيته."

وضعت سرين يدها على فمها للحظة.

هذا المكان...

هذه الأرجوحة...

السور القصير...

الشجرة المائلة...

لم تذهب إليه منذ عشرين سنة تقريبًا.

بيت قديم على أطراف البلدة التي عاشت فيها طفولتها الأولى. بيت يعود إلى خالتها الراحلة، وكانت العائلة تزوره في الصيف فقط. خلفه حديقة صغيرة، وفي زاويتها أرجوحة حديدية انكسرت من جهة واحدة وظلت مائلة سنوات طويلة. آخر مرة ذهبت إليها كانت في سن الثامنة عشرة تقريبًا... أو هذا ما تعتقده. بعد ذلك باعته العائلة أو أغلقته، ولا تذكر متى انقطع الحديث عنه.

رفعت عينيها إلى سديم ببطء شديد.

"من أخبرك عن هذا المكان؟"

"لا أحد."

ابتسمت سرين ابتسامة صغيرة، مرهقة، تكاد تكون بلا معنى.

"طبعًا."

لكن هذه المرة لم تقلها بسخرية. قالتها كمن يعترف أنه لم يعد يعرف أين تبدأ الاستحالة وأين تنتهي.

"هل تريدين الذهاب؟" سألتها سديم فجأة.

نظرت إليها.

"إلى ذلك المكان."

لم تجب فورًا. لأنها كانت تعرف أن هذا هو السؤال الحقيقي. الذهاب أو عدم الذهاب. فتح الباب القديم أو تركه مغلقًا. وكل خيار منهما صار مكلفًا.

"لماذا تعتقدين أنه مهم؟"

"لأنكِ عندما رأيتِه في رأسي... تغير وجهك."

شعرت سرين بأن هذه الطفلة ترى أكثر مما يجب.

نهضت من مكانها، مشت ببطء نحو الخزانة الجانبية، أخرجت الحقيبة القديمة ثانية. وضعتها على الطاولة، فتحتها، أخرجت الصورة الممزقة، وقطعة القماش، والرسالة القديمة، والمفتاح الصغير رقم سبعة عشر. ظلت تحدق فيها كما لو أنها ترى خريطة ناقصة.

بيت قديم.

مستوصف قديم.

صورة ممزقة.

شال.

طفلة جاءت "لتعود".

وامرأة تقول: إن فتحتِ الباب لها، ينتهي كل شيء.

التقطت المفتاح الصغير.

"هل رأيتِ هذا من قبل غير اليوم؟"

اقتربت سديم قليلًا، ثم أومأت.

"أين؟"

"في الدرج."

"أي درج؟"

"عندها."

"مع الصور؟"

"نعم."

شعرت سرين أن المفتاح صار أثقل بين أصابعها.

إذا كان هناك مكان قديم لم تزره منذ عشرين سنة، وإذا كان هذا المفتاح يأتي من درج الصور والحقيبة والشال... فكم احتمال أن يكون له علاقة بذلك البيت؟

رفعت رأسها.

"إذا ذهبتُ إلى هذا المكان، ماذا تتوقعين أن أجد؟"

نظرت إليها سديم بصمت طويل، كأنها تختار الكلمات بعناية غير طفولية. ثم قالت:

"شيئًا تركوه لك حتى لا تظلي ميتة."

تجمدت سرين تمامًا.

لم تفهم الجملة كاملة، لكنّها أصابتها في الصدر بقوة.

ميتة؟

هل كانت تعني النسيان؟

أم شيئًا آخر؟

لم تسأل. لأنها لم تكن متأكدة أنها تريد الجواب الآن.

بدلًا من ذلك، أمسكت الهاتف وفتحت تطبيق الخرائط. كتبت اسم البلدة القديمة. ثم اسم الشارع القريب من بيت خالتها. كان العنوان ما يزال موجودًا، وإن بصعوبة، كأن الزمن احتفظ به على مضض. نظرت إلى المسافة. أقل من ساعة ونصف.

أعادت الهاتف إلى الطاولة.

"سنرتاح قليلًا أولًا."

"ثم نذهب؟"

لمعت عينا سديم بشكل خافت، لا كفرح، بل كاقتراب من شيء انتظرته طويلًا.

نظرت سرين إلى الصورة الممزقة مرة أخيرة، ثم قالت بصوت خرج أهدأ مما تشعر به:

"ربما."

صمتت سديم لحظة، ثم همست:

"هناك شيء آخر عن المكان."

رفعت سرين رأسها.

"ماذا؟"

"أنتِ لم تغادريه وحدك."

توقفت أنفاسها.

"من كان معي؟"

لكن الصغيرة لم تجب فورًا.

شحب وجهها قليلًا، وتوترت أصابعها على طرف الأريكة.

"سديم."

رفعت عينيها ببطء، وفيهما ذلك الخوف الذي يسبق الحقيقة، ثم قالت:

"رجل... وكنتِ تبكين... وتحملين شيئًا أبيض."

شعرت سرين أن قلبها انقبض بعنف.

"شيئًا أبيض مثل ماذا؟"

ارتجفت شفتا سديم قليلًا، ثم خرج الصوت خافتًا جدًا:

"مثل طفل."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 60: الكلمة التي وصلت أخيرًا

    مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 59: القرار

    جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 57: هل يكفي الحب؟

    لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 58: البيت الجديد

    في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 56: فارس والاعتذار الأخير

    لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 55: الأب الذي صمت

    لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 11: الرجل الذي تأخر كثيرًا

    ظل الباب مفتوحًا بينهما كأن الهواء نفسه توقف عند العتبة ولم يعرف إلى أي جهة يميل. فارس لم يتحرك. لم يقترب. لم يحاول حتى أن يلمس الجدار أو الدرابزين أو أي شيء يثبت به نفسه. فقط وقف في مكانه، وعيناه تنتقلان بين وجه سرين ووجه سديم كما لو أن الزمن

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 7: الحلم القديم

    بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 5: أول شرخ

    بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 4: الحقيبة الصغيرة

    تجمدت سرين مكانها لحظة واحدة فقط، ثم تحرك جسدها قبل أن يلحقه عقلها. التفتت نحو الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية، وسمعت الصوت مرة ثالثة، أقرب وأوضح، كأن شيئًا صلبًا ارتطم بالزجاج أو أُلقي عليه من الخارج. لم يكن مجرد تحذير هذه المرة. كان اختبارًا للحدود."ابقَي هنا." خرج صوتها منخفضًا وحادًا.لكن سدي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status