تسجيل الدخولالساعات التالية ماراثون مرهق. أتصل، أرسل رسائل، أقابل أشخاصاً في مقاهٍ خفية، في مكاتب مجهولة، في شقق خاصة. بعضهم يرفض التحدث إليّ، آخرون يقبلون على مضض، آخرون يتعاونون فوراً، مدركين أن مصيرهم مرتبط بمصير الدائرة.أول من أقابله نائب، رجل في الستينات، عضو محترم في الأغلبية الرئاسية، يرتاد الدائرة منذ عشر سنوات تحت اسم مستعار. يستقبلني في مكتبه البرلماني، الوجه جاد، اليدان ترتجفان.— تعرفين ماذا تطلبين مني، آنسة ديشان؟ يقول لي. إذا شهدت لصالح داميانا مورو، إذا وقعت إفادة، أخاطر برؤية اسمي مرتبطاً بالفضيحة. مسيرتي السياسية ستنتهي، عائلتي ستدمر، سمعتي ستُمحى.— وإذا لم تشهد، ماذا تظن سيحدث؟ ستُدان الدائرة، ستُصادر السجلات، سيظهر اسمك في الصحافة. مسيرتك السياسية ستنتهي، عائلتك ستدمر، سمعتك ستُمحى. الفرق الوحيد، هو أنك بالشهادة الآن، لديك فرصة لتجنب تلك الكارثة. بتبيئة الدائرة، تبيئ نفسك.النائب يفكر طويلاً، الوجه متجعد بالقلق. ثم يتنهد، يخفض رأسه، ويتمتم:— حسناً. سأوقع إفادتك. لكنني أحذرك، إذا كُشف اسمي، سأنكر كل شيء. سأقول إنك زورت
ينهض فجأة، يدور حول الطاولة، يقترب مني. وجهه قريب جداً من وجهي، أشعر بأنفاسه على خدي، أرى الغضب يلمع في عينيه.— فكري جيداً، داميانا، يتمتم بصوت مهدد. فكري فيما هو مهم حقاً بالنسبة لك. حريتك، أم كبرياؤك؟ حياة ماركوس، أم كراهيتك لي؟ الدائرة، أم انتقامك؟ لديك أربع وعشرون ساعة لتعطيني إجابتك. بعد تلك المهلة، لن يبقى عرضي قائماً. وستقضين بقية حياتك في السجن، عارفة أنك كنت تستطيعين إيقاف كل شيء بكلمة واحدة.ينتصب، يتجه نحو الباب، يفتحه. قبل الخروج، يلتفت نحوي مرة أخيرة.— أربع وعشرون ساعة، داميانا. لا دقيقة أكثر.الباب ينغلق خلفه. أبقى وحدي في الغرفة، القلب ينبض، اليدان ترتجفان. أربع وعشرون ساعة. لدي أربع وعشرون ساعة للاختيار بين حريتي وحريتهم. أربع وعشرون ساعة لأقرر ما إذا كان يجب أن أضحي بجسدي، بروحي، بكرامتي لإنقاذ ماركوس والدائرة.أعرف ما يجب أن أفعله. يجب أن أرفض، أن أصمد أمام إتيان، أن أقاتل حتى النهاية، حتى لو خسرت كل شيء. هذا ما ستفعله السيدة. هذا ما ستفعله المرأة القوية، المستقلة، التي لا تُروض، التي بنيتها خلال عشرين عاماً.
لكن الشرطيين يسحبونه بالفعل نحو المخرج، نحو العربة الخلفية التي تنتظر في الشارع. أريد اتباعه، أريد منعه، أريد الصراخ، لكن شرطيين آخرين يمسكان بي من ذراعيّ ويأخذانني بدوري. — داميانا! تصرخ لينا وهي تحاول الاقتراب مني، لكن شرطياً يدفعها بعنف. — ابقِ هنا، آنسة. لست معتقلة، لكن لا تغادري المدينة. سيكون لدينا بالتأكيد أسئلة نطرحها عليك. — دعني أتحدث إليها! دعني على الأقل أودعها! لكن الشرطيين في الدرج بالفعل، في البهو بالفعل، في الشارع بالفعل. أجد نفسي خارجاً، في هواء الصباح الباكر البارد، مصفدة، محاطة برجلين بالزي الرسمي. جيران في النوافذ، متفرجون تجمعوا على الرصيف، صحفيون يلتقطون المشهد بكاميراتهم. وهناك، وسط ذلك الحشد، ألمح قامة مألوفة. رجل طويل، بشعر أشقر مخطوط بالرمادي، ببدلة لا تشوبها شائبة. إتيان مورو. واقف على الرصيف المقابل، اليدان في الجيوب، ابتسامة رضا على شفتيه. جاء ليشهد انتصاره، جاء ليراني مذلة، مصفدة، مأخوذة كمجرمة. تلتقي نظراتنا، وأقرأ في عينيه نشوة مريضة، رضا وحشي، وعداً ص
