مشاركة

الفصل الثالث

last update تاريخ النشر: 2026-07-22 06:55:51

حين أحبت نفسها

أحبت هاجر ذاتها أخيرا، وأصبحت كلما نظرت إلى المرآة شعرت أنها تزداد جمالا عن اليوم الذي سبقه. كم أحبت ابتسامتها! فمنذ أن أخبرها أن ابتسامتها تشبه اللؤلؤ، لم تعد تفارق شفتيها. أما شعرها، فقد أصبح له مكانة خاصة في قلبها بعدما وصفه بالشعر الغجري الذي تغنى به عبد الحليم حافظ. يومها أخبرته أن شعرها كان طويلا، وأن الناس كثيرا ما شبهوه بشعر ميريام فارس. أصبحت تهتم بنفسها كل صباح، تتزين، وترتب ملابسها بعناية، وتختار إطلالاتها بأناقة لم تكن تعرفها من قبل.

لكن هذا التغيير، الذي كان يراه الجميع جميلا، كان يثير خوف وجدان أكثر مما يبعث فيها الطمأنينة. فلطالما رأت في هاجر فتاة جميلة، ذات قلب هو الأحن بين كل من عرفت، لكنها لم تفهم يوما سبب ضعف شخصيتها وعدم حبها لذاتها. حاولت مرارا أن تجعلها ترى نفسها بعينيها، وأن تؤمن بأنها تستحق الحب كما هي، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل. كانت كثيرا ما تسأل نفسها: ما الذي مررت به يا هاجر حتى أصبحت بهذا القدر من الضعف والهشاشة؟ كانت تبدو للناس كتابا مفتوحا، إلا لوجدان، التي كانت على يقين بأن خلف ابتسامتها الهادئة ماضيا مثقلا بالأحزان وجراحا عميقة لم يستطع الزمن مداواتها.

كانت وجدان تعلم أن هذا الاهتمام المفاجئ بنفسها لم يكن نابعا من تصالحها مع ذاتها، بل من كلمات رجل أحبته، كم تمنت لو أنها أغلقت في وجهها كل مواقع التواصل الاجتماعي. فهاجر بالنسبة إليها لم تكن مجرد صديقة، بل ابنة لم تنجبها، رغم أن فارق العمر بينهما لا يسمح بهذا الوصف. كانت هي من أنقذتها من الموت، حرفيا.

ففي ذلك اليوم، كانت هاجر تقف على حافة سطح بناية مرتفعة، بعينين متورمتين من شدة البكاء، تضغط بيديها على الحافة، مستعدة لإنهاء كل شيء. ولم يكن يفصلها عن السقوط سوى لحظة، لولا أن وصلت وجدان في الوقت المناسب، فأمسكت بها بقوة واحتضنتها. يومها انفجرت هاجر بالبكاء، وكأنها كانت تحمل فوق كتفيها هموم الدنيا كلها.

لم تكن بينهما أي معرفة سابقة، سوى أن القدر جمعهما في المكان واللحظة المناسبين. بعد ذلك تبادلتا أرقام الهواتف، وتحولت تلك المصادفة إلى صداقة امتدت لسنوات طويلة. ورغم مرور كل تلك السنوات، لم تتجرأ أي واحدة منهما على فتح موضوع ذلك اليوم، وكأن الصمت كان عهدا غير مكتوب بينهما، يحمي جرحا لم يلتئم، ويخفي أسرارا لم تكن هاجر مستعدة للاعتراف بها حتى لأقرب الناس إليها.

كان لا بد لوجدان أن تتدخل

لم تعد وجدان قادرة على الوقوف موقف المتفرج.

كانت ترى هاجر تمضي بخطوات متسارعة نحو قرار قد يغير حياتها كلها، وكأنها ترقص فوق حافة جرف، غير مدركة كم هي قريبة من السقوط.

ومنذ ذلك اليوم الذي أنقذتها فيه، لم تعد هاجر بالنسبة إليها مجرد صديقة، بل أمانة ألقاها الله في عنقها. وكانت تؤمن أن الأمانة لا تترك لمصيرها، حتى وإن رفضت هي نفسها المساعدة.

لكن كيف تتدخل؟

كانت تعلم أن الكلام وحده لم يعد يجدي. لقد نصحتها مرارا، وحاورتها، وحاولت أن تفتح عينيها على ما لا تريد أن تراه، لكن قلب هاجر كان يسبق عقلها في كل مرة.

راودتها فكرة أن تخبر أسرتها بكل شيء.

توقفت طويلا أمام الفكرة.

كانت تعرف أن بين هاجر وعائلتها مسافة لا تقاس بالكيلومترات، بل بسنوات من الصمت والخذلان.

ولطالما استغربت أمرا واحدا

على امتداد سنوات صداقتهما، لم تدعها هاجر إلى منزلها إلا نادرا، ولم تكن تتحدث عن أسرتها إلا بعبارات مقتضبة، ثم تغير الموضوع بسرعة، وكأن الحديث عنهم يوقظ شيئا يؤلمها.

كانت وجدان تعاتبها أحيانًا، فتقول لها:

"لماذا لا أعرف أهلك؟ أشعر أنني أعرف كل شيء عنك، إلا حياتك داخل هذا البيت."

وفي إحدى المرات، صمتت هاجر طويلا، ثم قالت بصوت خافت:

"كيف أدعوك إلى بيت لا أشعر أنا نفسي بالراحة فيه؟"

بقيت تلك الجملة عالقة في ذهن وجدان.

وفي تلك اللحظة، أيقنت أن الجرح الأكبر في حياة هاجر لم يبدأ مع كريم، ولا مع محمد.

بل بدأ داخل بيتها.

