로그인تجمدت سرين تمامًا عند السؤال.
هل نظرتِ إلى رقبتها؟ خرجت الكلمات من فم نوال هادئة أكثر مما يجب، كأنها لا تسأل عن شيء طارئ، بل عن بند كانت تتوقع حدوثه ضمن تسلسل تعرفه جيدًا. لم تجب سرين فورًا. لم تستطع. لأن الجواب لم يعد مجرد نعم أو لا. الجواب صار يعني أن نوال كانت تعرف. تعرف بشأن العلامة، وبشأن الطفلة، وبشأن ما يمكن أن تراه سرين فيها إن اقتربت بما يكفي. نظرت إلى سديم. كانت الصغيرة تحدق بالهاتف كأنها تحاول أن ترى المرأة في الجهة الأخرى من الصوت. لم يكن في وجهها خوف الآن بقدر ما كان فيه ترقب مؤلم، كأنها تنتظر أن يُقال عنها شيء حاسم للمرة الأولى في حياتها. "أنتِ كنتِ تعلمين." قالتها سرين أخيرًا، بصوت هادئ على نحو خطير. سكتت نوال ثانية قصيرة، ثم قالت: "أجبتُ عن سؤالك من دون أن أجيب." ضحكت سرين ضحكة قصيرة، خشنة. "بل اعترفتِ من دون أن تقصدي." "أنا لم أقصد شيئًا." "لكنني فهمت كل شيء الذي حاولتِ إخفاءه." "لا، يا سرين. لو كنتِ فهمتِ كل شيء، لما كنتِ ما تزالين هناك." ثبتت يد سرين على الهاتف. "هناك؟" "في البيت." شعرت بشيء بارد يمر في ظهرها. "كيف عرفتِ أنني عدتُ إلى البيت؟" هذه المرة لم تجب نوال فورًا. وعندما أجابت، كان صوتها أخفض. "لأنكِ ستعودين إليه مهما هربتِ. هذا البيت تحديدًا يبتلعك كل مرة." ضيقت سرين عينيها. "هل أنتِ تراقبينني أيضًا؟" "أنا أحاول أن أصل إليك قبل أن يصل الآخرون." "من الآخرون؟" "أشخاص لن يفيدك معرفة أسمائهم الآن." "كفى." خرجت الكلمة قاطعة. حتى سديم انتفضت قليلاً. "إما أن تتكلمي بوضوح، أو لا تتصلي بي مرة أخرى حتى أقرر أنا ذلك." "سرين—" "من هي سديم؟" صمت. "أريد جوابًا مباشرًا." صمت آخر. "هل هي ابنتي؟" شعرت سرين بأن الهواء تجمد في الصالة. لم يأتِ من الهاتف أي رد مباشر، لكنّها سمعت شيئًا أوضح من الكلام: نفسًا خرج من صدر نوال متعبًا جدًا، كأن السؤال نفسه حملها إلى مكان لم تكن تريد العودة إليه. "الأمور لا تُقال هكذا." "لكنها تحدث هكذا؟" "لم يكن أمامي وقت—" "إذًا هي ابنتي." لم تكن جملة استفهام هذه المرة. كانت أقرب إلى شيء خرج من تحت الأنقاض، متربًا، مصابًا، لكنه حيّ. سديم لم تتحرك. نظرتها ارتفعت ببطء إلى وجه سرين، وشيء لا اسم له لمع فيها، ثم اختنق. على الطرف الآخر، تكلمت نوال أخيرًا: "قلت لكِ منذ البداية إن الحقيقة لن تأتي في لحظة واحدة." "وهل هذه حمايتك المعتادة؟ تأخذين ابنة امرأة منها، ثم تسكتين عشرين سنة، ثم تقولين إن الحقيقة تحتاج وقتًا؟" "لم آخذها من امرأة." دخلت العبارة إلى صدر سرين كضربة. "ماذا قلتِ؟" "كنتِ..." توقفت نوال، ثم أكملت بصوت أثقل من قبل، "كنتِ نصف غائبة، نصف ميتة من الداخل، ولو رأيتِها في ذلك الوقت—" "لا تجرؤي." خرجت الكلمات من فمها ببطء، لكن كل حرف منها كان مسنونًا. "لا تجرؤي على بناء مبرر واحد فوق هذا." صمتت نوال. "ماذا فعلتِ؟" "أنقذت ما أمكن." "ممن؟ مني؟" "من الفضيحة. من الرجل. من العائلة. من انهيارك. من كل شيء كان سيحطمك." ضحكت سرين مرة ثانية، لكن الضحكة كانت أشبه بشيء ينكسر. "ومن قال إنك نجحتِ؟" مرت ثوانٍ ثقيلة. ثم جاء صوت نوال على نحو لم تعهده فيه من قبل، أقل صلابة، أقل غرورًا، وأكثر تعبًا: "أنا لا أطلب منك أن تفهمي الآن. فقط اسمعيني جيدًا. إذا بقيت الطفلة معك، سيعود هو." تصلبت كل عضلة في جسدها. "من؟" "الرجل الذي لم يمت في داخلك يومًا." نظرت سرين إلى الفراغ أمامها. الغرفة البيضاء. الباب الأبيض. اليد التي دفعت الباب. الخاتم الفضي. وصوت الرجل الذي يناديها: سيرو. خرج الاسم من فمها قبل أن تقرر نطقه: "فارس؟" في الطرف الآخر من الخط، حدث شيء صغير جدًا لكنه حاسم. صمت نوال لم يكن إنكارًا هذه المرة. كان اعترافًا مذعورًا. "لا..." قالتها أخيرًا، لكن النفي جاء ضعيفًا ومكسورًا. "لا أدري إن كان يجب أن تعرفي الآن." شعرت سرين بأن قلبها بدأ يضرب بقوة مختلفة. فارس. الاسم عاد ثانية. ليس فقط من داخل الحلم أو من تحت الذاكرة، بل من فم الصمت نفسه. "أين هو؟" "لا أعرف." "كذبة." "صدقيني هذه المرة." "أنتِ لا تملكين هذا الحق." "أنا لم أملكه يومًا." أدهشها الجواب. لثانية، بدت نوال كأنها امرأة أخرى. لا تلك التي تأمر، ولا تلك التي تخفي، بل امرأة تقف فوق خرابها هي أيضًا. لكنها لم تسمح لذلك الضعف أن يلينها. لا الآن. "إذا عاد فارس..." توقفت قليلًا قبل أن تكمل. "هل يعرف؟" لم تُجب نوال مباشرة. "هل يعرف بشأن الطفلة؟" "كان يعرف شيئًا." "أي شيء؟" "ما يكفي ليبحث، لا ما يكفي ليجد." ارتجفت يد سرين على الهاتف. "متى؟" "منذ سنوات." "وسكت؟" "ولم يكن وحده من سكت." ساد الصمت. كل خيط في الرواية صار يحمل اسمًا أو وجهًا أو ذنبًا. وفجأة، لم يعد فارس مجرد رجل من الماضي. صار احتمالًا حيًا، ثقيلًا، يقف خلف باب لم يُفتح بعد. سألتها سرين بصوت أبرد: "هل أرسلته إليّ؟" "لو كنت قادرة على إرساله إليك، لفعلت منذ زمن." ثم أضافت، بعد لحظة: "لكنني لم أره منذ أشهر." لم تعرف لماذا صدقتها في هذه الجملة تحديدًا. ربما لأن الكذب فيها لم يعد ضروريًا. ربما لأن نوال بدت لأول مرة وكأنها لا تسيطر على اللوحة كما اعتادت، بل تركض خلفها. "أريدك هنا." قالت نوال أخيرًا. "أريد أن أراكما أمامي." نظرت سرين إلى سديم، ثم إلى الحقيبة في الخزانة، ثم إلى النافذة، ثم عادت إلى الهاتف. "لن أجيء." "سرين—" "إذا أردتِ الكلام، ستأتين إليّ أنتِ. وحدك." "هذا مستحيل." "إذًا ابقي مكانك." وأغلقت الخط. بقيت ممسكة بالهاتف، تنظر إلى الشاشة السوداء. لم ترفع رأسها فورًا. كانت تحتاج إلى ثانية أو اثنتين لتفهم أنها فعلت ذلك فعلًا. أغلقت الخط في وجه نوال، وربما للمرة الأولى وهي تحمل في يدها جزءًا من السلطة التي بقيت والدتها تمارسها عليها طوال حياتها. "فارس." قالت سديم الاسم كأنها تلمسه للمرة الأولى. رفعت سرين رأسها ببطء. "هل تعرفينه؟" هزت الصغيرة رأسها. "لكن الحلم يعرفه." شعرت سرين أن الكلمة نفسها تغيّر حرارة الغرفة. "كيف؟" "عندما تكونين خائفة... يأتي اسمه." تجمدت. "من قال لكِ هذا الاسم من قبل؟" "لا أحد." أغمضت سرين عينيها لثانية. لم تعد تعرف إن كانت الكلمة خرجت من ذاكرتها إلى فم الطفلة أم من الطفلة إلى ذاكرتها. الحدود تكسرت تمامًا. سحبت نفسًا بطيئًا، ثم نهضت من مكانها. كانت بحاجة إلى حركة. إلى شيء تقوم به بيديها حتى لا تغرق بالكامل. "سنأكل شيئًا أولًا." نظرت إليها سديم، وكأنها تعرف أن القرار ليس عن الطعام بل عن النجاة من الانهيار. ذهبت سرين إلى المطبخ، فتحت الثلاجة، أخرجت بعض الجبن والخبز والفواكه من غير أن تفكر فعلًا بما تختار. بدأت ترتب كل شيء على الطاولة بطريقة آلية. حين عادت سديم وجلست على الكرسي الصغير المقابل للمطبخ، بدت أكثر هدوءًا مما ينبغي. وهذا أقلقها. "هل أنتِ متعبة؟" أومأت الصغيرة. "لكن لا أريد أن أنام." رفعت سرين عينيها إليها. "لماذا؟" "لأن الحلم صار قريبًا." كادت تقول لها إن الأحلام لا تستطيع أن تؤذيها هنا، لكنها لم تعد تؤمن بجملة كهذه. ليس بعد كل ما رأته وسمعته. "لن تنامي وحدك." "وأنتِ؟" "لن أنام الآن." سكتت سديم لحظة، ثم سألت: "إذا جاء فارس... هل ستخافين؟" ثبتت يد سرين على حافة الطبق. "لا أعرف." "أنا لا أظنه سيخيفني." رفعت بصرها إليها. "لماذا؟" فكرت الطفلة قليلًا، ثم قالت: "لأن صوته في الحلم لا يؤذي. هو فقط... متأخر." دخلت الجملة إلى قلبها مباشرة. متأخر. نعم. حتى في الذاكرة، حتى في الخيال، حتى في الاسم، كان فارس متأخرًا دائمًا. جلست هي أيضًا أخيرًا. حاولت أن تأكل. لم تستطع إلا لقيمات قليلة. أما سديم فكانت تأكل بصمت، ببطء، كما لو أنها تعلّمت أن تجعل نفسها غير مرئية وهي تفعل الأشياء الأساسية. "هل كان أحد يمنعك من الكلام؟" سألتها سرين فجأة. رفعت الطفلة نظرها. "أحيانًا." "كيف؟" "إذا سألت كثيرًا، يغضبون." "ومن هم؟" "المرأة. والرجل. وأحيانًا غيرهم." "غيرهم من؟" "أشخاص يأتون ويرحلون." "إلى البيت الأخضر؟" أومأت. "هل كان هناك أحد يعرفك هناك باسم آخر؟" هزت الصغيرة رأسها. "فقط سديم." "ومن سماك بهذا الاسم؟" "هي." "المرأة؟" أومأت ثانية. "إذًا ربما اسمك ليس سديم." انخفض بصر الصغيرة إلى الطبق. "أعرف." توقفت سرين عن الحركة. "ماذا؟" "أعرف أن عندي اسمًا آخر." شعرت بقشعريرة تسري في ذراعيها. "ما هو؟" رفعت الطفلة عينيها إليها ببطء. "لا أعرفه كاملًا." "لكن؟" "كنت أسمعه وأنا صغيرة جدًا... ثم اختفى." أصبح نفس سرين أثقل. "ما الذي تتذكرينه منه؟" سكتت سديم لحظة طويلة، كأنها تحاول أن تمسك بحافة صوت بعيد. "كان يبدأ بحرف... لام أو راء. لا أعرف." ضاقت عينا سرين قليلًا. لم يكن هذا كافيًا لشيء. ومع ذلك، ترك أثرًا غريبًا فيها، كأن اسمًا قديمًا جدًا كان يحوم قريبًا من الوعي ولا يريد النزول. بعد الطعام، جمعت الأطباق بسرعة وأعادتها إلى المطبخ. لم تكن تريد أن تترك البيت يغرق في الفوضى، ولو على مستوى بسيط. الترتيب كان الشيء الوحيد الذي ما يزال بيدها. وعندما عادت، وجدت سديم واقفة قرب النافذة، تزيح الستارة بسنتمترات قليلة وتنظر إلى الخارج. "ابتعدي عن النافذة." قالتها أسرع من المعتاد. ابتعدت الطفلة فورًا، دون نقاش. لكنّها قالت بصوت خافت: "هناك سيارة." تجمدت سرين. اقتربت بحذر من جانب النافذة، دون أن تقف مباشرة أمامها. نظرت من الحافة. سيارة سوداء متوقفة على الجهة المقابلة من الشارع، عند الرصيف البعيد. ليست السيارة نفسها التي كانت هناك سابقًا على الأرجح، أو ربما هي. لم تعد واثقة من قدرتها على التمييز. نوافذها الأمامية معتمة جزئيًا. لا شيء يتحرك داخلها. "هل كانت هناك قبل قليل؟" سألت الطفلة. "لا أعرف." لكنها في الحقيقة شعرت بأنها رأت شيئًا مشابهًا عند دخولها. هذا وحده يكفي. أخرجت