كل النظرات تتجه نحو لينا، التي تتقدم خطوة، الوجه مصمم، العينان تلمعان.— أنا تسببت في تلك الكارثة، تقول. صوتي، كلماتي، اتهاماتي في الصفحة الأولى. عليّ إصلاح الأضرار. سأشهد أمام الصحفيين، أمام القضاء إذا لزم. سأقول الحقيقة عن إتيان مورو، عن هوغو، عن التلاعب الذي كنا ضحاياه. سأقول إن الدائرة بريئة، إن داميانا بريئة، إن كل ما كتبته في ملاحظاتي كان خاطئاً.— كلمتك لن تكفي، لينا، تقول امرأة مقنعة بصوت حزين. لقد أدليت بتصريح بالفعل، ولم يمنع ذلك المقال من الظهور. لماذا سيصدقك الناس الآن؟— لأنني لن أكون وحدي في الشهادة، يقول ماركوس وهو يتقدم بدوره. أنا أيضاً، سأشهد. أنا حارس الدائرة منذ عشرين عاماً. رأيت مئات الأشخاص يعبرون أبوابنا، أشخاصاً أحراراً، راضين، سعداء. أستطيع الشهادة بما رأيته، بما عشته، بحقيقة الدائرة.— وأنا أيضاً، سأشهد، يقول صوت آخر.إنها إينيس، الحارسة، التي تتقدم بدورها، الوجه جاد لكنه مصمم.— أنا في خدمة داميانا منذ خمسة عشر عاماً. رأيتها تعيد بناء حياتها بعد سنوات من العنف الزوجي. رأيتها تساعد مئات الأشخاص على قبول ج
دامياناينفجر الخبر صباح ثلاثاء، بينما تشرق الشمس بالكاد على باريس. أنا في جناحي، جالسة قرب النافذة، وعاء شاي في يدي، عندما يقتحم ماركوس الغرفة، الوجه منهار، صحيفة مجعدة في يده.— داميانا، يقول بصوت مخنوق. انظري.يمد لي الصحيفة. آخذها، أفتحها، وأرى العنوان، الضخم، في الصفحة الأولى، على كامل عرضها.«فضيحة الدائرة: شبكة انحراف في قلب باريس»تحته، عنوان فرعي، أصغر لكنه مدمر بنفس القدر.«كشوفات حصرية للينا ديشان، الصحفية التي اخترقت النادي السري لداميانا مورو.»أشعر بقلبي يتوقف عن النبض. يداي ترتجفان، بقوة لدرجة أنني أسكب قليلاً من الشاي على ردائي، دون حتى أنتبه. أقرأ المقال، ألتهمه، أتصفحه برعب متزايد. كلمات لينا هناك، اتهاماتها، تسجيلاتها مفرغة، ملاحظاتها مستنسخة. كل ما كتبته، كل ما سجلته، كل ما جمعته أثناء تسللها معروض أمام الجميع، في الصفحة الأولى لواحدة من أكبر صحف البلاد.— لكن كيف... أتلعثم. كيف هذا ممكن؟ لينا أدلت بتصريحها، تبرأت من تحقيقها، استقالت. كيف يمكن لهذا المقال أن يوجد؟— ليست ال
قاعة المؤتمرات باردة، غير شخصية، مضاءة بنيونات باهتة. تقني يثبتني أمام كاميرا، يضبط الميكروفون، يتفقد الإضاءة. داميانا وماركوس واقفان في زاوية الغرفة، صامتين، الوجهان متوتران بالعاطفة. لن يقولا شيئاً، لن يفعلا شيئاً لمنعي من نطق الكلمات التي ستدمرني. يحبانني أكثر من أن يفعلا ذلك. يحترمان قراري أكثر من أن يفعلا ذلك.— مستعدة؟ يسأل التقني بصوت محايد.أومئ برأسي. يضغط زراً. ضوء أحمر صغير يضيء على الكاميرا. أحدق في العدسة، آخذ شهيقاً عميقاً، وأبدأ الكلام.— اسمي لينا ديشان. أنا صحفية استقصائية في النوفيل أوبزرفاتور منذ خمسة عشر عاماً. قبل أسابيع قليلة، اخترقت منظمة تدعى الدائرة، تحت اسم مستعار هو إيلودي. كان هدفي جمع أدلة على القوادة، الاحتجاز، واستغلال الضعف. أثناء تسللي، أخذت ملاحظات، سجلت تسجيلات، جمعت وثائق. اليوم، أريد الإدلاء بتصريح عام لأقول إن كل ذلك كان كذباً.أتوقف لحظة. حلقي منقبض، يداي ترتجفان، لكنني أواصل.— كذبت. اختلقت من الألف إلى الياء الاتهامات التي صغتها ضد الدائرة وضد قائدتها، داميانا مورو. الدائرة ليست شبكة قوادة، إن