分享

(2)

last update publish date: 2026-08-09 07:08:50

الدم كان يسيل.

دم عمر. دم يوسف. دم يلطخ البلاط الأبيض. يلطخ الصور المخدوشة. يلطخ كل شيء. كأن الغرفة نفسها تتنفس دماً. كأن الجدران كانت عطشى لسنوات. وها هي الآن تشرب. تشرب الخيانة. تشرب الحقيقة. تشرب النهاية.

نور ركعت. بجانب عمر. يداها ترتعشان. تبحث عن نبض. عن نفس. عن أي علامة على الحياة. يداه باردةتان. باردةتان جداً. كأن روحه تتسرب بين أصابعها. كأنها تحاول أن تمسك بماء.

"عمر... عمر افتح عينيك."

لم يتحرك. وجهه شاحب. شاحب كالقمر المريض. الدم يسيل من صدغه. يتسلل على خده. على رقبته. يبل قميصه الأسود. يجعله يبدو كأنه يرتدي ثوب حداد. ثوباً كان مكتوباً عليه منذ البداية.

"لا... لا تسيبني. مش دلوقتي. مش بعد كل ده."

صوتها ينكسر. دموعها تقع على وجهه. دافئة. حارة. كأنها تريد أن تُعيد الحياة إليه بحرارتها. كأن دموعها هي الدواء الوحيد. كأن حبها هو الأكسجين الذي يحتاجه للعودة.

ثم... سمعت صوتاً.

صوت خشن. صوت كالحجر يُجر على الزجاج.

يوسف.

كان يتحرك. ببطء. بصعوبة. يجر نفسه على البلاط. يترك خلفه خطاً أحمر. مقص عمر كان غارقاً في ظهره. لكنه لم يمت. لم يزل يتنفس. يتنفس بصعوبة. بغضب. بحقد. بذلك الشيء المريض الذي لا يموت بسهولة.

"إنتي..." همس. الدم يتدفق من فمه. يملأ أسنانه. يجعل كلماته حمراء. "...إنتي هتندمي. هتندمي إنكِ ما وقعتيش."

نور نظرت إليه. نظرة لا تحمل خوفاً. بل تحمل قتلاً. قتلاً صامتاً. قتلاً امرأة فقدت كل شيء. وفوجئت بأنها لا تزال تملك شيئاً واحداً: الرغبة في الحماية. الرغبة في الانتقام. الرغبة في أن تكون هي من ينهي هذا الكابوس.

"أنا مش هندم على حاجة. مش تاني."

"هتندمي... لأن أمك... هي اللي قتلتهم. كلهم. وأنا عندي الفيديوهات. والصور. والأدلة. وهتروحي السجن. وهيتحاكمي. وهتموتي... وحيدة."

نور ابتلعت ريقها. يدها تبحث في الظلام. تبحث عن المسدس. عن أي شيء يمكن أن يوقف هذا الصوت. هذا الصوت الذي استمر في إذنيها لعشرين عاماً. صوت التحكم. صوت الخوف. صوت الأخ الذي كان وحشاً.

وجدته.

كان قريباً. تدحرج بجانب سرير الموت الأبيض. بجانب البقعة الحمراء الطازجة. بجانب الحقيقة التي كان يخفيها.

مدت يدها. أمسكت به.

كان ثقيلاً. بارداً. يشبه الموت نفسه. يشبه العدالة المؤجلة. يشبه النهاية التي لا ترحم.

وقفت.

ببطء. بصعوبة. ركبتاها ترتعفان. لكنها وقفت. وقفت كامرأة. كملكة. كمن فقدت كل شيء ولا تخاف.

وجهت المسدس نحو يوسف.

"إنت... إنت اللي خليتها كده. إنت اللي جننتها. إنت اللي خليتها تقتل. إنت اللي..."

"آه. أنا. بس مين هيصدقكِ؟ مين هيصدق الست المجنونة اللي عايشة في غرفة 12؟"

يوسف ضحك. ضحكة مصحوبة بدم. بكحة. بألم. ضحكة الرجل الذي يعرف أنه يخسر. لكنه لا يزال يريد أن يجر الجميع معه إلى الهاوية.

"كل الأدلة... بتقول إنها هي. واللي ساعدها... هتكوني إنتي. لأنكِ خبيتيها. لأنكِ ساعدتيها. لأنكِ..."

توقف. سمع خطوات.

خطوات بطيئة. ثقيلة.

