LOGIN
الفصل الأول
"إذا خنتني اليوم... فلا تعد غدًا." قالتها يارا وهي تحدّق فيه بعينين امتلأتا بالخذلان. وقف آدم أمامها صامتًا. كان المطر يهطل بغزارة، والشارع من حولهما يكاد يخلو من المارة، لكن الضجيج الذي كان يعصف داخلها كان أعلى من صوت الرعد نفسه. أحكمت قبضتها على الخاتم الفضي في يدها. الخاتم الذي وعدها يومًا بأنه سيكون بداية حياة كاملة. ضحكت. ضحكة قصيرة، مكسورة. ثم همست: "أتدري ما الذي يؤلمني؟" رفع رأسه أخيرًا. كانت تلك أول مرة يراها تبكي منذ عرفها. قال بصوت متحشرج: "يارا..." لكنها قاطعته. "لا." تراجعت خطوة إلى الخلف. "لا تنادني باسمي وكأن شيئًا لم يحدث." سقطت دمعة حارّة على وجنتها. وأضافت: "لقد كسرت الشيء الوحيد الذي لم أسمح لأحد بلمسه يومًا." ساد الصمت. ثم فتحت كفها. وسقط الخاتم على الأرض المبتلة. ارتطم صوته بالماء كطلقة أنهت كل شيء. أغمضت عينيها للحظة. ثم قالت الجملة التي ستظل عالقة في ذاكرته طويلًا: "الفرصة الأخيرة لم تكن لك." --- قبل عام واحد... كانت يارا تؤمن أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لسبب. وكان آدم يبدو وكأنه ذلك السبب. في أول يوم عمل لها في الشركة الجديدة، كانت متوترة أكثر مما رغبت في الاعتراف به. حاولت إخفاء ذلك خلف ملامح هادئة. لكن يديها كانتا ترتجفان وهي تحمل ملفاتها. اصطدمت بأحدهم عند زاوية الممر. تناثرت الأوراق على الأرض. "رائع..." تمتمت بضيق. "أول يوم، وأبدو كأنني كارثة متحركة." انحنى الشاب ليساعدها. وقبل أن ترفع رأسها، سمعت ضحكته. ضحكة دافئة على نحو غريب. قال: "لا تقلقي، رأيت من هو أسوأ منك." رفعت رأسها. وللحظة قصيرة، نسيت أن ترد. لم يكن وسيمًا بصورة مبالغ فيها. لكن ابتسامته كانت من النوع الذي يمنحك شعورًا بالطمأنينة رغمًا عنك. مدّ يده إليها. "آدم." ترددت ثانية قبل أن تصافحه. "يارا." ابتسم. "تشرفت بمعرفة الفتاة التي كادت تقتلني بأوراقها." رفعت حاجبها. "بل أنت من اصطدمت بي." "لا توجد كاميرات تثبت ذلك." ولأول مرة منذ وصولها إلى الشركة، ضحكت. ولم تكن تعلم أن تلك الضحكة ستكون بداية مشكلة كبيرة جدًا. مشكلة اسمها آدم. --- بعد أسابيع... كان آدم الشخص الوحيد الذي يجعل أيام العمل أخف. والشخص الوحيد الذي يلاحظ التفاصيل الصغيرة. عندما تكون متعبة، يعرف. وعندما تنزعج، يعرف. وعندما تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما يرام... يعرف أيضًا. وفي أحد الأيام، وبينما كانا يغادران الشركة، سألها فجأة: "هل تثقين بالحب؟" تفاجأت بالسؤال. نظرت إليه باستغراب. "ما علاقة الحب بالعمل؟" ابتسم. "أجيبي فقط." صمتت قليلًا. ثم قالت: "أثق بالأفعال أكثر من الكلمات." ظل ينظر إليها لثوانٍ. كأنه يحفظ الجملة في ذاكرته. ثم ابتسم ابتسامة غامضة. وقال: "إذًا سأحتاج وقتًا طويلًا حتى أجعلك تثقين بي." ابتسمت يارا محاولة إخفاء ارتباكها. "ومن قال إنني سأمنحك هذه الفرصة أصلًا؟" ضحك آدم بخفة. "لأنني عنيد." "وهل هذه صفة جيدة؟" "عندما يتعلق الأمر بالأشياء المهمة، نعم." نظرت إليه للحظات قبل أن تشيح بنظرها بعيدًا. لم تعترف بذلك لأحد من قبل، لكنها كانت تشعر براحة غريبة بجانبه. راحة لم تجدها مع أي شخص آخر. ومنذ سنوات طويلة، كانت هذه أول مرة تسمح لأحد بالاقتراب من عالمها الخاص. قال آدم فجأة: "ما حلمك الأكبر يا