Se connecter(1)
الظلام لم يكن نهائياً. كان ثقيلاً. كثيفاً. كالطين يملأ العينين والأذنين والفم. لكن في ثناياه... كانت هناك بقعة ضوء. بعيدة. خافتة. تتلألأ وتختفي كالنجم في ليلة مغيمة. عمر حاول أن يتحرك. لكن جسده لم يستجب. كان ثقيلاً. كأنه مصنوع من رصاص. رأسه يؤلمه. يؤلمه بعنف. كأن أحداً يضربه بمطرقة من الداخل. يضرب ويضرب ولا يتوقف. تذكر. الصوت. القبضة. الظلام. يوسف. فتح عينيه بصعوبة. الرؤية كانت ضبابية. مزدوجة. يرى اثنين من كل شيء. اثنان من السرير الأبيض. اثنان من الصور المخدوشة. اثنان من الظلال التي تتحرك في الزاوية. ثم... تركزت. ورأى. نور. كانت واقفة. ظهرها للجدار. يوسف أمامها. المسدس في يده. لكنه لم يكن يوجهه إليها. كان يوجهه نحو الباب. نحو الظلام. نحو المكان الذي خرجت منه أمها. "إخرجي يا ماما العزيزة." قال يوسف. صوته عذب. سام. "خلاص الوقت. هنخلص اللعبة." صمت. ثم... خطوات. من الظلام. من الزاوية. الأم. كانت تخرج. ببطء. كأنها تسحب نفسها من قبر. شعرها الأبيض المنكوش يغطي وجهها. فستان الزفاف القذر يلتصق بجسدها النحيف. عيناها الحمراوان... كانت أحمر الآن. أكثر. كأن الدم قد غمرهما بالكامل. "إنت..." قالت. صوتها خشن. كالحجارة تتدحرج. "إنت ضربته." "آه. ضربته. وهقتله. زي ما قتلتِ التلاتة اللي فاتوا. بس المرة دي..." دار نحو نور. ابتسم. "...هتكون نور هي اللي عملتها. هتكون بنتكِ المجنونة. اللي قتلت جوزها الرابع. واللي قبله. واللي قبله. وفي الآخر... قتلت أخوها. عشان يمنعها." نور نظرت إليه. عيناها تحملان قتلاً صامتاً. "مش هعمل كده." "هتعملي. عشان لو مش عملتي..." أخرج هاتفه. نظر إلى الشاشة. "...الدكتور اللي عند أم صغيرنا هنا... هيحقنها بسم الفئران. وهتموت. بطيئة. مؤلمة. زي ما أمي ماتت. زي ما كل حاجة جميلة بتموت." عمر حاول أن يتحرك. رأسه يدور. الدم يسيل من صدغه. يتسلل على خده. على رقبته. على الأرضية الباردة. لكنه تحرك. ببطء. بصمت. يده اليمنى تبحث في الظلام. تبحث عن شيء. أي شيء. وجدت المقص. المقص الصدئ. المقص الذي أسقطته نور. أمسكه. بإحكام. أخفاه تحت جسده. "نور..." همس يوسف. "وقعي الورقة. وقولي إنكِ قتلتيهم. كلهم. وأنا هسامحكِ. وهسامح أمك. وهسامح أم صغيرنا. وهنعيش... سوا. زي ما كان المفروض يبقى. من الأول." مد يده الأخرى. ورقة. بيضاء. مطبوعة. نور نظرت إليها. ثم إليه. "إنت... إنت مجنون." "لا. أنا بس... بحبكِ. زي ما أبوياً كان بيحب الخادمة. زي ما كل راجل بيحب حاجة مش بتاعته. الفرق... إنني مش هاسيبكِ تمشي." نور نظرت إلى الورقة. ثم إلى عمر. إلى جسده الملقى على الأرض. إلى الدم. إلى الظلام. ثم... نظرت إلى أمها. الأم كانت واقفة. صامتة. عيناها الحمراوان تنتقلان بين ابنتها وبين يوسف. بين المسدس وبين الدم. "ماما..." قالت نور. صوتها يرتجف. "ماما... ساعديني." الأم لم تتحرك. يوسف ضحك. "ماما مش هتساعدكِ يا حبيبتي. ماما بتايعتي. من زمان. من لما خليتها تقتل أبويا. من لما علمتها إن كل راجل بيدخل حياتكِ... هو عدو." تقدم نحو نور. "وقعي." "لا." "وقعي!" صرخ. صرخة مجنونة. صرخة طفل يصرخ لأمه. صرخة رجل يعرف أنه يخسر. نور ارتجفت. لكنها لم تمد يدها. لم تأخذ الورقة. "مش هوقع. ومش هسمحلك تقتل حد تاني. مش هسمحلك... تاخد حاجة تانية مني." يوسف عيناه توسعتا. فمه ينفتح. يتنفس بصعوبة. "إنتي... إنتي اخترتيه؟ اخترتيه هو؟ الراجل اللي من الشارع؟ اللي باع نفسه بالفلوس؟" "اخترته. لأنه الوحيد اللي شافني. الحقيقية. اللي تحت القناع. اللي تحت الدم. اللي تحت... الخوف." يوسف سكت. ثم... ابتسم. ابتسامة بطيئة. ملتوية. كالشفرة. "كويس. كويس جداً. يبقى... هقتلكِ الاتنين. سوا. وأمك هتشوف. وهتفضل عايشة. مجنونة. في الظلام. في الغرفة 12. لحد ما تموت. وحيدة." رفع المسدس. وجهه نحو نور. "وداعاً يا حبيبتي." عمر تحرك. بكل ما تبقى. بكل القوة. بكل الحب. بكل الرغبة في الحياة. قفز. كالأسد. كالرعد. كالرجل الذي لا يخاف الموت. المقص في يده. يبرق في الضوء الخافت. يبرق كالعدالة. كالانتقام. كالحب الممنوع الذي يتحول إلى حرية. وطعن. طعن يوسف في ظهره. بعنف. بعمق. بكل ما تبقى. يوسف صرخ. صرخة لم يكن يعرف أنه يملكها. صرخة طفل يتألم. صرخة وحش يسقط. المسدس وقع. تدحرج على البلاط. صوته يشق الصمت. نور كانت تنظر. عيناها واسعتان. فمها مفتوح. عمر وقف. مترنحاً. يمسك المقص. يحمله كسيف. دم يوسف يسيل على فستان الزفاف الأبيض. على البلاط. على الحقيقة. نظر إلى نور. ابتسم. ابتسامة ضعيفة. لكنها حقيقية. "قلتلك... مش هسكت." ثم... سقط. عالمه أصبح داكناً. مرة أخرى. لكن هذه المرة... كانت ابتسامتها هي آخر شيء رآه. قبل أن يغمى عليه.النار كانت تتنفس. الرجل الذي يحمل قاذف اللهب كان يقف على بعد أمتار قليلة من مقدمة السيارة. المطر يتساقط على الزجاج الأمامي بغزارة، لكنه لم يكن قادراً على إخفاء ذلك الضوء البرتقالي الذي بدأ يتسلل من فوهة السلاح. ضوء يشبه العين الشريرة. يشبه الجحيم. يشبه النهاية التي تأتي بالحرق لا بالرصاص. نهاية لا تترك وجهاً ليُخدش. بل تترك رماداً. تترك فراغاً. تترك نسياناً. المحامي مد يده نحو الدرج الأمامي. يبحث بأصابع مرتعشة. يبحث عن شيء. مسدس؟ لا. كان يبحث عن هاتف. أخرجه. ضغط على زر. تحدث بسرعة. بصوت خافت لا يصل إلى الخلف: "الموقع. دلوقتي. الطوارئ. نعم... أنا اللي بلّغت من قبل. والآن هم هنا. في الشارع الفلاني. بالقرب من المستشفى القديمة." ثم نظر إلى عمر في المرآة. عيناه تلمعان بالخوف. لكن أيضاً... بالعزم الغريب. بذلك الشيء الذي يشبه الندم المقترن بالتصميم. "أنا هنزل. هتكلم معاهم. إنتوا خليكوا هنا. ومهما شوفتوا... متتحركوش." "إنت مجنون؟" عمر صرخ. صوته يملأ السيارة الصغيرة. "دول جايين يقتلوا. مش هيتكلموا. مش هيسمعوا كلام محامي." "أنا... أنا مديون للسلطان بحياتي. بس دلوقتي..." المحامي ابتسم. ا
عمر جمد. المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر. السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر. "إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة. "مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم." المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يت
