Masukبقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.
لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه. رفعت بصرها ببطء عن الهاتف. كانت سديم ما تزال واقفة عند باب السيارة، تنظر إليها. لم ترَ الصورة، لكن شيئًا في وجه سرين أخبرها أن العالم تبدل مرة أخرى. "ماذا حدث؟" خرج صوت الطفلة خافتًا، لكنّه وصل كأنه طُرح من مكان أقرب من المسافة بينهما. أغلقت سرين الشاشة فورًا، لا لأنها أرادت إخفاء الحقيقة عنها، بل لأنها لم تستطع بعد احتمال النظر إلى الصورة ثانية. لم تكن جاهزة للاعتراف بأي شيء، حتى داخل رأسها. كل ما كانت تعرفه أن هناك رضيعًا في حضنها يومًا ما، في غرفة مستشفى، وشالها يلفه، ووالدتها تحتفظ بهذه الصورة منذ زمن لا تعرفه... ولم تقل كلمة. "اركبي." قالتها بسرعة أكثر من اللازم. نظرت إليها سديم لثانية، ثم ركبت من دون اعتراض. أغلقت الباب الخلفي، مشت إلى مقعدها، جلست، وأبقت الهاتف في حضنها دون أن تشغل المحرك فورًا. كانت تحتاج إلى لحظة واحدة فقط لتفكر. لكنها لم تحصل عليها. اهتز الهاتف مرة أخرى. رسالة ثانية من نوال. هذه المرة عنوان فقط. اسم منطقة قديمة في طرف المدينة، مع إشارة إلى بناء منخفض قريب من مستوصف متروك. لا تفسير. لا كلمة إضافية. فقط العنوان. شدت سرين أصابعها حول المقود. لم تعد تعرف إن كانت تتحرك بدافع العقل أم بدافع شيء آخر بدأ يستيقظ داخلها من غير استئذان. الذهاب إلى البيت يبدو طبيعيًا وآمنًا من الخارج، لكن هل بقي شيء طبيعي أصلًا؟ البيت صار معروفًا لمن يراقبها. الشرطة تعرف بوجود سديم. نوال تعرف. شخص مجهول يعرف. وكل طريق صار يحمل تهديدًا لا اسم له. أدارت المحرك أخيرًا. "إلى أين سنذهب؟" سألت سديم من الخلف. كان يمكن أن تكذب. كان يمكن أن تقول إلى البيت. لكنها لم تفعل. "إلى مكان أحتاج أن أراه." "المكان الذي في الصورة؟" تصلبت يدها على المقود. رفعت عينيها إلى المرآة الأمامية. سديم كانت تحدق بها من الخلف. "من قال لك إنها صورة؟" أخفضت الطفلة رأسها قليلًا. "وجهك حين رأيتها." لم تجب. اكتفت بالانطلاق. المدينة في هذا الوقت من الصباح كانت في منتصف تحوّلها بين هدوء الساعات الأولى وضجيج النهار. السيارات بدأت تزداد. الإشارات تمتلئ. الوجوه خلف الزجاجات تمر بلا معنى. لكن سرين لم تكن ترى شيئًا بوضوح كامل. كانت تقود بشكل آلي تقريبًا، بينما عقلها عالق في صورتين: صورة الرضيع في حضنها، وصمت نوال حين سألتها: هل هي ابنتي؟ كلما حاولت أن تبني تفسيرًا معقولًا، انشقت التفسيرات من الداخل. لو كانت قد أنجبت، كيف لا تتذكر؟ ولو كانت لا تتذكر، كيف بقيت الصورة؟ ولماذا لم يُبحث عن الطفلة؟ ولماذا يشعر جزء منها، صغير وخائن، أن كل هذا ليس مستحيلًا كما كان قبل ساعات؟ وصلت إلى الحي المذكور بعد حوالي نصف ساعة. كان أقدم بكثير من المنطقة التي تسكنها. أبنية منخفضة، واجهات باهتة، شرفات ضيقة، وصيدلية مغلقة عند الزاوية. على الجانب الآخر من الشارع ظهر بناء صغير بلون أبيض قديم مائل إلى الاصفرار، نصف لافتته سقطت، والنصف الآخر بالكاد يُقرأ عليه اسم لمستوصف خاص أُغلق منذ سنوات. توقفت سرين على مسافة قصيرة منه. شعرت بشيء غير مريح في صدرها فور أن وقع نظرها على الباب الزجاجي القديم والنافذة الجانبية الضيقة. ليس لأنها تتذكر المكان بوضوح، بل لأن جسدها فعل. ظهر ذلك أولًا كتوتر في رقبتها، ثم في ثقل غامض في معدتها، ثم في تسارع غير منطقي للنبض. "لا أحب هذا المكان." قالت سديمها من الخلف. التفتت إليها سرين. "هل كنتِ هنا؟" هزت الصغيرة رأسها ببطء، ثم أضافت: "لكنني أعرف الرائحة." فتحت سرين الباب ونزلت. كان الهواء هنا مختلفًا؛ محملًا بغبار قديم ورائحة جدران مغلقة طويلًا. دارت حول السيارة وفتحت الباب الخلفي. نزلت سديم ببطء، وقفت قريبة منها جدًا، وكأن قربها ضرورة لا اختيار. رفعت سرين نظرها إلى البناء مرة أخرى. الباب الخارجي مقفل بسلسلة صدئة، لكن السور الجانبي منخفض نسبيًا، وهناك مدخل جانبي ضيق يقود إلى ممر خلفي. مشت نحوه ببطء، تتحسس أثرًا لا تعرف إن كانت تبحث عنه في الجدران أم في نفسها. على الجدار الخلفي، قرب نافذة صغيرة مكسورة من زاوية واحدة، كانت هناك بقعة دهان أحدث من حولها، كأن أحدًا حاول إخفاء شيء أو إصلاح أثر قديم. لم يكن المشهد واضح المعنى، لكنه زاد شعورها بأن المكان لم يُترك تمامًا للنسيان. "ارجعي إلى السيارة." قالتها سرين وهي تنظر حولها. "لا." التفتت إليها. "هذا ليس طلبًا." "وأنا لا أريد البقاء وحدي." ثبتت نظرها فيها لحظة، ثم زفرت ببطء. لم تعد تملك طاقة للدخول في معارك مع طفلة لا تفهم الخوف كما تفهمه هي. أو ربما تفهمه أكثر. اقتربت من النافذة الجانبية. كان الزجاج المتبقي مكسور الحواف، والمعدن البارد حوله متآكلًا. نظرت من خلال الفتحة. ظلام، غبار، ممر ضيق، وباب داخلي أبيض مائل إلى الرمادي. لا شيء واضح. لا شيء سوى الصمت. لكن شيئًا ما حدث حين ثبتت عينيها على الباب الأبيض. لم تكن ذكرى كاملة. لم تكن صورة واعية حتى. كانت ضربة داخلية مفاجئة، كأن جسدها قفز إلى الخلف دون أن يتحرك. غرفة بيضاء. ضوء قاسٍ فوق الرأس. صوت بكاء بعيد. ثم فراغ. ارتدت خطوة إلى الخلف بسرعة حتى كادت تصطدم بسديم. وضعت يدها على الجدار. كان تنفسها أسرع مما يجب. "ما بك؟" سألتها الصغيرة. "لا شيء." لكن جسدها كان يكذبها. أغمضت عينيها لثانيتين. وعندما أغمضتهما، عاد شيء آخر. هذه المرة لم يكن مجرد ضوء. كان سريرًا معدنيًا. ستارة نصف مسحوبة. وبكاء رضيع حاد، متقطع، يدخل في العظم. وصوت رجل، بعيد قليلًا، مبحوح، يصرخ باسمها: "سيرو!" فتحت عينيها بعنف. ارتجفت ركبتاها للحظة. "ما