يارا؟" تفاجأت بالسؤال. "حلمي؟" أومأ برأسه. صمتت قليلًا قبل أن تجيب: "أن أعيش حياة هادئة." رفع حاجبيه بدهشة. "هذا كل شيء؟" ابتسمت. "أنت لا تعرف كم أصبح الهدوء حلمًا صعبًا هذه الأيام." ظل ينظر إليها بصمت. ثم قال: "أعتقد أنك تستحقين أكثر من ذلك." شعرت بشيء غريب داخلها. شيء جعلها تخاف أكثر مما جعلها سعيدة. لأنها كانت تعرف أن التعلق بالأشخاص يحمل دائمًا احتمال الخسارة. والخسارة كانت الشيء الذي تخشاه أكثر من أي شيء آخر. في تلك الليلة، وبينما كانت تستعد للنوم، وصلتها رسالة من آدم. "هل وصلتِ إلى المنزل؟" ابتسمت دون إرادة. كتبت: "نعم." وصلها الرد فورًا. "جيد." تأملت الشاشة لثوانٍ. ثم كتبت: "هذا كل شيء؟" ظهرت علامة الكتابة. ثم اختفت. ثم ظهرت مجددًا. وأخيرًا وصلتها الرسالة: "لا." تسارعت نبضات قلبها. وأكمل: "كنت أبحث عن عذر لأتحدث معك." شعرت بحرارة تسري في وجنتيها. وأغلقت الهاتف بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ. لكنها لم تستطع منع الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها. في تلك اللحظة لم تكن تعلم أن المشاعر التي بدأت تنمو بهدوء داخل قلبها... ستصبح يومًا أكثر شيء يؤلمها. ولم تكن تعلم أيضًا أن آدم، الرجل الذي جعلها تؤمن بالحب من جديد... سيكون السبب في تحطم تلك القناعة نفسها.الفصل الثالث والأربعون تجمد الجميع. وكأن الزمن توقف داخل القاعة. أما يارا... فلم تعد تعرف أي صدمة يجب أن تستوعب أولاً. ظهور والدتها. حياتها بعد كل هذه السنوات. أو الجملة الأخيرة التي قالتها. "إلى الشخص الذي كان ينبغي أن يموت بدلاً مني منذ عشرين عاماً." اتجهت جميع الأنظار نحو آدم. لكنه لم ينطق. لم يعترض. ولم ينفِ. فقط ظل واقفاً في مكانه. بعينين هادئتين على نحو غريب. وكأنه سمع هذه الجملة من قبل. مئات المرات. همست يارا: — ماذا تقصدين؟ نظرت إليها والدتها. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. — ما زلتِ تسألين الأسئلة نفسها التي كنت أسألها. اقتربت
الفصل الرابع والأربعون سقط الصمت على القاعة. ثقيلاً. مربكاً. مؤلماً. أما يارا... فلم تستطع استيعاب ما سمعته. كانت الكلمات تتردد داخل رأسها. مرة. ومرتين. وعشراً. "الصور التي وجدتها... التقطها آدم." نظرت إليه. حدقت في وجهه. بحثت عن أي علامة تدل على أن والدتها تكذب. أو تبالغ. أو تسيء الفهم. لكنها لم تجد شيئاً. لأن آدم لم ينكر. ولم يعترض. ولم يقل حتى كلمة واحدة. همست بصعوبة: — هل هذا صحيح؟ رفع عينيه إليها. ولأول مرة... لم يكن في نظرته هدوء. بل شعور آخر. شيء يشبه الندم. ثم قال: — نعم. شعرت وكأن شيئاً انكسر داخلها. تراجعت خطوة للخلف
الفصل الثاني والأربعونساد الصمت داخل القاعة.صمت ثقيل.خانق.وكأن الجدران نفسها تنتظر القرار.كانت الشاشة لا تزال تعرض الخيارين أمامهم:نعم.لا.حدقت يارا بالشاشة.ثم بآدم.ثم عادت إلى الشاشة مجدداً.كل ما مرّت به.كل الأكاذيب.كل الأشخاص الذين اختفوا.كل الدماء.كل الأسرار.كانت تقود إلى هذه اللحظة.إلى هذا الملف.همست:— افتحه.لم يتحرك آدم.— آدم.رفع عينيه إليها ببطء.وكان التعب واضحاً فيهما.تعب سنوات.لا تعب أيام.— لو فتحته...لن يعود شيء كما كان.ابتسمت يارا بمرارة.— ومتى كان شيء طبيعياً أساساً؟ساد الصمت.أما يوسف...فكان يراقب المشهد باهتمام.وكأنه يخشى القرار ويريده في الوقت نفسه.قال بهدوء:— افتحه.لقد تأخرنا كثيراً.نظر إليه آدم.ثم قال:— أنت آخر شخص يحق له طلب ذلك.ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي يوسف.لكنها اختفت سريعاً.— ربما.لكن الحقيقة لم تعد ملك أحد.لثوانٍ طويلة...لم يتحرك أحد.ثم تقدم آدم نحو الشاشة.ورفع يده.وضغط:نعم.في اللحظة نفسها...انطفأت الأنوار.واهتزت القاعة بعنف.ثم بدأت الشاشات تعمل من جديد.لكن هذه المرة لم تظهر ملفات.ولا صور.ولا تقارير.ظهر ت