من الظلام.

من الزاوية.

من المكان الذي لا ينتهي.

الأم.

كانت تقترب. تمشي نحوهم. بقدمين حافيتين. بفستان الزفاف الملطخ بالدم. بشعرها الأبيض المنسدل. وفي يدها... لا شيء. لكن عيناها... كانت مختلفة.

ليست حمراء بالكامل. كان هناك بقع سوداء. بقع من الوعي. من الذاكرة. من الحقيقة. كأن الضباب الذي غطى عقلها لعشرين عاماً قد بدأ ينقشع. كأنها ترى الآن. ترى بوضوح. ترى ما فعلته. وما فُعل بها.

"ماما..." نور صوتها يرتجف. "ماما ارجعي. مش دلوقتي."

لكن الأم لم تستمع. لم تتوقف. كأنها تسير في نفق طويل. نحو النور. نحو الحقيقة. نحو الابن الذي دمر حياتها.

وصلت إلى يوسف. وقفت فوقه. تنظر إليه من الأعلى. كملاك الموت. كقاضٍ. كشخص يرى الحقيقة لأول مرة. كامرأة تستيقظ من كابوس طويل.

"إنت..." قالت الأم. صوتها خشن. لكنه كان أوضح من قبل. أوضح مما كان عليه منذ عقود. "إنت... اللي جبت لي الحبوب."

يوسف نظر إليها. عيناه تضيقان. يحاول أن يفهم. يحاول أن يجد كذبة أخرى.

"إنت... اللي قولتلي إنهم هياخدوني. إنهم هيبيعوني. إنهم..."

توقفت. يدها ترتعف. كأنها تتذكر. كأن الضباب ينقشع بسرعة. كأن كل لحظة من الجنون تعود إليها كفيلم مسرع.

"...إنهم هياخدوا نور."

نور شعرت بشيء ينكسر في صدرها. بابتسامة حزينة. بحقيقة مؤلمة. بأن أمها لم تكن مجنونة بالكامل. أنها كانت تحاول أن تحميها. بطريقتها المريضة. بطريقة وحشية. لكنها كانت تحاول.

"ماما..."

"إنت..." الأم نظرت إلى يوسف. نظرة طويلة. عميقة. مليئة بعشرين عاماً من الجنون. من الألم. من الخسارة. من الكذب. "...إنت اللي قتلت أبوها. مش أنا. أنا كنتِ نايمة. أنا... أنا شوفتك."

يوسف عيناه توسعتا. فمه يفتح. يحاول أن يبرر. أن يكذب. لكن الكذب قد انتهى.

"إنتي... إنتي كنتِ فاكرة..."

"كنتِ فاكرة إنكِ بتحميني. بس إنتِ... إنتِ كنتِ بتقتل. وبتسيبيني أنا أتحمل. عشان تبقى نظيف. عشان تبقى راجل. عشان..."

تقدمت خطوة. نحوه. نحو الدم. نحو الحقيقة.

"...عشان تاخد كل حاجة."

"ماما لا..." نور حاولت أن تتقدم.

لكن الأم كانت أسرع.

ركعت. بجانب يوسف. بجانب المقص الغارق في ظهره. بجانب الوحش الذي خلقته.

سحبته.

بقوة.

بصراخ.

يوسف صرخ. صرخة أخيرة. صرخة تملأ الغرفة. تملأ القصر. تملأ عشرين عاماً من الكذب. صرخة الولد الذي أصبح وحشاً. والوحش الذي سقط.

ثم... سقط المقص من يد الأم. صوته على البلاط. كالجرس. كالنهاية.

الأم وقفت. ترتعف. تنظر إلى يديها. إلى الدم. إلى الوجه الميت لابنها. لولدها. للوحش الذي خلقته. للوحش الذي خلقها.

"أنا... أنا قتلته..." همست.

"ماما..." نور تركت المسدس. ركضت نحوها. "ماما إنتي..."

التفتت الأم. نظرت إلى نور. عيناها... واضحتان. لأول مرة منذ عشرين عاماً. واضحتان. حزينتان. مليئتان بالحب. بالندم. بالوداع. بالسلام.

"نوريتا..."

مدت يدها. لامست وجه ابنتها. بأصابع باردة. مرتعشة. ملطخة بالدم. لكنها دافئة. دافئة بالحب. بالحقيقة. بالاعتذار.