بك؟" سألتها سديم مرة أخرى، أقرب الآن. نظرت إليها سرين، لكنّها لم ترها كاملة للحظة. كان المشهد يتداخل. وجه طفلة بعمر ثماني سنوات. ثم فجأة، لفافة قماش صغيرة. ثم بياض. ثم دمعة لا تعرف هل نزلت الآن أم في مكان آخر وزمن آخر. أبعدت يدها عن الجدار، التفتت بسرعة، وعادت إلى السيارة. فتحت الباب الأمامي وجلست، كأنها تهرب من البناء أكثر مما تعود إلى أمان. لحقت بها سديم بعد ثوانٍ، دخلت إلى الخلف بصمت هذه المرة، ولم تسأل شيئًا. بقيت سرين تحدق أمامها. كان الزجاج الأمامي يعكس الشارع والسماء، لكن ما رأته فعليًا كان خلف عينيها، لا أمامها. غرفة بيضاء. بكاء رضيع. وصوت رجل. رفعت يدها إلى رأسها وضغطت عند الصدغين. لماذا هذا المكان؟ لماذا الآن؟ ولماذا عاد الصوت باسمها القديم تحديدًا؟ لم يقل "سرين". قال "سيرو". كما لو أن كل شيء الليلة يصر على جرّها إلى ذلك الاسم، إلى تلك النسخة القديمة منها التي دفنتها منذ زمن، أو ظنت أنها دفنتها. "هل تتذكرين؟" جاء صوت سديم هذه المرة ناعمًا جدًا، لكنه أصابها كصفعة. التفتت نحوها ببطء. كان السؤال بسيطًا. لكنّه حمل كل ما تخشاه. "لا أعرف." قالتها بصدق هذه المرة، لا كإنكار. ظلت الصغيرة تنظر إليها طويلًا، ثم همست: "أحيانًا يبدأ التذكر مثل الحلم." دخلت الجملة إلى صدرها ببطء خطير، لأنها كانت صحيحة على نحو لا يريحها. الحلم. نعم. هذا ما شعرت به. ليس ذاكرة كاملة يمكن لمسها، ولا خيالًا صرفًا يمكن نفيه. شيء بينهما. شيء يقترب حين تغفل، ثم يهرب قبل أن تراه واضحًا. تحرك هاتفها من جديد في يدها. نظرت إلى الشاشة. ليس من نوال هذه المرة. رقم مجهول آخر. فتحت الرسالة. لا تدخلي المكان. لقد دفنّا ما يكفي هناك. جمدت الرسالة الدم في عروقها. رفعت رأسها فورًا نحو المستوصف القديم. لا أحد ظاهر. لا سيارة. لا ظل عند الزاوية. ومع ذلك، من أرسل يعرف أين هي الآن. يعرف أنها وصلت. يعرف حتى أنها قد تحاول الدخول. نظرت إلى المرآة. لا شيء خلفها غير شارع هادئ نسبيًا. "هم يعرفون." قالتها سديم بصوت خافت. "من؟" "الذين يراقبون." أغلقت سرين الهاتف ببطء. لم تعد الصدمة هي المسيطرة الآن. صار هناك شيء آخر. غضب أعمق، أهدأ، أخطر. أحدهم يتحكم بخطواتها، يوجهها، يهددها، يفتح لها نصف باب ثم يمنعها من دخوله. ولم تعد تحتمل ذلك. أعادت تشغيل السيارة، لكنها لم تنطلق فورًا. بقيت للحظة تراقب المبنى. ثم قالت من غير أن تنظر إلى الخلف: "هل قلتِ يومًا إنكِ رأيتِ هذا المكان؟" "لا." "هل شممتِ رائحته فقط؟" "أحيانًا تأتي في النوم." التفتت إليها هذه المرة. "في النوم؟" أومأت سديم. "أرى غرفة بيضاء." توقف كل شيء داخلها. "ماذا قلتِ؟" "غرفة بيضاء." "وماذا فيها؟" ترددت الصغيرة، ثم قالت: "لا أراها كاملة. فقط الضوء... وصوتي." شعرت سرين بأن جسدها كله برد