Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-07-23 01:19:12

حياة بلا حياة

ستجن

ستجن

لم تعد هاجر قادرة على فهم ما يحدث.

حتى الأمس، كان كل شيء يسير على ما يرام.

قبل أن يخلد إلى النوم، أمطرها بكلمات الحب والإعجاب، حتى نامت وهي تبتسم، مطمئنة إلى أن قلبها وجد أخيرا المكان الذي ينتمي إليه.

فماذا حدث؟

لماذا اختفى فجأة؟

لماذا بقيت رسائلها بلا قراءة؟

ولماذا كانت اتصالاتها تنتهي بالصمت؟

كانت ترفض حتى مجرد التفكير في الاحتمال الذي يخيفها.

لا.

لا يمكن أن يكرر محمد ما فعله كريم .

كانت تردد ذلك في سرها، وكأنها تحاول إقناع نفسها أكثر مما تحاول إقناع الواقع.

لكن كل دقيقة تمر دون رد كانت تعيد إليها الذكريات التي ظنت أنها دفنتها إلى الأبد.

هذه المرة كان الأمر مختلفا.

محمد ليس كريم .

والمشاعر التي عاشتها معه لم تكن تشبه أي مشاعر عرفتها من قبل.

لقد سمحت لنفسها أن تحلم من جديد.

بل كانت قد بدأت تستعد لمواجهة أسرتها، مهما كانت النتيجة.

كانت مستعدة لأن تتحمل رفضهم، ومستعدة لأن تترك كل شيء خلفها وتسافر إليه، مؤمنة أن الحياة معه تستحق كل تلك التضحيات.

فكيف يمكن لرجل كان، حتى ليلة أمس، يحدثها عن المستقبل، أن يختفي وكأنها لم تكن موجودة في حياته؟

كانت تفتش في ذاكرتها عن أي كلمة قالتها، أو موقف صدر منها، أو رسالة ربما أغضبته.

أعادت قراءة محادثاتهما مرة بعد أخرى.

توقفت عند آخر رسالة أرسلها.

ثم قرأتها مجددا.

وكأنها تبحث بين الكلمات عن سبب لم تره من قبل.

لكنها لم تجد شيئا.

كان كل شيء طبيعيا

إلا هذا الصمت.

وكان الصمت، في نظرها، أشد قسوة من أي كلمة يمكن أن تسمعها.

مرت ليلة ثم ثانية ثم ثالثة وفي الليلة الثالثة، اهتز هاتفها. تسارعت دقات قلبها. ارتجفت يدها وهي تفتح الرسالة، وقد أقنعت نفسها أنه سيعتذر، وسيخبرها أن شيء طارىء منعه من التواصل معها. لكن الكلمات التي ظهرت أمامها كانت كفيلة بأن تسقط كل أحلامها دفعة واحدة.

"آسف يا هاجر كنت فقط أتسلى، وقد مللت. أتمنى ألا تراسليني مرة أخرى، وإن فعلت فسأضطر إلى حظرك."

بقيت تحدق في الشاشة مرة ومرتين وعشرات المرات.

ثم اختفت الصورة لقد حظرها.

"لمذا يا محمد"

"كنت فقط أتسلى."

ارتجفت.

تلك الجملة.

كانت هي نفسها الجملة التي كتبتها يوما لوجدان حين حاولت إقناعها بأنها لا تفكر في الزواج من محمد.

يومها كانت تكذب لتحمي حلمها.

أما اليوم.

فقد سمعتها من محمد.

لكن هذه المرة.

كانت الحقيقة.

أغلقت الهاتف بيد مرتعشة، ثم ضمته إلى صدرها وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانهيار.

كيف يمكن لرسالة واحدة أن تهدم كل ما بنته في شهور؟

كيف يمكن لعدة كلمات أن تقتل امرأة كانت تؤمن بأنها وجدت أخيرا من يحبها؟

لم تبك.

حتى الدموع خذلتها.

جلست في مكانها تحدق في الفراغ، وكأن روحها غادرت جسدها وتركت خلفها مجرد امرأة تتنفس بلا حياة.

---------------

لم تكن هذه المرة الأولى التي تتذوق فيها هاجر مرارة الخذلان.

حتى كادت تؤمن أن الخذلان صار جزءا من حياتها، وأن كل من تحبه لا بد أن يرحل يوما، تاركا خلفه سؤالا لا يجد جوابا.

نعم.

كسرها رحيل محمد.

لم يكن مجرد رجل غادر حياتها، بل كان الحلم الأخير الذي بنت عليه ما تبقى من قلبها.

ومع رحيله، ازداد ضعفها، وتآكل ما بقي من ثقتها بنفسها.

حتى مشيتها تغيرت.

أصبحت تمشي مطأطئة الرأس، وكأنها تحمل فوق كتفيها ثقلا لا يراه أحد.

كانت تبتسم حين يقتضي الأمر، وتجيب عن الأسئلة، وتنجز عملها كما اعتادت دائمًا.

لكن شيئا في داخلها كان قد انطفأ.

أما وجدان، فكان يؤلمها أن ترى صديقتها على تلك الحال.

كانت تشعر بالعجز كلما نظرت إليها.

ومع ذلك، كانت تردد في نفسها:

"ربما يكون هذا الوجع أقل قسوة من وجع كان ينتظرها لو استمرت في تلك العلاقة."

كانت تؤمن أن بعض الجراح، مهما بلغت قسوتها، يداويها الزمن.

ولهذا لم تتوقف عن الوقوف إلى جانبها، حتى وإن كان حضورها صامتا في كثير من الأحيان.

ومضت الأيام.

ثم الأسابيع.

ثم الشهور.

ومرت سنة كاملة.

خلالها، اختفت مواقع التعارف من حياة هاجر تماما.

لم تعد تبحث عن أحد.

ولم تعد تنتظر رسالة من أحد.

أصبح يومها يبدأ بالعمل.

وينتهي بالمنزل.

وبينهما حياة تسير ببطء، خالية من الشغف، وكأنها تؤدي واجباتها اليومية دون أن تعيشها.

وكانت وجدان، بين الحين والآخر، تجبرها على الخروج معها إلى مقهى هادئ، أو نزهة قصيرة، أو جولة بلا هدف.

كانت تحاول أن تنتزع منها ابتسامة، ولو لدقائق قليلة.

فتبتسم هاجر مجاملة.

ثم تعود إلى صمتها من جديد.

لقد كانت تتنفس.

لكنها لم تعد تشعر بأنها تعيش.

كانت حياة.

بلا حياة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس عشر

    لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس عشر

    قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع عشر

    ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثالث عشر

    ملاذها الوحيدبعد مرور ثلاثة أشهر على وجود هاجر في منزلها، تغيرت أشياء كثيرة في حياة علياء.أصبح البيت كله يدور حول فتاة واحدة.كانت تشعر أحيانا وكأنها ترعى طفلة فقدت الرغبة في الحياة.في كل صباح، كانت هاجر تنزل لتناول الإفطار مع الجميع، لكن علياء لم تعد تركز على الطعام، بل على يديها.في كل يوم، كانت تكتشف جرحا جديدا.كانت هاجر تحاول إخفاء معصميها بكمي ثوبها، لكن ذلك لم يعد يخدعها.لذلك أفرغت غرفتها من كل شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسها.ومع ذلك، لم تتوقف هاجر.وفي أحد الأيام، لاحظت علياء آثار حروق حديثة على ذراعها.شهقت وهي تمسك يدها برفق."يا إلهي ما هذا يا ابنتي؟"لكن هاجر لم ترفع رأسها، واستمرت في تناول الطعام بصمت، وكأن السؤال لم يوجه إليها.اكتشفت علياء لاحقا أنها تعمدت حرق نفسها بالماء الساخن داخل الحمام.حينها اتخذت قرارا لم تكن تتخيل أنها ستصل إليه.انتقلت للنوم في الغرفة نفسها مع هاجر.لم تعد تجرؤ على تركها وحدها ولو لدقائق.كانت تخشى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أنها فقدتها.---في إحدى الليالي قالت هاجر بخجل:"أريد أن أستحم."ابتسمت علياء وقالت:"اذهبي."هزت هاجر رأسها وهمست:"لا أ