هاتفها وفتحت رقم المتابعة الخاص بالمركز. ترددت لحظة، ثم أرسلته نصًا قصيرًا: هناك سيارة مشبوهة متوقفة قرب المنزل منذ دقائق. أحتاج دورية تمر على العنوان. وضعت الهاتف على الطاولة، ثم التفتت إلى سديم. "سنبتعد عن الواجهة الأمامية." أخذت الحقيبة من الخزانة مجددًا، لا لأنها تحتاجها فورًا، بل لأنها لم تعد تريد أن تترك أي شيء مهم في مكان واحد بعيد عنها. وضعتها قربها. المفتاح الصغير. الصورة. الرسالة القديمة. قطعة الشال. الأشياء كلها صارت جزءًا من الوضع الأمني للبيت بطريقة عبثية، لكنها حقيقية. مرّت دقائق بطيئة. لم تأتِ رسالة من الشرطة بعد. السيارة بقيت في مكانها. وفجأة، اهتز الهاتف مرة أخرى. ليست الشرطة. هذه المرة، اسم غير مسجل، لكن الرقم مألوف بشكل غير مريح. ترددت ثانيتين، ثم أجابت. "نعم؟" لم يأتِها كلام أولًا. فقط صمت. ثم نفس رجالي منخفض، متقطع قليلًا، كأن صاحبه لا يعرف من أين يبدأ بعد عمر كامل من التأخر. تصلبت في مكانها. "من معي؟" بقي الصمت ثانية أطول. ثم جاءها الصوت. "سرين." فقط اسمها. لكنه كان كافيًا ليجعل الغرفة البيضاء تفتح بابها كله داخلها. تجمد الدم في عروقها. الصوت نفسه. أعمق قليلًا. أكثر تعبًا. أبطأ من ذاكرتها. لكنه هو. لم تتكلم فورًا. ولا هو. كانت سديم تنظر إلى وجهها من الطرف الآخر من الصالة، تعرف أن شيئًا ما يحدث. تعرف أكثر من ذلك ربما. "من هذا؟" همست الصغيرة. لم تستطع سرين أن تجيبها. لأن الرجل على الطرف الآخر قال أخيرًا، بصوت مبحوح خافت، كأنه يلمس جرحًا قديمًا وهو يتكلم: "لا أملك حق الاتصال بكِ بعد كل هذا... لكن قيل لي إن الطفلة عندك." انقبض صدرها بقوة. "فارس." نطقته هذه المرة كحقيقة، لا كخمين. في الطرف الآخر، ساد الصمت لحظة، ثم سمعت زفرة تشبه انكسارًا صغيرًا. "إذًا تذكرتِ اسمي." أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتهما. لم تتذكره كاملًا. الاسم هو الذي تذكرها. "أين أنت؟" "قريب." رفعت رأسها تلقائيًا نحو النافذة. "لا تتحركي." قالها بسرعة، ثم خفف صوته. "لا تذهبي إلى الباب الآن." شعرت بالتوتر يضرب كل أعصابها. "أنت خارج البيت؟" "منذ عشر دقائق." نظرت إلى السيارة السوداء. "في السيارة؟" "نعم." ثبتت نظرتها عليها. لم يعد الزجاج المعتم مجرد شيء مشبوه. صار بابًا بين حاضرها وماضٍ ينتظر في الجهة الأخرى. "لماذا لم تنزل؟" سكت لحظة. "لأنني لم أعرف إن كنتِ ستغلقين الباب في وجهي قبل أن تريني." دخلت الجملة إلى قلبها على نحو مؤلم. لكن الألم لم يكن حبًا، ولا حنينًا، ولا حتى غفرانًا. كان أشبه بشيء أقدم وأقسى: إدراك أن هذا الرجل، بصوته فقط، يعرف مكانًا في داخلها لم يقدر أحد على محوه كاملًا. "ماذا تريد؟" "أن أراها." نظرت إلى سديم. الصغيرة ما تزال واقفة، عينها على الهاتف وعليها معًا. "لماذا؟" "لأنني أبحث عنها منذ ثماني سنوات." اختفى الهواء من الغرفة للحظة. "ما الذي تعرفه؟" "أكثر مما تريد أمك أن أقول." اغمضت عينيها بسرعة. حتى الآن، حتى بعد كل شيء، ما تزال نوال بينهما. "لا تذكرها." "لا أستطيع أن أذكر شيئًا دون أن أصل إليها." ثبتت يدها على الهاتف. "هل هي...؟" لكن السؤال لم يخرج كاملًا. لم تستطع. في الطرف الآخر، جاءها صوته أخفض، وأكثر صدقًا من أن تحتمله بسهولة: "افتحي الباب يا سرين. فقط هذه المرة... افتحيه قبل أن يضيع منا شيء آخر." نظرت إلى سديم. كانت الصغيرة قد اقتربت خطوة دون أن تشعر. وفي عينيها توتر لا يشبه خوفها من الرجل الآخر، بل ترقبًا مشوبًا بشيء أعرف من الشرح. شعرت سرين أن كل ما بنته من مقاومة طوال الساعات الماضية يضعف أمام هذه اللحظة. ذهب عقلها إلى الغرفة البيضاء. إلى اليد التي دفعت الباب. إلى الصوت الذي ناداها. إلى الطفل الملفوف بقماش عاجي. إلى الصمت الطويل. إلى التأخر كله. أنزلت الهاتف ببطء عن أذنها، ولم تغلق المكالمة. مشت نحو الباب الأمامي خطوة خطوة، وكل عضلة فيها مشدودة. سديم لحقتها دون كلام. عندما وصلت، وضعت يدها على القفل. لم تفتحه فورًا. سمعت نفسها تتنفس. سمعت أنفاس الطفلة خلفها. وسمعت في الهاتف صمت فارس، كأن الرجل نفسه يقف على الطرف الآخر من الزمن كله، لا من الخط فقط. فتحت القفل الأول. ثم الثاني. ثم سحبت الباب ببطء. كان فارس واقفًا عند نهاية الممر الحجري القصير، لا عند العتبة. كأنه لم يرد أن يقتحم حتى هذا القدر من المسافة دون إذن كامل. رأته أولًا كرجل غريب يحمل ملامح التعب أكثر مما يحمل ملامح الذكرى. أطول قليلًا مما احتفظت به ذاكرتها. أكتافه أعرض، لكن منحنية من ثقل غير مرئي. شعره الأسود خالطه الشيب عند الصدغين. لحيته خفيفة غير مرتبة تمامًا. وفي وجهه شيء تحطم ثم أعيد جمعه على عجل. لكن عينيه... عينيه كانتا الشيء نفسه. الشيء الوحيد الذي بقي يعرفها قبل أن تعرفه. رفع نظره إليها أولًا. ولثانية كاملة، بدا كأنه نسي كيف يتكلم. كانت الصدمة على وجهه حقيقية، خام، لا أثر فيها لتمثيل أو حساب. ثم انتقل نظره إلى الخلف، إلى سديم الواقفة قرب ساق سرين. وعندها حدث ما لم تستطع أن تنكره حتى لو أرادت. تغير وجه فارس بالكامل. ليس دهشة عابرة. ليس شكًا. بل صدمة حقيقية مزقت ما تبقى من ثباته. فتح فمه قليلاً، ثم انغلق دون صوت. حدق في الطفلة كما لو أنه يرى جرحًا قديمًا خرج من القبر ومشى حتى عتبة البيت. ثم عاد بنظره إلى سرين. وكان في عينيه من الرعب، والذهول، واليقين الموجوع... ما جعلها تعرف قبل أن ينطق: هو لم يأتِ ليرى طفلة غريبة. هو جاء لأنه عرفها.مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي
جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:
لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا
في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت
لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو
لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم
تجمدت سرين مكانها لحظة واحدة فقط، ثم تحرك جسدها قبل أن يلحقه عقلها. التفتت نحو الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية، وسمعت الصوت مرة ثالثة، أقرب وأوضح، كأن شيئًا صلبًا ارتطم بالزجاج أو أُلقي عليه من الخارج. لم يكن مجرد تحذير هذه المرة. كان اختبارًا للحدود."ابقَي هنا." خرج صوتها منخفضًا وحادًا.لكن سدي
توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن
بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه
بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي







