LOGINبدأ خالد وريم، بالتنسيق الحذر مع المحامي، يبنيان معًا خطًا زمنيًا دقيقًا لتلك الليلة، محاولين سد كل الثغرات التي تركتها الشرطة في تحقيقها المتسرع. طلب خالد من ريم أن تحاول تذكر أي تفصيلة، مهما بدت تافهة، عن سلوك نادية في الأسابيع التي سبقت الحفل.تذكرت ريم عندئذ تفصيلة كانت قد نسيتها تمامًا وسط صدمة الأحداث: قبل الحفل بأسبوع، أثناء جلسة قياس أخيرة للفستان، دخلت نادية على يارا وهما منشغلتان، وسمعت ريم، دون قصد، جزءًا من مكالمة هاتفية أجرتها نادية في الرواق المجاور، حيث كانت تتحدث بصوت خافت لكنه غاضب مع شخص ما عن "مستحقات تأخرت كثيرًا" وأنها "لن تسمح بأن يُهضم حقها مرة أخرى."في حينها، لم تولِ ريم الأمر أي اهتمام، ظانّة أنه مجرد خلاف مالي عابر لا يخصها. لكن حين أخبرت خالد بهذه التفصيلة الآن، توقف قلمه عن الكتابة للحظة، وشعر أن هذا قد يكون الخيط الذي يبحث عنه منذ أيام.قال بحماس مهني مكتوم: "هذه المكالمة قد تكون مرتبطة بخلافها مع الوزير طارق حول الميراث أو الوصية. سأحاول الحصول على سجلات اتصالاتها الهاتفية في تلك الفترة، رغم أن هذا سيتطلب إذنًا قضائيًا قد يصعب الحصول عليه دون دليل أقو
التقى خالد وريم في غرفة اجتماعات صغيرة داخل مكتب محاميها، بعيدًا عن الأجواء الرسمية الباردة لمركز الاحتجاز. كان حضور المحامي شرطًا أساسيًا لضمان أن يكون كل شيء يُقال في هذا اللقاء موثقًا وقانونيًا، لكن الأجواء، رغم ذلك، كانت أقل توترًا بكثير من لقائهما الأول.قال خالد، وهو يفتح دفتر ملاحظاته: "وجدت بعض التناقضات في الملف الرسمي، ريم. أحتاج منكِ أن تتذكري بدقة، دقيقة بدقيقة، كل تحركاتك في تلك الليلة، بدءًا من وصولك إلى القصر."للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة، شعرت ريم أن شخصًا ما يستمع إليها بجدية حقيقية، لا بحثًا عن دليل إضافي لإدانتها، بل بحثًا عن الحقيقة الكاملة، مهما كانت معقدة.بدأت تسرد له كل تفصيلة تتذكرها: وصولها مبكرًا لتجهيز الفستان، وجودها مع يارا في غرفة القياس، دخول نادية عليهما لدقائق قصيرة، نزولها لاحقًا إلى القاعة الكبرى، ومحاولتها العثور على يارا حين تأخرت عن الظهور للإعلان الرسمي.توقف خالد عند تفصيلة بعينها: "قلتِ إن نادية دخلت غرفة القياس قبل مغادرتك. هل لاحظتِ أي شيء غريب في سلوكها؟"فكرت ريم للحظة، ثم قالت: "في الحقيقة، نعم. كانت هناك نظرة غريبة في عينيها حين ن
قرر خالد أن يبدأ تحقيقه الخاص بعيدًا عن الأضواء الرسمية، متجنبًا لفت انتباه رؤسائه إلى حجم الشكوك التي بدأت تتشكل في ذهنه. كان يعرف جيدًا أن الاقتراب من عائلة نافذة كعائلة الحمدان دون أدلة دامغة قد يُنهي مسيرته المهنية بالكامل، لذلك اختار التحرك بحذر شديد المنهجية.بدأ بمراجعة تقرير الطبيب الشرعي بدقة متناهية، ولاحظ التناقض نفسه الذي لفت انتباه ريم لاحقًا: التوقيت المقدَّر لوفاة يارا كان أقرب إلى الساعة العاشرة والنصف مساءً، بينما كانت الشهادات الرسمية تضع ريم في القاعة الكبرى، أمام عشرات الشهود، حتى الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة، أي بعد الوقت المقدَّر للوفاة بدقائق ملحوظة.هذا التناقض، الذي تجاهله المحقق رأفت النجار في تسرعه لإغلاق القضية، كان في الحقيقة ثغرة كبيرة في الرواية الرسمية بأكملها.طلب خالد، بصفته المسؤول عن المراجعة، إعادة استجواب بعض الشهود الذين حضروا الحفل تلك الليلة، متذرعًا بحاجته إلى "استكمال بعض التفاصيل الإجرائية". قابل عددًا من الحراس الأمنيين الذين كانوا يعملون في القصر تلك الليلة، وسألهم بدقة عن تحركات كل شخص قرب الممر الخلفي المؤدي إلى غرفة الجريمة.أح
مرّ أسبوعان على توجيه الاتهام الرسمي لريم، وتحوّلت حياتها خلالهما إلى سلسلة متصلة من الإذلال الصامت. الصحف توقفت عن الحديث عنها يوميًا، لكن الأثر الذي تركته في وعي الناس بقي راسخًا؛ فقد أصبح اسمها مرادفًا، في أحاديث المجتمع الراقي، لكل ما هو مشبوه وخطير.زارتها صديقتها الوحيدة التي لم تتخلَّ عنها، هالة، وهي مصممة أزياء أخرى كانت تعمل معها منذ سنوات في نفس الصالون. جلست الاثنتان في شقة ريم الصغيرة، وسط صمت ثقيل قطعه صوت هالة أخيرًا: "الجميع يتحدث عنكِ يا ريم، لكن لا أحد يتحدث معك. هذا هو الفرق الذي قتلني في هذه المدينة."قالت ريم بمرارة: "الأسوأ من كل هذا يا هالة، أن عمر لم يعد يتصل بي إلا مرة كل أيام، بأعذار واهية عن انشغاله. أشعر أنه ينتظر فرصة مناسبة لإنهاء الخطوبة دون أن يبدو الطرف السيئ في القصة أمام الناس."لم تكن هالة تعرف كل التفاصيل، لكنها كانت قد سمعت شائعات من دائرة معارفها المشتركة عن تردد عمر الملحوظ في الدفاع عن خطيبته أمام أي منتقد، بل إن بعضهم لاحظ أنه بدأ يظهر في مناسبات اجتماعية دون ذكر اسمها إطلاقًا، وكأنه يحاول محو أي ارتباط علني بينهما تدريجيًا.في الحقيقة، كان
عاد خالد إلى شقته تلك الليلة، لكنه لم يستطع النوم. جلس أمام النافذة، يحدّق في أضواء المدينة المتناثرة، وعقله يعود به، رغمًا عنه، إلى سنوات بعيدة، حين كان كل شيء بينه وبين ريم أبسط وأصفى بكثير.كانا قد التقيا في السنة الثانية من الجامعة، في قسم الفنون، حين كانت ريم طالبة موهوبة تعمل على أول مجموعة أزياء لها لمشروع تخرج زميلة، وكان خالد يدرس القانون في الكلية المجاورة، جاء ذات يوم مرافقًا لصديق له لحضور عرض أزياء طلابي صغير، ولم يكن يتخيل أن تلك الأمسية ستغيّر مسار حياته بأكملها.رآها تقف خلف الكواليس، تُصلح تفصيلة أخيرة في أحد الفساتين بيديها المرتجفتين من التوتر، وابتسم لها ابتسامة عفوية جعلتها تضحك رغم قلقها. من تلك اللحظة، بدأت قصة استمرت أربع سنوات كاملة، مليئة بالأحلام المشتركة والمشي الطويل في شوارع المدينة القديمة، وبالوعود التي كانا يتبادلانها عن مستقبل يجمعهما.لكن في السنة الأخيرة من دراستهما، تغيّرت الأمور. بدأت عائلة ريم، التي كانت من عائلة ميسورة الحال لكن محافظة اجتماعيًا، تضغط عليها للارتباط بشخص يملك "مستقبلاً واضحًا ومستقرًا"، بينما كان خالد، آنذاك، لا يزال طالبًا ي
في مكتب صغير داخل مبنى الشرطة، بعيدًا عن الأضواء التي تلاحق القضايا الكبرى، كان المحقق خالد راشد يقرأ ملف قضية "مقتل يارا الحمدان" للمرة الثالثة، بعينين لا تفارقهما نظرة التركيز الباردة التي اشتهر بها بين زملائه.كان خالد يُعرف في الدائرة الأمنية بلقب "الرجل الذي لا يبتسم"؛ رجل في أواخر الثلاثينيات، دقيق إلى حد الهوس، لا يقبل نتيجة تحقيق إلا بعد أن يتأكد بنفسه من كل تفصيلة فيها، مهما كانت صغيرة. لم يكن باردًا بطبعه في الحقيقة، لكنه تعلّم منذ سنوات أن يخفي كل شيء خلف قناع من الصرامة المهنية، بعد أن كسرته الحياة مرة واحدة، بطريقة لم يخبر بها أحدًا.طلب نقل ملف القضية إليه بعد أن سمع، كغيره من الجميع، اسم "ريم الشامي" في الأخبار. لم يخبر أحدًا بالسبب الحقيقي وراء إصراره على تولي هذه القضية تحديدًا، رغم أنها أُغلقت رسميًا من الناحية الإجرائية بتوجيه الاتهام لريم؛ فقد كان قسم آخر في الشرطة يراجع القضية بشكل روتيني تمهيدًا لإحالتها للمحكمة، وطلب خالد أن يكون هو المسؤول عن تلك المراجعة الأخيرة.الحقيقة أن اسم "ريم الشامي" لم يكن اسمًا عابرًا بالنسبة له؛ كان اسم المرأة التي أحبها منذ أيام