وبعد ليال طويلة من التفكير، لم يبق أمامها سوى خيار واحد.

أن تصل إلى محمد.

كان الحصول على رقم هاتفه أسهل مما توقعت، أما الأصعب فكان ما الذي ستفعله بعد ذلك.

هل تطلب منه أن يبتعد عن هاجر؟

وهل سيستجيب أصلا لامرأة لا يعرفها؟

ظلت تتقلب بين الاحتمالات، دون أن تجد جوابا يطمئنها.

كل ما كانت تعرفه أن هاجر تعلقت به تعلقا بات يخيفها.

وكان سؤال واحد لا يفارقها:

لماذا قد يفرط رجل في الأربعين من عمره بامرأة تصغره بسنوات، جميلة، طيبة، تقبل ظروفه، وترضى بأن تكون زوجة ثانية؟

لم تكن تعرف حقيقة محمد، ولم تكن تملك دليلا يدينه، لكنها كانت تخشى أن يرى في هشاشة هاجر فرصة لا يريد أن يخسرها.

ورغم كل ما كان يدور في رأسها، شعرت أن الصمت أصبح خيانة لصداقتهما.

التقطت هاتفها.

حدقت طويلا في الشاشة، ثم همست بدعاء لم يسمعه أحد:

"اللهم إن كان في ابتعاده خير لها، فاصرفه عنها برفق، ولا تجعل سببا في زيادة وجعها."

تمهلت ببطء.

فتحت معرض الصور في هاتفها.

ترددت للحظات، ثم اختارت صورة بعينها.

بقي إصبعها معلقا فوق زر الإرسال، وكأنها تمنح نفسها فرصة أخيرة للتراجع.

لكنها في النهاية ضغطت عليه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • اللؤلؤ والندوب   إلى قرائي الأعزاء،

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بنات 🌸وصلت بهذا الجزء من الرواية، وحابة أعرف رأيكم بكل صراحة. هل شدتكم الأحداث؟ وهل الشخصيات قدرت توصلكم إحساسها؟تشجعوني أكمل، ولا في أشياء تحسون إنها تحتاج تعديل أو تطوير؟رأيكم يهمني جدا، سواء كان مدحاأو نقدا لأنه بيساعدني أقدم رواية أفضل. ❤️

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس عشر

    لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس عشر

    قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع عشر

    ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثالث عشر

    ملاذها الوحيدبعد مرور ثلاثة أشهر على وجود هاجر في منزلها، تغيرت أشياء كثيرة في حياة علياء.أصبح البيت كله يدور حول فتاة واحدة.كانت تشعر أحيانا وكأنها ترعى طفلة فقدت الرغبة في الحياة.في كل صباح، كانت هاجر تنزل لتناول الإفطار مع الجميع، لكن علياء لم تعد تركز على الطعام، بل على يديها.في كل يوم، كانت تكتشف جرحا جديدا.كانت هاجر تحاول إخفاء معصميها بكمي ثوبها، لكن ذلك لم يعد يخدعها.لذلك أفرغت غرفتها من كل شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسها.ومع ذلك، لم تتوقف هاجر.وفي أحد الأيام، لاحظت علياء آثار حروق حديثة على ذراعها.شهقت وهي تمسك يدها برفق."يا إلهي ما هذا يا ابنتي؟"لكن هاجر لم ترفع رأسها، واستمرت في تناول الطعام بصمت، وكأن السؤال لم يوجه إليها.اكتشفت علياء لاحقا أنها تعمدت حرق نفسها بالماء الساخن داخل الحمام.حينها اتخذت قرارا لم تكن تتخيل أنها ستصل إليه.انتقلت للنوم في الغرفة نفسها مع هاجر.لم تعد تجرؤ على تركها وحدها ولو لدقائق.كانت تخشى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أنها فقدتها.---في إحدى الليالي قالت هاجر بخجل:"أريد أن أستحم."ابتسمت علياء وقالت:"اذهبي."هزت هاجر رأسها وهمست:"لا أ

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثاني عشر

    السر لم يكن محمد مستعدا لخسارة هاجر.خصوصا بعد كل ما حدث بينهما في الشاليه.في تلك الليلة، حين استسلمت له، ظن أنها اعترفت بحبها أخيرا، وأنها أصبحت له وحده.لكن عندما استعادت وعيها، وأدركت ما حدث، انهارت تماما.أغلقت باب الكلام، ولم تعد مستعدة لسماع أي تفسير.كانت تطلب شيئا واحدا فقطأن تعود إلى وجدان.وكان محمد يدرك أن ذلك يعني خسارتها إلى الأبد.كان يعرف وجدان جيدا. كانت ذكية، ولن تتردد لحظة في أخذ هاجر والعودة بها إلى المغرب. وإذا غادرت مصر، فلن يستطيع الوصول إليها مرة أخرى.لم يجد أمامه سوى حل واحد.أن يخدرها.وساعدته أمواله على طمس كل ما قد يقوده إليها.أزال كل دليل يثبت وجوده في الفندق، واستعاد جميع وثائق هاجر من غرفتها بمساعدة مدير الفندق، ثم أبرم عقد زواج بينه وبينها.كان يعلم أن زواجه من ابنة أخت زوجته محرم ما دام الزواج قائما، لكنه أقنع نفسه بأن زواجه من فاطمة لم يكن سوى ورقة رسمية، وأن علاقته بها لم تتجاوز حدود الاحترام، إذ لم يستطع يوما أن يمنحها حقوق الزوجة كاملة.في البداية، فكر في إخفاء هاجر داخل فيلته بالقاهرة تحت حراسة الخادمات، ثم السفر إلى السعودية.لكن قلبه رفض.لم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status