"أنا... أنا آسفة. آسفة إنني سمحت له. آسفة إنني... فقدتكِ. فقدت نفسي. فقدت... كل حاجة."

"ماما متقوليش كده. إنتي... إنتي كنتِ ضحية. زيي. زي كل حد هنا."

"لا يا بنتي. أنا... أنا كنتِ ضعيفة. وخفت. وخليته يستخدمني. بس دلوقتي..."

نظرت إلى عمر. إلى جسده الملقى. إلى الدم. إلى الشاب الذي ضحى من أجل ابنتها.

"...دلوقتي عرفت. إن الحب... مش بيقتل. الحب... بيحمي. زي ما هو حماكِ."

نور دمعاتها تنهمر. على يد أمها. على وجهها. على الحقيقة. على العشرين عاماً الضائعة.

"ماما..."

"روحيله. خليكي معاه. عشان... عشان أنا مش هقدر أكون معاكِ. مش بعد كل ده."

تراجعت الأم. ببطء. نحو الظلام. نحو الزاوية. نحو المكان الذي خرجت منه. نحو غرفة 12. نحو السجن الذي عرفته. والذي قد يكون الآن ملاذها الوحيد.

"ماما لا!"

"أنا بحبكِ يا نوريتا. وباباكِ كان بيحبكِ. وكل حاجة كانت... كانت حلوة. قبل ما يجي. قبل ما يخرب. قبل ما يحولنا... لوحوش."

اختفت في الظلام.

نور كانت تريد أن تركض. أن تتبعها. لكن صوتاً خلفها. صوت خافت. صوت يناديها. صوت يشق الظلام كالسيف.

"نور..."

عمر.

ركعت بجانبه. يداها على وجهه. تبحث عن الحياة. تبحث عنه.

"عمر! أنا هنا. أنا هنا."

فتح عينيه. بصعوبة. ببطء. عيناه تبحثان عنها. تتأكدان من وجودها. تتأكدان أنها لم تذهب. أنها بقيت.

"إنتي... إنتي كويسة؟"

"أنا كويسة. بفضل إنت. بفضل إنك... جيت."

ابتسم. ابتسامة ضعيفة. ملطخة بالدم. لكنها حقيقية. لكنها تنتمي إليه. لكنها تنتمي إلى الرجل الذي لا يعرف الخوف.

"قلتلك... مش هسيبك."

"وأنا مش هسيبك. أبداً."

ثم... سمعت صوتاً.

صوت باب يُفتح.

صوت فريدة.

"يا إلهي..."

كانت واقفة عند الباب. عيناها واسعتان. تنظر إلى المشهد. إلى الدم. إلى الموت. إلى الحب. إلى النهاية التي كانت تخافها. وتنتظرها.

نور نظرت إليها. بعينين حمراوين. لكنها ثابتتين. قويتين. لا ترتجف.

"عايزة دكتور. دلوقتي. وعايزة... عايزة تساعديني نطلع من هنا."

فريدة نظرت إليها. طويلاً. ثم... ابتسمت. ابتسامة حزينة. لكنها وافقة. لكنها محررة.

"أنا... أنا كنتِ عارفة. من زمان. بس كنتِ خايفة. خايفة منه. زي كلنا."

دخلت. ببطء. نحو عمر.

"هنطلعك. هنخليك كويس. وهن..."

توقفت. نظرت إلى الظلام. إلى المكان الذي اختفت فيه الأم.

"وهنلاقيها. وهن..."

"لا." نور قطعت عليها الكلام. "هنطلع. وهناخد عمر. وبس. أمي... أمي اختارت. وهنحترم اختيارها."

نظرت إلى عمر. إلى عينيه التي كانت تغلق.

"متنامش. متنامش يا عمر. افتح عينيك. شوفني."

"أنا... أنا شايفكِ." همس. "شايفكِ... واضحة. زي القمر."

"إفضل شايفني. إفضل معايا."

"مش هروح... بعيد."

ثم... أغمض عينيه.

نور صرخت.

صرخت بكل ما فيها. بكل روحها. بكل الحب الذي كانت تخبئه.

"عمر!"

لكنه لم يجب.

والظلام... عاد. يغطي كل شيء. يغطي القصر. يغطي الحب. يغطي الأمل.