فجأة. "صوتكِ؟" "عندما كنت صغيرة." قبضت على المقود حتى آلمتها الأصابع. هذا لم يعد مجرد تقاطع عشوائي بين أوهام طفلة وإرهاق امرأة. هناك شيء يتكرر. الغرفة البيضاء. البكاء. الخوف. الاسم القديم. وحتى الرائحة. انطلقت بالسيارة أخيرًا، مبتعدة عن المبنى، لكنها لم تتجه إلى البيت. لم تكن قادرة. كانت تحتاج إلى مكان محايد، مغلق، لا يحمل لها ذكريات جاهزة. دخلت أول شارع أوسع، ثم توقفت أمام مقهى صغير شبه فارغ عند طرف المنطقة. طلبت كوب ماء، وجلست في زاوية بعيدة نسبيًا عن الناس، وسديم أمامها على المقعد المقابل. كان المكان هادئًا بشكل يناسب الإنهاك أكثر مما يناسب الحديث. لكن الحديث جاء على أي حال. "أريدك أن تخبريني كل ما تعرفينه عن الغرفة البيضاء." نظرت سديم إلى الطاولة قليلًا، ثم رفعت عينيها. "ليس كثيرًا." "قولي ما تتذكرينه." "الضوء قوي. وأنا أبكي. وهناك امرأة لا تريدني أن أبكي." شعرت سرين بأن حلقها جف فجأة. "هل رأيتِ وجهها؟" هزت الصغيرة رأسها. "لا. فقط يدها." "وغيرها؟" "أسمع صوت رجل." تصلبت. "ماذا يقول؟" "اسمًا." "أي اسم؟" ترددت لحظة، كما لو أنها تعرف وزن السؤال، ثم قالت: "سيرو." أطبقت سرين على الكوب الزجاجي بيدها حتى شعرت أنه قد ينكسر. "هل تسمعينه كثيرًا؟" "ليس دائمًا. فقط عندما أحلم." "ومتى بدأ هذا الحلم؟" "منذ وقت." "منذ كنتِ صغيرة جدًا؟" أومأت. أرادت أن تسأل سؤالًا آخر، لكن شيئًا ما كان قد بدأ يتحرك في داخلها من جديد، بلا إذن. لم يكن الحلم هذه المرة داخل النوم، بل في اليقظة. صورة خاطفة ارتسمت في ذهنها ثم امتدت قليلاً. غرفة بيضاء فعلًا. هي على سرير. ذراعها ثقيلة. فمها جاف. هناك ألم خافت لا تعرف موضعه. وبكاء. قريب. قريب جدًا. تريد أن ترفع رأسها، لكن امرأة تقول بنبرة صارمة: "اهدئي. لا تنظري الآن." ثم صوت رجل ينفجر غضبًا في الخلفية: "أبعديها عنها!" ثم اسمها. "سيرو!" شهقت سرين بخفة، وأسقطت عينَيها إلى الطاولة. الماء ارتج في الكوب بسبب يدها. "سرين؟" كان صوت سديم الآن حذرًا، خائفًا عليها هي. رفعت وجهها ببطء. "أظن أنني رأيت شيئًا." اتسعت عينا الصغيرة. "ماذا؟" هزت رأسها. لم تكن مستعدة لصياغته. لأنها لو صاغته سيصبح أكثر حقيقة. "لا أعرف إن كان حقيقيًا." "لكنه عاد." نظرت إليها. "نعم." ساد صمت قصير، ثم مالت سديم للأمام قليلًا، وهمست: "كنت أقول إنك ستتذكرين." هذه الجملة تحديدًا، بهذه الثقة الهادئة، كان ينبغي أن تدفعها للغضب مجددًا. لكنها لم تفعل. لأن الغضب صار أضعف من الرعب. ولأن جسدها لم يعد ينكر ما يفعله المكان، والاسم، والصورة، والصوت. أخرجت هاتفها من جديد وفتحت الصورة التي أرسلتها نوال. نظرت إليها هذه المرة أطول. لم تعد ترى نفسها فقط. بدأت تلاحظ التفاصيل حولها: إطار سرير معدني أبيض. ستارة خضراء فاتحة عند الحافة. لوحة صغيرة على الجدار لا تُقرأ بوضوح. وطرف معطف رجالي داكن على يمين الصورة، كما لو أن أحدًا كان واقفًا قرب السرير حين التُقطت. هل كان هو الصوت؟ هل كان الرجل الذي ناداها؟ فارس؟ لا، لماذا قفز الاسم إلى ذهنها الآن؟ لم ترَ وجهًا. لم ترَ شيئًا يبرر الاسم. لكنه جاء كما تأتي بعض الحقائق المؤجلة: بلا دعوة. ارتفع النبض في عنقها. فارس. لم تره منذ ظهوره الليلة الأولى أمام بيتها إلا كجزء من الصدمة. لم تمنحه المساحة التي يستحقها في هذا الجنون، لأنه جاء في لحظة مزدحمة أكثر من اللازم. لكن الآن، مع الغرفة البيضاء وصوت الرجل، عاد الاسم. لا كحل، بل كخيط. أغلقت الصورة، ثم كتبت لنوال رسالة قصيرة: هذه صورة من مستشفى. من الرجل الذي كان هناك؟ انتظرت. لا رد. كتبت ثانية: إن لم تجيبي الآن، سأفعل أنا ما أراه مناسبًا. ما زال لا رد. وضعت الهاتف مقلوبًا على الطاولة. ثم رفعت رأسها إلى سديم. "هل كنتِ ترين هذا الحلم بعد أن مرضتِ؟ بعد أن خفتِ؟ أم دائمًا؟" "عندما أشم رائحة دواء." عادت الجملة إلى المستوصف القديم مباشرة. "وهل هناك شيء آخر في الحلم؟ لون؟ صوت؟ كلمة؟" فكرت الصغيرة قليلًا. "قطعة قماش." انقبضت أصابع سرين على حافة الطاولة. "أي لون؟" "فاتح." "مثل ماذا؟" نظرت سديم إلى كم القميص الذي ترتديه، ثم هزت رأسها. "أفتح. ومعه خيط أزرق." خفضت سرين عينيها ببطء. الشال. لم تقل شيئًا. لم تستطع. مرّت لحظات ثقيلة. كانت أصوات المكان من حولهما بعيدة، كما لو أنهما داخل فقاعة مغلقة. رجل في الطاولة الأخرى يقلب الجريدة. ماكينة قهوة تصدر صوتًا متقطعًا. باب يُفتح ويغلق. الحياة تستمر، بينما حياتها هي تنزلق إلى طبقة أخرى لم تستعد لها يومًا. وأخيرًا، رن الهاتف. التقطته بسرعة. رسالة صوتية من نوال. ترددت ثانية قبل أن تضغط التشغيل. جاءها صوت والدتها منخفضًا، متحفظًا، كأن كل كلمة تُنتزع منها: "لا أستطيع أن أشرح كل شيء في تسجيل. لكن الرجل الذي كان هناك... لم يكن غريبًا عنكِ. وإذا بدأت الأحلام تعود، فهذا يعني أن الوقت انتهى. لا تذهبي إلى البيت وحدك. ولا تدعي الطفلة تنام اليوم قبل أن تعرفي ما الذي تخشاه في نومها." توقف التسجيل. ظلت سرين تحدق في الهاتف. إذا بدأت الأحلام تعود. إذًا نوال كانت تعرف. تعرف أن هناك أحلامًا ستعود. تعرف أن هناك ذاكرة مدفونة. تعرف أنها ليست مجرد احتمالات. "ماذا قالت؟" سألت سديم. رفعت سرين رأسها، وعيناها أثقل مما كانت عليهما قبل ساعة. "قالت إن النوم سيعيد شيئًا." انخفضت ملامح سديم قليلًا. "أنا لا أحب النوم عندما يخاف الحلم." الكلمات كانت طفولية في شكلها، لكنها أصابت هدفها بدقة. الحلم يخاف. أو ربما هي التي تخافه. أو كلاهما. خرجتا من المقهى بعد قليل. لم تذهب إلى البيت مباشرة كما طلب منها عقلها أولًا. بدلًا من ذلك، اتجهت إلى