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثاني عشر

    السر لم يكن محمد مستعدا لخسارة هاجر.خصوصا بعد كل ما حدث بينهما في الشاليه.في تلك الليلة، حين استسلمت له، ظن أنها اعترفت بحبها أخيرا، وأنها أصبحت له وحده.لكن عندما استعادت وعيها، وأدركت ما حدث، انهارت تماما.أغلقت باب الكلام، ولم تعد مستعدة لسماع أي تفسير.كانت تطلب شيئا واحدا فقطأن تعود إلى وجدان.وكان محمد يدرك أن ذلك يعني خسارتها إلى الأبد.كان يعرف وجدان جيدا. كانت ذكية، ولن تتردد لحظة في أخذ هاجر والعودة بها إلى المغرب. وإذا غادرت مصر، فلن يستطيع الوصول إليها مرة أخرى.لم يجد أمامه سوى حل واحد.أن يخدرها.وساعدته أمواله على طمس كل ما قد يقوده إليها.أزال كل دليل يثبت وجوده في الفندق، واستعاد جميع وثائق هاجر من غرفتها بمساعدة مدير الفندق، ثم أبرم عقد زواج بينه وبينها.كان يعلم أن زواجه من ابنة أخت زوجته محرم ما دام الزواج قائما، لكنه أقنع نفسه بأن زواجه من فاطمة لم يكن سوى ورقة رسمية، وأن علاقته بها لم تتجاوز حدود الاحترام، إذ لم يستطع يوما أن يمنحها حقوق الزوجة كاملة.في البداية، فكر في إخفاء هاجر داخل فيلته بالقاهرة تحت حراسة الخادمات، ثم السفر إلى السعودية.لكن قلبه رفض.لم

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الحادي عشر

    سر في رحمهالم يتوقف الصراخ، ولم ينقطع البكاء.كانت الطرقات المتواصلة على الباب تزيد المكان إزعاجا.لم تعتد علياء على مثل هذه الفوضى. فمنذ وفاة زوجها، وسفر ابنها هاشم إلى المملكة العربية السعودية للعمل مع خاله، وهي تعيش وحدها في هدوء، في إحدى قرى صعيد مصر، مسقط رأسها.لم يكن يؤنس وحدتها سوى خادمتها تسنيم، وحارس المنزل عصمة وابنه جاد.حتى عندما كان يزورها ابنها هاشم أو أخوها محمد، كانت الزيارات هادئة، لا تعكر صفو حياتها.لكن ذلك اليوم كان مختلفا.فقد فوجئت بأخيها محمد يقتحم المنزل وهو يحمل بين ذراعيه فتاة شابة فاقدة للوعي.للوهلة الأولى ظنت أنه صدمها بسيارته، أو وجدها مغمى عليها في الطريق.انهالت عليه بالأسئلة وهي تركض خلفه:"ماذا حدث لها؟ من هذه الفتاة؟ هل أصيبت في حادث؟"لكنه لم يجب بكلمة.دخل مباشرة إلى الغرفة التي اعتاد الإقامة فيها أثناء زياراته، ووضع الفتاة على السرير، ثم أخرج حقنة صغيرة تحتوي على محلول شفاف وحقنها به.اتسعت عينا علياء ذهولا.وقالت بحدة:"هل جننت يا محمد؟ ماذا تفعل بهذه الفتاة؟"التفت إليها أخيرا وقال بصوت متعب:"كان بإمكاني أن أستأجر لها منزلا، وأضع عليها حراسا.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status