وتبقى نور وحدها. في الدم. في الحقيقة. في انتظار معجزة.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • العشق الممنوع    (5)

    الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م

  • العشق الممنوع    (4)

    الطلقة لم تصب عمر. اصطدمت بجسد آخر. بجسد ألقى بنفسه بينه وبين الموت. بينه وبين الرصاص. بينه وبين النهاية. نور. شعرت أولاً بالنار. بخط حارق يشق ظهرها قرب الكتف. ثم بالخدر. ثم بوزن جسدها وهو ينهار. لا تستطيع التحكم في أطرافها. لا تستطيع أن تتنفس. فقط السقوط. السقوط الطويل نحو صدره. عمر امتدت يداه بغريزة. بغريزة الأسد. بغريزة الرجل الذي لا يترك ما يملك يسقط. قبض عليها وهي تنهار فوقه. دمها. دمها الحار. ينساب فوراً على قميصه. يبله. يغمره. يحول الأسود إلى أحمر داكن. "نور... نور!" صوته كان صراخاً. صراخاً داخلياً. صراخاً يمزق الحلق. يمزق الروح. الرجل دخل من الشرفة. خطوة. خطوتين. طويل. أشيب الشعر. عينان رماديتان. باردةتان. مثل عيني يوسف، لكنهما تحملان عشرين عاماً إضافية من القسوة. من الحنق. من الجنون المُحكم. بدلة سوداء. نظيفة. مكوية. كأنه يحضر جنازة. جنازة ابنه. وجنازة من سيقتلهم الآن. "مثير." قال. صوته كالحصى يتدحرج على صفائح حديد. "العاهرة تحبك فعلاً. تماماً كما أحبت أمها لي. قبل أن أكسرها." عمر رفع رأسه. رؤيته مشوشة. دم يسيل من صدغه. يغطي عينه اليسرى. لكنه يرى. يرى بوضوح كافٍ. كا

  • العشق الممنوع    (3)

    الدم كان يسيل ببطء. ليس بسرعة الموت الفوري. بل ببطء الحياة التي تتسرب. قطرة. قطرتين. تتسلل من صدغ عمر. تبل الأرضية. تخلط بدم يوسف. تخلق نهراً صغيراً من الأحمر. من الخسارة. من الخوف. نور كانت تركع. يداها تضغطان على جرحه. بقوة. بجنون. كأنها تستطيع أن تمنع الدم بالإرادة. كأن حبها وحده يكفي لإغلاق الجرح. "متموتش... متموتش يا عمر. أنا مش هسمح. مش هسمحلك." صوتها يرتجف. بين البكاء والصراخ. بين اليأس والأمل. بين الحياة والموت. فريدة كانت واقفة. لحظات. تبدو أصغر. أضعف. كأن القناع سقط من وجهها. كأنها رأت ما يكفي من الموت. وقررت أن تختار الجانب الصحيح. "خلي بالك منه. أنا هجيب الدكتور." "إزاي؟ يوسف كان هيخليه يقتل أمي!" "الدكتور ده... ابني." نور رفعت رأسها. عيناها توسعتا. في دهشة. في فهم بطيء. "ابنك؟" "آه. ويوسف كان بيهدده. بس دلوقتي... يوسف مات. والتهديد... راح." نظرت إلى جسد يوسف. إلى الدم المتجمع حوله. إلى الوجه الملتوي الذي لم يعد يبتسم. "أرجعي بسرعة." فريدة هزت رأسها. ثم اختفت. في الظلام. نحو الممر. نحو الخارج. نحو الأمل. نور نظرت إلى عمر. وجهه شاحب. كالشمع. الشفاه جافة. متش

  • العشق الممنوع    (2)

    الدم كان يسيل. دم عمر. دم يوسف. دم يلطخ البلاط الأبيض. يلطخ الصور المخدوشة. يلطخ كل شيء. كأن الغرفة نفسها تتنفس دماً. كأن الجدران كانت عطشى لسنوات. وها هي الآن تشرب. تشرب الخيانة. تشرب الحقيقة. تشرب النهاية. نور ركعت. بجانب عمر. يداها ترتعشان. تبحث عن نبض. عن نفس. عن أي علامة على الحياة. يداه باردةتان. باردةتان جداً. كأن روحه تتسرب بين أصابعها. كأنها تحاول أن تمسك بماء. "عمر... عمر افتح عينيك." لم يتحرك. وجهه شاحب. شاحب كالقمر المريض. الدم يسيل من صدغه. يتسلل على خده. على رقبته. يبل قميصه الأسود. يجعله يبدو كأنه يرتدي ثوب حداد. ثوباً كان مكتوباً عليه منذ البداية. "لا... لا تسيبني. مش دلوقتي. مش بعد كل ده." صوتها ينكسر. دموعها تقع على وجهه. دافئة. حارة. كأنها تريد أن تُعيد الحياة إليه بحرارتها. كأن دموعها هي الدواء الوحيد. كأن حبها هو الأكسجين الذي يحتاجه للعودة. ثم... سمعت صوتاً. صوت خشن. صوت كالحجر يُجر على الزجاج. يوسف. كان يتحرك. ببطء. بصعوبة. يجر نفسه على البلاط. يترك خلفه خطاً أحمر. مقص عمر كان غارقاً في ظهره. لكنه لم يمت. لم يزل يتنفس. يتنفس بصعوبة. بغضب. بحقد. بذلك ا

  • العشق الممنوع    الفصل الرابع: قلب الأسد

    (1)الظلام لم يكن نهائياً.كان ثقيلاً. كثيفاً. كالطين يملأ العينين والأذنين والفم. لكن في ثناياه... كانت هناك بقعة ضوء. بعيدة. خافتة. تتلألأ وتختفي كالنجم في ليلة مغيمة.عمر حاول أن يتحرك. لكن جسده لم يستجب. كان ثقيلاً. كأنه مصنوع من رصاص. رأسه يؤلمه. يؤلمه بعنف. كأن أحداً يضربه بمطرقة من الداخل. يضرب ويضرب ولا يتوقف.تذكر.الصوت. القبضة. الظلام.يوسف.فتح عينيه بصعوبة. الرؤية كانت ضبابية. مزدوجة. يرى اثنين من كل شيء. اثنان من السرير الأبيض. اثنان من الصور المخدوشة. اثنان من الظلال التي تتحرك في الزاوية.ثم... تركزت.ورأى.نور.كانت واقفة. ظهرها للجدار. يوسف أمامها. المسدس في يده. لكنه لم يكن يوجهه إليها. كان يوجهه نحو الباب. نحو الظلام. نحو المكان الذي خرجت منه أمها."إخرجي يا ماما العزيزة." قال يوسف. صوته عذب. سام. "خلاص الوقت. هنخلص اللعبة."صمت.ثم... خطوات.من الظلام.من الزاوية.الأم.كانت تخرج. ببطء. كأنها تسحب نفسها من قبر. شعرها الأبيض المنكوش يغطي وجهها. فستان الزفاف القذر يلتصق بجسدها النحيف. عيناها الحمراوان... كانت أحمر الآن. أكثر. كأن الدم قد غمرهما بالكامل."إنت..." قال

  • العشق الممنوع    (5)

    الظل تحرك. لم ينبسط. لم يتبدد. بل تقدم. خطوة. خطوتين. من عتبة الباب نحو الضوء الخافت. حتى وقعت أشعة المصباح المتهالك على وجهه. عمر شعر بقلبه ينكمش. يتقلص. يتحول إلى حجر. يوسف. كان يقف هناك. يراقب. ينتظر. كالعنكبوت الذي يشبك خيوطه ثم يجلس في الزاوية يرقص فريسة تتشابك. لم يكن يحمل سلاحاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً أخطر. ابتسامة. ابتسامة عريضة. منتصرة. كأنه يشاهد مسرحية بلغت ذروتها. كأن كل ما حدث كان وفق سيناريوه. كل دمعة. كل قبلة. كل صراخ. كل شيء. صفق. ببطء. صفقة. صفقتين. صوت التصفيق كان مجوفاً في الغرفة المظلمة. كأنه يرتد من جدران من رخام. "برافو. بجد. مشهد مؤثر. يستحق أوسكار." صوته كان عذباً. ساماً. يملأ الغرفة كالدخان. ينسل إلى الرئتين. يخنق. نور انتفضت. تراجعت خطوة. يداها تبحثان عن المقص على الأرض. لكنه كان بعيداً. بعيداً عن متناولها. بعيداً عن الأمل. "إنت... إنت إزاي فتحت الباب؟" سألت. صوتها يرتجف. يكاد ينكسر. "عندي مفتاح. زي ما عندي مفتاح كل حاجة في هذا القصر. بما فيها... غرفة أمك المفضلة." دخل. بكامله. جسده الطويل النحيف يملأ المدخل. وأغلق الباب خلفه. ببطء. بمتعة. سمعو

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status