LOGINحين أحبت نفسها
أحبت هاجر ذاتها أخيرا، وأصبحت كلما نظرت إلى المرآة شعرت أنها تزداد جمالا عن اليوم الذي سبقه. كم أحبت ابتسامتها! فمنذ أن أخبرها أن ابتسامتها تشبه اللؤلؤ، لم تعد تفارق شفتيها. أما شعرها، فقد أصبح له مكانة خاصة في قلبها بعدما وصفه بالشعر الغجري الذي تغنى به عبد الحليم حافظ. يومها أخبرته أن شعرها كان طويلا، وأن الناس كثيرا ما شبهوه بشعر ميريام فارس. أصبحت تهتم بنفسها كل صباح، تتزين، وترتب ملابسها بعناية، وتختار إطلالاتها بأناقة لم تكن تعرفها من قبل. لكن هذا التغيير، الذي كان يراه الجميع جميلا، كان يثير خوف وجدان أكثر مما يبعث فيها الطمأنينة. فلطالما رأت في هاجر فتاة جميلة، ذات قلب هو الأحن بين كل من عرفت، لكنها لم تفهم يوما سبب ضعف شخصيتها وعدم حبها لذاتها. حاولت مرارا أن تجعلها ترى نفسها بعينيها، وأن تؤمن بأنها تستحق الحب كما هي، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل. كانت كثيرا ما تسأل نفسها: ما الذي مررت به يا هاجر حتى أصبحت بهذا القدر من الضعف والهشاشة؟ كانت تبدو للناس كتابا مفتوحا، إلا لوجدان، التي كانت على يقين بأن خلف ابتسامتها الهادئة ماضيا مثقلا بالأحزان وجراحا عميقة لم يستطع الزمن مداواتها. كانت وجدان تعلم أن هذا الاهتمام المفاجئ بنفسها لم يكن نابعا من تصالحها مع ذاتها، بل من كلمات رجل أحبته، كم تمنت لو أنها أغلقت في وجهها كل مواقع التواصل الاجتماعي. فهاجر بالنسبة إليها لم تكن مجرد صديقة، بل ابنة لم تنجبها، رغم أن فارق العمر بينهما لا يسمح بهذا الوصف. كانت هي من أنقذتها من الموت، حرفيا. ففي ذلك اليوم، كانت هاجر تقف على حافة سطح بناية مرتفعة، بعينين متورمتين من شدة البكاء، تضغط بيديها على الحافة، مستعدة لإنهاء كل شيء. ولم يكن يفصلها عن السقوط سوى لحظة، لولا أن وصلت وجدان في الوقت المناسب، فأمسكت بها بقوة واحتضنتها. يومها انفجرت هاجر بالبكاء، وكأنها كانت تحمل فوق كتفيها هموم الدنيا كلها. لم تكن بينهما أي معرفة سابقة، سوى أن القدر جمعهما في المكان واللحظة المناسبين. بعد ذلك تبادلتا أرقام الهواتف، وتحولت تلك المصادفة إلى صداقة امتدت لسنوات طويلة. ورغم مرور كل تلك السنوات، لم تتجرأ أي واحدة منهما على فتح موضوع ذلك اليوم، وكأن الصمت كان عهدا غير مكتوب بينهما، يحمي جرحا لم يلتئم، ويخفي أسرارا لم تكن هاجر مستعدة للاعتراف بها حتى لأقرب الناس إليها. كان لا بد لوجدان أن تتدخل لم تعد وجدان قادرة على الوقوف موقف المتفرج. كانت ترى هاجر تمضي بخطوات متسارعة نحو قرار قد يغير حياتها كلها، وكأنها ترقص فوق حافة جرف، غير مدركة كم هي قريبة من السقوط. ومنذ ذلك اليوم الذي أنقذتها فيه، لم تعد هاجر بالنسبة إليها مجرد صديقة، بل أمانة ألقاها الله في عنقها. وكانت تؤمن أن الأمانة لا تترك لمصيرها، حتى وإن رفضت هي نفسها المساعدة. لكن كيف تتدخل؟ كانت تعلم أن الكلام وحده لم يعد يجدي. لقد نصحتها مرارا، وحاورتها، وحاولت أن تفتح عينيها على ما لا تريد أن تراه، لكن قلب هاجر كان يسبق عقلها في كل مرة. راودتها فكرة أن تخبر أسرتها بكل شيء. توقفت طويلا أمام الفكرة. كانت تعرف أن بين هاجر وعائلتها مسافة لا تقاس بالكيلومترات، بل بسنوات من الصمت والخذلان. ولطالما استغربت أمرا واحدا على امتداد سنوات صداقتهما، لم تدعها هاجر إلى منزلها إلا نادرا، ولم تكن تتحدث عن أسرتها إلا بعبارات مقتضبة، ثم تغير الموضوع بسرعة، وكأن الحديث عنهم يوقظ شيئا يؤلمها. كانت وجدان تعاتبها أحيانًا، فتقول لها: "لماذا لا أعرف أهلك؟ أشعر أنني أعرف كل شيء عنك، إلا حياتك داخل هذا البيت." وفي إحدى المرات، صمتت هاجر طويلا، ثم قالت بصوت خافت: "كيف أدعوك إلى بيت لا أشعر أنا نفسي بالراحة فيه؟" بقيت تلك الجملة عالقة في ذهن وجدان. وفي تلك اللحظة، أيقنت أن الجرح الأكبر في حياة هاجر لم يبدأ مع كريم، ولا مع محمد. بل بدأ داخل بيتها. وبعد ليال طويلة من التفكير، لم يبق أمامها سوى خيار واحد. أن تصل إلى محمد. كان الحصول على رقم هاتفه أسهل مما توقعت، أما الأصعب فكان ما الذي ستفعله بعد ذلك. هل تطلب منه أن يبتعد عن هاجر؟ وهل سيستجيب أصلا لامرأة لا يعرفها؟ ظلت تتقلب بين الاحتمالات، دون أن تجد جوابا يطمئنها. كل ما كانت تعرفه أن هاجر تعلقت به تعلقا بات يخيفها. وكان سؤال واحد لا يفارقها: لماذا قد يفرط رجل في الأربعين من عمره بامرأة تصغره بسنوات، جميلة، طيبة، تقبل ظروفه، وترضى بأن تكون زوجة ثانية؟ لم تكن تعرف حقيقة محمد، ولم تكن تملك دليلا يدينه، لكنها كانت تخشى أن يرى في هشاشة هاجر فرصة لا يريد أن يخسرها. ورغم كل ما كان يدور في رأسها، شعرت أن الصمت أصبح خيانة لصداقتهما. التقطت هاتفها. حدقت طويلا في الشاشة، ثم همست بدعاء لم يسمعه أحد: "اللهم إن كان في ابتعاده خير لها، فاصرفه عنها برفق، ولا تجعل سببا في زيادة وجعها." تمهلت ببطء. فتحت معرض الصور في هاتفها. ترددت للحظات، ثم اختارت صورة بعينها. بقي إصبعها معلقا فوق زر الإرسال، وكأنها تمنح نفسها فرصة أخيرة للتراجع. لكنها في النهاية ضغطت عليه.ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