الزمن توقف. الرجل القناع يقف عند الباب. مسدسه موجه نحو صدر عمر. عيناه وحيدتا ما يمكن رؤيته من تحت القناع. عينان باردةتان. لا رحمة فيهما. لا إنسانية. فقط الأوامر. فقط القتل. الظلام وراءه يبدو أعمق من ذي قبل. كأن الشيطان نفسه يدخل الغرفة. عمر لم يفكر. بغريزة. بجنون. بقلب الأسد. رمى بنفسه فوق نور. جسده فوق جسدها. يحميها بالكامل. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما تبقى من روح. "إبعد!" صرخ المقدم طارق. مد يده نحو سلاحه. لكن القناع كان أسرع. طخ. صوت الرصاصة انشق الغرفة. ارتجفت الستائر. ارتجف عمر. لكنه لم يسقط. لم يشعر بألم. نظر. المقدم طارق كان ينظر إلى صدره. إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر. إلى الدهشة التي لم يكن يعرف أنه يملكها. طخ. طخ. رصاصتان أخريان. طارق سقط. كالدمية. على الأرضية البيضاء. عيناه مفتوحتان. ينظران إلى السقف. ينظران إلى لا شيء. "لا!" صرخ المحقق رامي. انحنى خلف الكرسي. يهتز. يختبئ. يتجمد. القناع دخل. خطوة. خطوتين. المسدس لا يزال موجهاً. لكنه لم يعد يهتم برامي. يهتم فقط بالهدف. بالاثنين اللذين على السرير. بالرجل الذي يتجرأ على أن يكون درعاً. والمرأة التي يجب أن تمو
مرت أسبوع. أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي. عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال. "دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة. "مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة." أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد. "اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت." لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست: "ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين." عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل. لكنه لم ينكر
(1) الساعات كانت تمر كالسنين. عمر لم يغادر الكرسي. لم يحرك يده من يدها. كأنها قد تختفي إذا تركها. كأنها قد تطير. كأنها مجرد حلم جميل يحتاج إلى لمسة مستمرة ليبقى حقيقياً. الأطباء جاؤوا ومشوا. الممرضات غيّروا المحاليل. فحصوا العيون. سمعوا القلب. نظروا إلى الشاشات. وكل مرة كانوا يخرجون بنفس التعبير: "ننتظر." انتظار. كلمة قاتلة. كلمة تفتح جروحاً وتتركها تنزف. كلمة تجعل الوقت يتوقف ويتجمد ويتحول إلى جليد يخنق. لكنه انتظر. منذ ثلاثة أيام. أو أربعة. لم يعد يعرف. لم يعد يفرق بين الليل والنهار. بين الضوء والظلام. بين الحلم واليقظة. العالم كان قد اختزل في هذه الغرفة. في هذا السرير. في هذه اليد الباردة التي كان يدفئها بلمساته. "النهاردة... جيتلك ورد." همس. صوته خشن. متشقق. من الجفاف. من البكاء. من الصراخ الداخلي الذي لا يتوقف. أخرج وردة. وردة حمراء. طازجة. اشتراها من بائع في بهو المستشفى. رجل عجوز نظر إليه بعينين حزينتين. كأنه يعرف. كأنه رأى هذا المشهد ألف مرة. "حمرة. زي الفستان اللي لبستيه يوم الفرح. يوم اللي كنتي فيه... ملكة. وكنت أنا... مجرد راجل مش عارف حاجة." وضع الوردة على الطاول
الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