الفصل الحادي والأربعونظل الإشعار مضيئاً على الشاشة."جاري استعادة بيانات 17-Δ..."ثانية.ثانيتان.ثلاث.ولا شيء يحدث.وكأن النظام نفسه يقاوم فتح الملف.وكأن هناك شخصاً ما، حتى بعد كل هذه السنوات، ما زال يحاول إبقاء الحقيقة مدفونة.ساد الصمت داخل القاعة السرية.الجميع كان يراقب الشاشة.الجميع باستثناء يارا.كانت تنظر إلى آدم.منذ اللحظة التي ظهر فيها الرمز 17-Δ، تغير كل شيء فيه.اختفى هدوؤه المعتاد.واختفت تلك البرودة التي طالما أحاط نفسه بها.ولأول مرة...بدا خائفاً.حقاً خائفاً.همست:— آدم... ما هذا الملف؟لم يجب.ظل يحدق بالشاشة.وكأنه عاد سنوات طويلة إلى الوراء.إلى مكان لا يريد تذكره.كرر سامر السؤال هذه المرة:— هل تعرفه؟رفع آدم رأسه ببطء.ثم قال:— أكثر مما ينبغي.تبادل الجميع النظرات.أما يوسف...فكانت عيناه مثبتتين على الشاشة.بترقب واضح.وكأنه انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة.وفجأة...اختفت رسالة التحميل.ثم ظهرت صفحة سوداء بالكامل.وفي وسطها صورة واحدة.صورة طفل صغير.يجلس داخل غرفة بيضاء فارغة.لا ألعاب.لا نوافذ.لا شيء.مجرد غرفة.وطفل.شعرت يارا بانقباض في صدرها.لأنها ت
الفصل الأربعونظهرت والدة يارا على الشاشة.ساكنة.هادئة.لكن شيئاً في عينيها كان مختلفاً.لم تكن نظرة شخص يستعد للحديث.بل نظرة شخص يعرف أن وقته انتهى.وأن كلماته ستكون الأخيرة.ساد الصمت داخل القاعة.حتى يوسف.حتى آدم.حتى والد يارا على الشاشة الأخرى.لم ينطق أحد.أما يارا...فلم تستطع إبعاد عينيها عنها.للمرة الأولى.كانت ترى والدتها تتحرك.تتكلم.تنظر.وكأن السنوات العشرين الماضية اختفت فجأة.تنهدت المرأة ببطء.ثم قالت:— إذا كنتِ تشاهدين هذا يا يارا...فهذا يعني أنني فشلت في إيقاف الكارثة.وفشلت أيضاً في حمايتكِ من الحقيقة.ارتجفت أصابع يارا.تابعت المرأة:— الجميع سيخبركِ جزءاً من القصة.يوسف سيخبركِ ما يخدمه.ووالدكِ سيخبركِ ما يؤلمه.وآدم سيخبركِ ما يستطيع تحمله.لكن لا أحد منهم يملك الحقيقة كاملة.
الفصل التاسع والثلاثونساد الصمت.صمت ثقيل.مخيف.حتى أن أحداً لم ينتبه إلى أن اهتزاز المنشأة قد توقف.كانت جميع الأنظار معلقة بالشاشة.على وجه الرجل الذي اعتقدت يارا أنها تعرفه طوال حياتها.والدها.أو هكذا كانت تظن.نظر إليها الرجل طويلاً.وكأنه يحاول حفظ ملامحها.ثم قال بهدوء:— كنت أتمنى ألا تصلي إلى هنا أبداً.شعرت يارا بأن شيئاً انكسر داخلها.— لا.هزت رأسها.— لا تبدأ بهذا.أريد الحقيقة.هذه المرة كاملة.دون أسرار.دون أكاذيب.دون أن يقرر أحد ما الذي يجب أن أعرفه.أغمض الرجل عينيه للحظة.ثم فتحهما مجدداً.ببطء.وكأن اعترافاً ثقيلاً ينتظره منذ عشرين عاماً.— نعم.أنا من بدأ مشروع 17.شعرت يارا بأن الكلمات اخترقت صدرها مباشرة.ورغم أنها سمعتها بالفعل من يوسف...إلا أن سماعها من فم والدها كان مختلفاً.أشد.