متجر صغير مفتوح، اشترت ماءً وبعض الطعام الخفيف، وبطانية إضافية. لا تعرف لماذا شعرت أن الليلة القادمة ستكون أسوأ من السابقة، لكن جسدها كان يصدق ذلك بالكامل. حين عادت أخيرًا إلى السيارة، كان النهار قد ارتفع، لكن الضوء لم يبدد شيئًا. جلست، أدارت المحرك، وقبل أن تنطلق، نظرت إلى سديم في المرآة. "إذا نمتِ اليوم ورأيتِ الحلم، ستوقظينني فورًا." أومأت الصغيرة. "وأنتِ؟" سألتها سرين: "أنا ماذا؟" "إذا رأيتِه أنتِ... هل ستخبرينني؟" ساد الصمت لثانية طويلة. ثم قالت سرين، ببطء هذه المرة، وكأنها تتذوق صدق الجملة قبل أن تمنحها: "نعم." انطلقت السيارة أخيرًا نحو البيت. لكن طوال الطريق، لم تفارقها الصور التي بدأت تتفتح داخلها على شكل كوابيس يقظة. كل شارع أبيض تحت الشمس أعاد لها الغرفة البيضاء. كل صوت طفل بعيد أعاد لها بكاء الرضيع. وكل مرة مرت فيها بجانب مستشفى أو صيدلية أو باب زجاجي شفاف، عاد ذلك الصوت الرجالي المبحوح، أقرب قليلًا، أوضح قليلًا، مؤلمًا أكثر: "سيرو..." وعندما وصلت إلى إشارات الحي القريب من منزلها، غلبها المشهد فجأة دون تحذير. لم تعد ترى الطريق. رأت سريرًا أبيض. يدًا تحاول حمل طفل ملفوف. امرأة تصرخ: "لا، ليس الآن!" وصوت رجل يندفع من خلف الباب: "أعيدوها لي! سيرو، انظري إليّ!" شهقت بقوة وضربت الفرامل فجأة. صرخت السيارات خلفها. اهتز جسد سديم في المقعد الخلفي. لكن سرين لم تسمع شيئًا من ذلك بوضوح. كانت تحدق أمامها، والدم يهرب من وجهها، لأنها هذه المرة لم تسمع الرجل ينادي اسمها فقط... بل رأت يده تدفع الباب الأبيض بعنف، وعلى إصبعه خاتم فضي تعرفه.مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي
جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:
لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا
في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت
لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو
لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم
انفجر صوت القفل المكسور في الممر كطلق نار داخل صدر سرين.لم يكن الباب قد فُتح بعد بالكامل، لكن الخشب اهتز، وصرخت المفصلات القديمة، وعرفت في اللحظة نفسها أن الثواني لم تعد تُقاس بالكلام، بل بما يمكن أخذه قبل أن يدخل الخطر."الخلف."قالها فارس بحدة لم تستخدمها أذناه منه من قبل
ظل الباب مفتوحًا بينهما كأن الهواء نفسه توقف عند العتبة ولم يعرف إلى أي جهة يميل. فارس لم يتحرك. لم يقترب. لم يحاول حتى أن يلمس الجدار أو الدرابزين أو أي شيء يثبت به نفسه. فقط وقف في مكانه، وعيناه تنتقلان بين وجه سرين ووجه سديم كما لو أن الزمن
توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن
بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي







