Início / الرومانسية / الطفلة التي تناديني أمي / الفصل 2: الاسم الذي لا يعرفه أحد

Compartilhar

الفصل 2: الاسم الذي لا يعرفه أحد

Autor: H.E.D
last update Data de publicação: 2026-04-24 04:53:22

ظلت سرين واقفة في مكانها لثانية بدت أطول من الليل نفسه. الطرقات على الباب لم تتوقف، وكل ضربة كانت تدخل مباشرة في أعصابها، لكن الشيء الذي جمّدها حقًا لم يكن الصوت في الخارج... بل الرعب الواضح في عيني سديم.

لم يكن خوف طفلة من رجل غريب يطرق بابًا بقوة. كان خوف من يعرف هذا الصوت جيدًا.

"من هذا؟" سألتها سرين بصوت منخفض، وهي لا تزال تنظر إلى الباب.

هزت سديم رأسها بسرعة، كأن السؤال نفسه لا يجوز أن يُطرح.

"لا تفتحي."

عاد الصوت من الخارج، هذه المرة أقرب، أشد، كأنه التصق بالباب من الجهة الأخرى.

"أنا أعرف أنها دخلت. افتحي."

قبضت سرين على هاتفها بقوة حتى آلمتها أصابعها. غريزتها الأولى كانت أن تتصل بالشرطة فورًا، لكن شيئًا فيها رفض أن يتحرك بعشوائية. أخذت نفسًا قصيرًا، ثم أشارت إلى سديم بأن تبقى مكانها، واتجهت بخطوات حذرة نحو المدخل. وقفت على بعد متر من الباب، لا قريبة بما يكفي لفتحه، ولا بعيدة بما يكفي لتبدو خائفة.

"من أنت؟"

ساد صمت قصير، ثم جاءها صوت الرجل من الخارج أخفض قليلًا، لكنه لم يفقد حدته.

"اسمي لا يهم. الطفلة تخصنا. افتحي الباب، وسآخذها وننهي هذا الهراء."

التفتت سرين فورًا إلى سديم. كانت الصغيرة قد سحبت البطانية إلى صدرها بكلتا يديها، وعيناها متسعتان بشكل موجع. لم تنطق، لكنها بدت كأنها على وشك الانهيار.

"الطفلة لا تخص أحدًا بهذه الطريقة." رفعت سرين صوتها قليلًا. "ابتعد عن بابي وإلا اتصلت بالشرطة."

لم يجب الرجل مباشرة. سمعت حركة خفيفة، كأنه تراجع خطوة، ثم عاد صوته أبرد من قبل.

"اتصلي بمن تريدين. لكنها ستأتي معنا في النهاية."

ثم حلّ صمت مفاجئ.

بقيت سرين واقفة، تحدق في الباب، تنتظر الطرقة التالية. لم تأتِ. مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم دقيقة كاملة، ولم يعد هناك شيء. لا صوت خطوات، لا سيارة تتحرك، لا ظل يمر من تحت الباب.

رفعت يدها ببطء وفتحت تطبيق الكاميرا الخارجية على هاتفها. كانت الزاوية الأمامية تُظهر بوابة المنزل وجزءًا من الرصيف، لكن الرجل لم يعد موجودًا. لا أحد عند الباب. لا أحد قرب السيارة. فقط الشارع الخالي والضوء الأصفر الشاحب على الرخام.

عادت إلى الصالة بسرعة. اقتربت من سديم وانخفضت أمامها.

"من كان هذا؟"

ظلت الطفلة صامتة لثوانٍ، ثم قالت بصوت متكسر:

"سيأخذونني."

"من هم؟"

"هم."

شعرت سرين بانفجار صغير من التوتر داخل رأسها.

"سديم، لا أستطيع مساعدتك إن لم تتكلمي بوضوح. من هذا الرجل؟ هل هو زوج هالة؟ أخوها؟ قريب لك؟"

رفعت الطفلة عينيها إليها، وفيهما شيء يشبه الاستسلام.

"إنه يأتي عندما يغضب."

"ما اسمه؟"

صمتت.

"هل يؤذيك؟"

لم تجب، لكن الطريقة التي انكمش بها جسدها كانت جوابًا واضحًا بما يكفي.

مرت بضع ثوانٍ قبل أن تدرك سرين أنها مدّت يدها دون وعي لتزيح خصلة شعر عن جبين الطفلة. سحبت يدها فورًا، كأنها تذكرت نفسها متأخرة. لا يجب أن تنزلق إلى التعاطف قبل أن تفهم ما يجري. لا يجب أن تتصرف كأن هذه الطفلة تخصها.

لكن الجملة الأخيرة في رأسها لم تستقر كما أرادت.

وقفت واتجهت إلى النافذة الجانبية تتأكد من أن الأقفال محكمة. ثم انتقلت إلى الباب الخلفي. ثم النوافذ المطلة على الحديقة. لم تكن خائفة على نفسها بقدر ما كانت تشعر أن البيت كله صار تحت اختبار غير مفهوم. عندما عادت إلى الصالة، وجدت سديم ما تزال في الوضعية نفسها، البطانية حولها، عيناها على المدخل.

"لن يفتح أحد الباب." قالت سرين بحزم. "وأنتِ لن تذهبي مع أي شخص الليلة. هذا واضح."

كان واضحًا أن الصغيرة سمعت الجملة لا بأذنيها فقط، بل بكل جسدها. خفت التوتر في كتفيها قليلًا، لكنها لم تبتسم. فقط أومأت ببطء.

جلست سرين مرة أخرى مقابلة لها. هذه المرة لم تحاول أن تحافظ على برودها المعتاد. كانت بحاجة إلى الحقيقة أكثر من حاجتها إلى التماسك.

"أريد منك أن تخبريني كل ما تعرفينه. لا شيء غامض. لا شيء ناقص. من أنتِ؟ من أين جئتِ؟ ولماذا تقولين إنني أمك؟"

ظلت سديم صامتة، تنظر إلى يديها الصغيرتين، ثم قالت:

"لأنكِ أنتِ."

ضغطت سرين على أسنانها.

"هذا ليس جوابًا."

"لكنكِ أنتِ."

"من قال لك ذلك؟"

"لم يقل أحد."

"إذًا كيف عرفته؟"

رفعت الطفلة عينيها ببطء، وكانت فيهما ثقة مخيفة لطفلة في هذا العمر.

"أشعر."

أبعدت سرين وجهها قليلًا. كادت تضحك من شدة توترها، لكن الضحكة ماتت قبل أن تولد. المشهد كله كان يفقدها قدرتها على الحكم المنطقي.

"المشاعر لا تكفي." قالت بنبرة أشد. "أنا أحتاج إلى شيء حقيقي."

بقيت سديم تنظر إليها، ثم همست:

"كنتِ تغنين."

توقفت سرين عن الحركة.

"ماذا؟"

"في الصور... لم أسمعك فعلًا. لكنني كنت أعرف أنكِ تغنين لي."

شعرت سرين بوخزة مباغتة في صدرها. حركت رأسها ببطء، تحاول أن تفهم كيف تتعامل مع جملة كهذه. الصور؟ مرة أخرى الصور. لا بد أن هناك شيئًا في تلك الصور أكبر من مجرد وجه. لا بد أن شخصًا ما غذّى هذه الفكرة في رأس الطفلة. لا شيء غير ذلك منطقي.

"أي صور؟ أريد أن أعرف بالضبط."

ترددت سديم، ثم قالت:

"كانت مخبأة."

"عند هالة؟"

هزت رأسها. "لا."

"إذًا عند من؟"

أطبقت الطفلة شفتيها، وكأن الاسم عالق عند باب فمها ولا يريد الخروج. راقبتها سرين بحدة. هذا الصمت لم يكن عجز طفل عن التذكر، بل خوفًا من البوح.

"هل هي امرأة التي أخذتك؟"

رفعت الصغيرة رأسها فورًا، ويبدو أن السؤال أصاب شيئًا حساسًا.

"كانت تقول إنكِ لا تستحقين أن تعرفي."

تصلبت سرين في مكانها. الكلمات دخلت إليها كأنها موجهة لها شخصيًا، لا كخبر عن الماضي. حاولت أن تحافظ على صوتها ثابتًا.

"من هي؟"

ظلت عينا سديم معلقتين بها، ثم قالت بصوت خافت جدًا:

"لا أعرف إذا كان يجب أن أقول."

"يجب."

"ستغضب."

"من؟"

"هي."

شعرت سرين للمرة الأولى أن الغضب داخلها صار أوضح من الخوف. من يملك طفلة هذا النوع من الرعب، ويجعلها تقف ليلًا أمام باب غريب وهي تردد جملًا كهذه؟

"أنا أسألك الآن، وليس هي. وأنتِ هنا معي."

رفعت سديم رأسها أكثر، كأنها تريد أن تتأكد من العبارة.

"معك؟"

"نعم، معي."

ساد صمت قصير، ثم قالت الطفلة ببطء:

"كنتِ تقولين هذا أيضًا."

اتسعت عينا سرين.

"أنا؟"

أومأت سديم.

"كنتِ تقولين: لا تخافي، أنتِ معي."

شعرت سرين بأن الغرفة اختلت قليلًا حولها. لم تعد تسمع صوت الساعة في الجدار، ولا هسهسة المكيف الخفيفة. فقط هذه الجملة. قالتها؟ متى؟ لمن؟ وكيف لطفلة لا تعرفها أن تنطق بنبرة جعلتها تشعر أنها سمعت نفسها للحظة؟

نهضت من مكانها فجأة واتجهت نحو المطبخ. فتحت الخزانة، أخرجت كوبًا لنفسها، ملأته ماء، وشربت نصفه دفعة واحدة. كانت تحتاج إلى حركة، إلى صوت، إلى شيء يقطع هذا الخيط الخفي الذي بدأ يلتف حول عنقها.

عندما عادت، كان وجهها أشد برودًا.

"سأطرح عليكِ سؤالًا واحدًا، وأريد جوابًا صريحًا. هل تعرفين اسمي؟"

"سرين."

لم تتغير ملامحها. هذا طبيعي. قد تكون سمعت الرجل خارج الباب يناديها، أو رأت الاسم على صندوق البريد، أو سمعته من أحد. لا شيء في هذا يثبت شيئًا.

"هل تعرفين اسم عائلتي؟"

هزت الصغيرة رأسها نفيًا.

ارتخت أعصاب سرين قليلًا. جيد. ما تزال هناك حدود. ما تزال الطفلة لا تعرف كل شيء. وهذا يعني أن ما يحدث يمكن تفسيره.

لكن سديم لم تُنهِ كلامها.

رفعت وجهها، حدقت فيها لثانيتين، ثم قالت بصوت ناعم جدًا، وكأن الكلمة خرجت من مكان لا يصل إليه الغرباء:

"لكن اسمك الحقيقي ليس سرين."

انقبضت أصابع سرين على حافة الطاولة الخشبية بجانبها.

"ماذا تقصدين؟"

"اسمك الذي كانت تقولينه عندما تبكين."

شعرت سرين أن الدم انسحب من وجهها.

"أي اسم؟"

لم تجبها الطفلة فورًا. ظلت تحدق فيها كما لو أنها تزن شيئًا حساسًا. ثم نطقت الكلمة التي لم يسمعها أحد منذ سنوات طويلة جدًا. كلمة صغيرة، قديمة، دفينة إلى حد أن سرين نفسها لم تكن تسمعها في رأسها إلا نادرًا، وبصوت بعيد.

"سيرو."

ارتجف الهواء في صدرها. لم يكن الاسم غريبًا. كان مألوفًا على نحو قاسٍ. هكذا كانت والدتها تناديها وهي صغيرة. ليس أمام الناس. ليس أمام الأقارب. ليس حتى أمام والدها. فقط في لحظات محددة جدًا. عندما كانت مريضة. عندما كانت تبكي في الليل. عندما ترتبك وتختبئ في حجرها. "سيرو". اسم خرج من حياتها قبل زمن، وانتهى تقريبًا مع طفولتها.

حدقت سرين في الطفلة كأنها تراها للمرة الأولى.

"ماذا قلتِ؟"

"سيرو."

تراجعت خطوة بلا وعي.

"من قال لك هذا؟"

"كنت أعرفه."

"كيف؟"

"أعرفه فقط."

"لا." ارتفع صوتها للمرة الأولى. "هذا الاسم لا يعرفه أحد."

تقلصت ملامح الطفلة قليلًا، لكنها لم تتراجع.

"أنا أعرفه."

"من أخبرك؟ هل كانت هالة؟"

"لا."

"المرأة الأخرى؟"

لم تجب.

"هل أمي؟" خرج السؤال من فمها قبل أن تقرر نطقه.

ساد الصمت.

رأت سرين التردد في وجه الصغيرة قبل أن تهز رأسها، لكن الهزة لم تكن مقنعة. كانت أبطأ من الطبيعي، كأنها جاءت بعد تفكير لا بعد يقين. وهذا وحده كان كافيًا ليفجر الشك داخلها.

اقتربت منها بسرعة.

"هل تعرفين أمي؟"

"لا."

"هل رأيتها؟"

"لا أعرف."

"كيف لا تعرفين؟ إما رأيتها أو لم تريها."

بدأ الخوف يعود إلى عيني سديم، لكن هذه المرة كان مصحوبًا بشيء آخر... ارتباك حقيقي.

"أراها أحيانًا."

تجمدت سرين.

"أين؟"

"حين تأتي."

"إلى أين تأتي؟"

"إليّ."

اختلط الغضب بالذعر في صدر سرين حتى صار التنفس مؤلمًا. هذه الطفلة إما أنها تعيش وسط شبكة مرضية من الأكاذيب، أو أنها دخلت حياتها وهي تحمل مفتاحًا لشيء لا يمكن تخيله. في كلتا الحالتين، لم يعد بالإمكان التعامل مع الأمر كطفلة ضائعة فحسب.

جلست ببطء هذه المرة، وجعلت صوتها أكثر هدوءًا رغم النبض العنيف في رأسها.

"ابدئي من البداية. متى رأيتِ أمي؟"

عضت سديم على شفتها السفلية.

"لا أعرف متى."

"هل تعرفين اسمها؟"

هزت رأسها.

"هل تعرفين شكلها؟"

أومأت. "هي تشبهك قليلًا... لكن عينيها لا تحب."

شعرت سرين ببرودة تلامس أطراف أصابعها. الوصف كان طفوليًا، لكنه أصاب شيئًا دقيقًا في نوال. كانت والدتها جميلة وأنيقة، لكن في لحظات محددة جدًا، تصبح نظرتها حادة بشكل لا يُحتمل.

"وماذا كانت تريد منك؟"

"أن أبقى هادئة."

"فقط؟"

ترددت سديم، ثم قالت:

"وأن لا أذكر الاسم."

"أي اسم؟"

رفعت عينيها ببطء.

"اسمك القديم."

أغلقت سرين عينيها لثانية، محاولة أن تستوعب كل شيء في صورة واحدة. والدتها؟ عند طفلة؟ اسمها القديم؟ صور مخبأة؟ رجل جاء ليأخذها؟ لا، لا يمكن أن تقفز بهذه السرعة إلى استنتاجات بهذا الحجم. لكنها لم تستطع إنكار أن الخط بين الخيال والواقع بدأ يضيق بشكل مرعب.

"هل قالت لكِ لماذا لا تذكرينه؟"

أومأت الطفلة.

"قالت إنكِ ستغضبين."

"ممن؟"

"منها."

كادت سرين تختنق من ثقل الجواب. وقفت مرة أخرى، مشيت خطوات قليلة، ثم عادت. لم يكن في رأسها سوى شيء واحد: نوال. عليها أن تكلمها الآن. لا صباحًا. لا بعد ساعات. الآن.

لكنها قبل أن تلتقط الهاتف، سمعت صوت سديم من خلفها.

"لا تتصلي بها."

التفتت فورًا.

"لماذا؟"

أخفضت الطفلة بصرها.

"لأنها ستعرف أنني هنا."

"ربما تعرف أصلًا."

رفعت الصغيرة وجهها بسرعة، والخوف في عينيها عاد مضاعفًا.

"لا. لو عرفت، سترسلهم."

"من هم؟"

"الذي جاء، وآخرون."

ثبتت سرين نظرها فيها. "كم شخصًا هناك؟"

"لا أعرف."

"وهل هربتِ منهم الليلة؟"

صمتت، ثم أومأت مرة واحدة.

شعرت سرين بشيء يشبه الحسم يمر داخلها. لم تعد هذه الليلة مجرد لغز عاطفي أو مفاجأة مشوشة. هناك طفلة خائفة، رجل يطرق بابها بعنف، واسم طفولتها يخرج من فم لا يفترض أن يعرفه. بغض النظر عن كل شيء، لا يمكنها أن تعيد سديم إلى أي جهة قبل أن تفهم.

"هل معك شيء؟" سألتها فجأة. "أي شيء جئتِ به؟ حقيبة، ورقة، صورة؟"

كأن السؤال أعاد الصغيرة إلى تذكر شيء مهم. مدت يدها ببطء أسفل البطانية، ثم إلى داخل جيب سترتها الموضوعة قربها، وأخرجت شيئًا صغيرًا ملفوفًا بمنديل قديم.

ناولته لها.

أخذته سرين بحذر. كان قلبها يدق بقوة وهي تفك المنديل طبقة بعد أخرى، حتى ظهر في يدها دبوس شعر معدني صغير على شكل فراشة، باهت اللون من القدم، لكنه محفوظ بعناية شديدة.

تجمدت.

عرفته فورًا.

لم يكن شبيهًا بدبوس كانت تملكه. كان هو نفسه.

واحد من قطعتين أعطتهما لها والدتها في عيد ميلادها التاسع. ضاع أحدهما بعد أشهر، واحتفظت بالآخر سنوات طويلة قبل أن يختفي هو أيضًا في ظروف لا تذكرها جيدًا. لم تفكر فيه منذ زمن. لم تتخيل أنها قد تراه مرة أخرى أبدًا.

رفعت رأسها ببطء نحو سديم، ووجهها خالٍ تمامًا من اللون.

"من أين حصلتِ على هذا؟"

"كان معي."

"من أعطاك إياه؟"

هزت الطفلة رأسها. "لا أعرف."

اقتربت سرين أكثر. كانت تمسك الدبوس بين إصبعين كأنه شيء حيّ.

"هذا كان لي."

قالت سديم العبارة التالية بنعومة أربكتها أكثر من الصدمة نفسها:

"أعرف."

ارتفع نفس سرين واختنق في منتصف صدرها.

"كيف تعرفين؟"

ظلت الصغيرة تنظر إليها بثبات، ثم قالت:

"لأنكِ كنتِ تضعينه في شعري."

انفتحت شفتا سرين دون صوت. لم تعد قادرة على الغضب أو الإنكار أو حتى التفكير بالترتيب. كانت الكلمات تتساقط داخلها واحدة وراء الأخرى، وتضرب أماكن لا تعرف كيف تحميها.

"هذا مستحيل."

لم يكن واضحًا إن كانت تقولها لسديم أم لنفسها.

اقتربت الطفلة خطوة صغيرة هذه المرة، أول خطوة منذ دخلت البيت. كان الخوف ما يزال فيها، لكن خلفه إصرار مؤلم لا يليق بطفلة.

"أنا لم آتِ لأكذب عليكِ."

شعرت سرين أن عليها أن تجلس قبل أن تسقط. جلست بالفعل، لكن ليس على الأريكة. جلست على حافة الطاولة المنخفضة أمامها، والدبوس ما يزال في يدها، والهاتف على المقعد، وكل شيء حولها يبدو بعيدًا قليلًا.

"هل تتذكرين شيئًا آخر؟" سألتها، بالكاد تعرف صوتها. "أي شيء... عني؟"

ظلت سديم تحدق في وجهها طويلًا، كما لو أنها تبحث في ملامحها عن إذن. ثم قالت ببطء شديد:

"كنتِ تضعين رأسك هنا عندما تتعبين."

ورفعت يدها الصغيرة ولمست أعلى كتفها الأيسر.

توقفت أنفاس سرين.

هناك. في تلك النقطة تحديدًا. عاد إليها إحساس بعيد جدًا، خاطف، مستحيل الإمساك به بالكامل. ثقل صغير على كتفها. رائحة طفل. تهويدة مكسورة. دمعة سقطت على جلدها. لم تكن ذكرى كاملة، بل شظية. لكنها كانت كافية لتجعل جسدها كله يرتجف.

رفعت يدها إلى كتفها الأيسر ببطء، كأنها تتحسس شبحًا قديمًا. وكانت على وشك أن تسأل سؤالًا آخر، سؤالًا لا تعرف إن كانت تريد جوابه حقًا، حين رن هاتفها فجأة.

نظرت إلى الشاشة.

ليس اسم والدتها هذه المرة.

كان رقمًا غريبًا.

لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقها ليس الرقم... بل الرسالة التي ظهرت تحته في اللحظة نفسها:

أعيديها الآن يا سيرو... قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 60: الكلمة التي وصلت أخيرًا

    مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 59: القرار

    جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 57: هل يكفي الحب؟

    لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 58: البيت الجديد

    في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 56: فارس والاعتذار الأخير

    لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 55: الأب الذي صمت

    لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 25: الملف المزور

    انفجر صوت القفل المكسور في الممر كطلق نار داخل صدر سرين.لم يكن الباب قد فُتح بعد بالكامل، لكن الخشب اهتز، وصرخت المفصلات القديمة، وعرفت في اللحظة نفسها أن الثواني لم تعد تُقاس بالكلام، بل بما يمكن أخذه قبل أن يدخل الخطر."الخلف."قالها فارس بحدة لم تستخدمها أذناه منه من قبل

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 11: الرجل الذي تأخر كثيرًا

    ظل الباب مفتوحًا بينهما كأن الهواء نفسه توقف عند العتبة ولم يعرف إلى أي جهة يميل. فارس لم يتحرك. لم يقترب. لم يحاول حتى أن يلمس الجدار أو الدرابزين أو أي شيء يثبت به نفسه. فقط وقف في مكانه، وعيناه تنتقلان بين وجه سرين ووجه سديم كما لو أن الزمن

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 8: من أين جاءت؟

    توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 7: الحلم القديم

    بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status