Mag-log inمرّ يومان دون مطاردة.
ويومان كاملان بالنسبة لهم… كانا شيئًا شبه مستحيل. المنزل القديم بدأ يتحول تدريجيًا إلى مساحة مأهولة فعلًا. ملابس منشورة قرب النوافذ. أصوات أطفال. أكواب قهوة منسية فوق الطاولات. وحياة صغيرة جدًا… تحاول الظهور وسط الخراب. في الصباح… كانت كارما تجلس أرضًا مع الأطفال، تعلم طفلة صغيرة كيف تمسك أوراق اللعب. “لا، لا تغشي.” قالتها وهي تضيق عينيها للطفل المقابل. “تعلمت منكِ!” صرخت الطفلة ببراءة. انفجرت ضاحكة، حتى ياسين الذي كان يراقبهم من بعيد ابتسم رغماً عنه. “أنتِ تفسدين جيلًا كاملًا.” قالها وهو يقترب حاملاً أكواب الشاي. “بل أطور مهاراتهم.” ردت بثقة زائفة. ثم جذبت يده فجأة ليجلس بجانبها. الطفلة الصغيرة نظرت بينهما بفضول. ثم سألت مباشرة: “هل أنتما متزوجان؟” اختنقت كارما بالشاي فورًا. أما ياسين… فضحك لأول مرة بصوت واضح. “لا.” قالها بهدوء. ثم نظر لكارما بطرف عينه. “لكنها تزعجني كزوجة فعلًا.” شهقت وهي تضرب كتفه. لكن الاحمرار الخفيف بأذنيها فضحها تمامًا. أما بالطابق العلوي… فكانت لارا مستلقية فوق السرير تقرأ ملفًا قديمًا أخذه سليم من أحد مخابئ رائد. لكنها لم تقرأ منه شيئًا فعليًا منذ عشر دقائق. لأن جواد كان مستلقيًا بجانبها، ورأسه فوق بطنها، وعيناه مغمضتان بهدوء نادر. أناملها كانت تتحرك داخل شعره ببطء دون وعي. حركة هادئة جدًا… لا يفعلها أحد مع جواد غيرها. “أشعر بالإهانة.” قالها فجأة وعيناه ما تزالان مغمضتين. رفعت حاجبها. “لماذا؟” “لأنكِ مركزة مع الورق أكثر مني.” ضحكت بخفوت. “غيرة من ملفات؟ هذا مستوى جديد.” فتح عينيه أخيرًا، ثم رفع رأسه قليلًا لينظر لها. “أنا أغار من أي شيء يأخذ انتباهك مني.” نظرت له لثوانٍ طويلة. ثم أغلقت الملف ووضعته جانبًا. “أفضل الآن؟” ابتسم ببطء. ثم تحرك فوقها فجأة، حتى أصبحت محاصرة بين ذراعيه. “أنت خطير عندما تكون مرتاحًا.” همستها خرجت قريبة جدًا من شفتيه. “وأنتِ جميلة أكثر من اللازم عندما تنسين أنكِ مفترسة.” ضحكت بخفة، لكنها شهقت بعدها مباشرة حين بدأ يقبل عنقها ببطء. “جواد…” “مم؟” صوته خرج منخفضًا قرب جلدها. “الجميع مستيقظ.” رفع رأسه أخيرًا، ثم ابتسم ابتسامته المستفزة المعتادة. “هذا لم يمنعنا سابقًا.” دفعت صدره وهي تضحك رغماً عنها. لكنها لم تنجح بإبعاده فعلًا. أما في الغرفة المقابلة… فكانت ليلان تقف أمام المرآة للمرة الأولى منذ أيام. تتأمل آثار الكدمات الخفيفة التي بدأت تختفي تدريجيًا. لكن هناك أشياء لا تختفي بهذه السهولة. خفضت عينيها بصمت. وفجأة سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. “ادخل.” قالتها بهدوء. دخل آدم، وتوقف فورًا حين لاحظ توترها أمام المرآة. “سليم وجد بعض الأدوية.” قالها وهو يضع العلبة فوق الطاولة. ثم أضاف بعد لحظة قصيرة: “قد تساعد.” “شكرًا.” الصمت طال بينهما قليلًا. ثم قالت فجأة دون أن تنظر له: “هل تنزعج من رؤيتي هكذا؟” تجمد للحظة. “كيف؟” ضحكت بخفة باهتة. “محطمة.” شيء مظلم مرّ بعينيه فورًا. ثم اقترب خطوة. “أنتِ لم تنكسري.” رفعت عينيها نحوه ببطء. “وكيف تعرف؟” نظر لها طويلًا قبل أن يجيب. “لأنكِ ما زلتِ تحاولين الوقوف.” شعرت بشيء يهتز داخلها. شيء صغير جدًا… لكنه دافئ. أما آدم، فابتعد فورًا بعد قوله للجملة، كأنه خاف من البقاء قريبًا أكثر من اللازم. وفي الأسفل… سليم ظل يراجع الخرائط القديمة فوق الطاولة لساعات، ملامحه متجهمة بشكل واضح. لاحظ ياسين ذلك أخيرًا. “ماذا وجدت؟” رفع سليم إحدى الأوراق ببطء. ثم قال: “رائد لم يكن يعمل وحده.” ساد الصمت فورًا. “ماذا تقصد؟” سأل جواد وهو ينزل الدرج أخيرًا. ألقى سليم ملفًا قديمًا فوق الطاولة. صور قديمة. أسماء مشفرة. وتقارير ناقصة. لكن الشيء الذي شد انتباه الجميع… كان الشعار الأسود المحفور أعلى الأوراق. لارا اقتربت أولًا، وحين رأت الرمز… تغيرت ملامحها بالكامل. “هذا…” همستها خرجت ببطء. جواد ضيق عينيه فورًا. لأنه يعرف الشعار جيدًا. رمز المنظمة القديمة. التي كان الجميع يظن أنها انتهت منذ سنوات. “كيف حصل رائد على ملفات تخصهم؟” سأل سليم بقلق. لكن قبل أن يجيب أحد— صدر صوت طرق مفاجئ على باب المنزل الخارجي.الصمت الذي تبع كلمات كيان كان أسوأ من أي إطلاق نار سمعوه طوال حياتهم.“الشيء الذي سيجعله يقتلكِ بيديه إذا أُعطي الأمر.”لارا شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها فجأة.لكن ليس بسبب الجملة نفسها…بل بسبب وجه جواد.لأنه لم ينكرها.اتسعت عيناها ببطء، ثم التفتت نحوه.“جواد…”همستها خرجت مرتجفة لأول مرة منذ وقت طويل.“قل إنه يكذب.”لكنه ظل صامتًا.وهنا فقط…شعرت بالخوف الحقيقي.“جواد.”هذه المرة كان صوتها أعلى.أقرب للرجاء.أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت منخفض جدًا:“إنه لا يعرف كل شيء.”لكن ذلك لم يكن نفيًا.ليلان وضعت يدها فوق فمها بصدمة، أما كارما فشتمت بصوت خافت وهي تنظر بين جواد وكيان.“أي نوع من المرضى كنتم؟”قالها ياسين بغضب واضح.كيان لم ينظر له حتى.“البروتوكول كان حلًا أخيرًا.”“حل أخير لماذا؟”سأل آدم بحدة.“إذا فقد السلاح السيطرة على نفسه.”“إنه ليس سلاحًا!”صرخت لارا بعنف.كيان نقل نظره لها بهدوء.“أنتِ الوحيدة التي ما زالت تصدق ذلك بالكامل.”في اللحظة التالية—انطلق جواد نحوه فجأة.سريعًا بشكل مرعب.حتى ياسين لم يلحق حركته.أمسك كيان من عنقه بعنف، ودفعه للحائط الحجري بقوة جعلت الصخ
الصمت داخل النفق أصبح أثقل من أن يُحتمل.“فسيستخدمونه مجددًا.”الكلمات لم تُرعب لارا بقدر ما أرعبها رد فعل جواد.لثانية واحدة فقط…ظهر الخوف بعينيه.خوف حقيقي.عارٍ تمامًا.ثم اختفى بسرعة، لكنها رأته.ولارا لم ترَ جواد خائفًا هكذا من قبل.“ماذا يقصد؟”سألت وهي تنظر نحوه مباشرة.لكنه لم يجب.فقط ظل يحدق بكيان، وجسده متوتر بعنف.“جواد.”هذه المرة خرج اسمه أخطر.“بماذا يهددك؟”“لا شيء.”قالها بسرعة.سريعة أكثر من اللازم.كيان ابتسم ابتسامة خافتة.“ما زلت سيئًا بالكذب.”“اصمت.”خرجت من جواد كتحذير حاد.لكن كيان لم يهتم.بل انحنى قليلًا، ثم دفع الملف الأسود بطرف حذائه نحو لارا.“ستفهمين وحدكِ.”لارا ظلت مكانها للحظات، ثم انحنت ببطء وأخذت الملف.“لا تفتحيه.”قالها جواد فورًا.رفعت عينيها نحوه بدهشة وغضب.“ولماذا؟”“لأنني أقول ذلك.”ضحكت ببرود.“هذا ليس سببًا.”ثم فتحت الملف مباشرة.“لارا—”لكن الكلمات توقفت بحلقه.لأنها كانت تنظر للصور داخل الملف الآن.وصمتها وحده كان مرعبًا.ليلان اقتربت منها بقلق.“ماذا يوجد؟”لكن لارا لم ترد.عيناها تتحركان بسرعة فوق الأوراق.تقارير. صور. رموز. أسماء.ثم
الصمت داخل النفق لم يعد طبيعيًا. كان ثقيلًا… حادًا… وكأن الهواء نفسه توقف بعد كلمات كيان. “والدتكِ لم تكن واحدة منهم…” صمت لحظة، وعيناه استقرتا فوق لارا. “لكنهم أرادوها منذ البداية.” ليلان عقدت حاجبيها فورًا. أما لارا فظلت تنظر له بجمود بارد، لكن التوتر داخل عينيها فضحها. “ماذا يعني ذلك؟” سأل سليم بحدة. كيان لم يبعد نظره عن لارا. “كانت مختلفة.” “هذا ليس تفسيرًا.” قالها جواد ببرود قاتل. لكن كيان أكمل بهدوء: “قبل سنوات… بدأت المنظمة تبحث عن أشخاص يملكون صفات نادرة معينة.” كارما ضحكت بسخرية عصبية. “ماذا؟ نحن داخل فيلم خيال علمي الآن؟” “بل داخل شيء أسوأ.” رد كيان. ثم نظر نحو ليلان هذه المرة. “والدتكما كانت واحدة من الحالات التي لفتت انتباههم.” “أي حالات؟” سألت ليلان بصوت مرتبك. كيان صمت للحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية. “قدرة غير طبيعية على التكيف العصبي والجسدي.” تبادل الجميع النظرات بعدم فهم. أما جواد… فبدأ يدرك شيئًا مرعبًا. “لهذا…” همس وهو ينظر نحو لارا. “لهذا كانوا يريدون الأطفال.” كيان أومأ ببطء. “المنظمة لم تبدأ كتجارة سلاح أو قتل.” قالها بهدوء. “ب
الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه
المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد
الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن







