LOGINنصيب
مرت سنة كاملة، حتى جاء الخبر الذي لم تكن هاجر تتوقعه. اتصلت بها والدتها لتخبرها أن خالتها، التي تجاوزت الثانية والأربعين من عمرها، قد خطبت. ابتسمت هاجر من قلبها. كانت تعلم كم انتظرت خالتها هذه اللحظة، وكم سمعت من عبارات مؤلمة عن تأخر زواجها، حتى كادت تظن أن النصيب قد تجاوزها. لكن النصيب لا يعرف عمرا. وأكثر ما أثار دهشة هاجر أن الخاطب كان مصريا، يقيم في المملكة العربية السعودية، ويمتلك شركة خاصة، ويعيش حياة ميسورة. تعرفت إليه خالتها عن طريق إحدى صديقاتها، المتزوجة من شريكه في العمل. ابتسمت هاجر وهي تحدث نفسها: "سبحان الله كم تعبت أنا في البحث، وكم طرقت أبوابا كثيرة، ثم جاء نصيب خالتي إليها دون أن تبحث عنه." لاحقا، اتصلت بخالتها لتبارك لها. كانت السعادة واضحة في صوتها. أغلقت هاجر الهاتف وهي تشعر بسعادة حقيقية. ورغم كل ما مرت به، فرحت لأن شخصا تحبه وجد أخيرا نصيبه. همست لنفسها: "يكفيني أن يكون أحدنا سعيدا." اعتذرت لخالتها عن عدم قدرتها على حضور الخطبة بسبب ظروف العمل، ووعدتها بأنها ستكون أول الحاضرين في حفل الزفاف. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تفكر في العرس. ولأنها لم تكن ترتاح كثيرا للتجمعات الكبيرة، قررت أن تصطحب معها وجدان. كانت وجدان الشخص الوحيد الذي يجعل الأماكن المزدحمة أقل رهبة، وكأن وجودها يمنحها شعورا بالأمان. قبل موعد العرس بأيام، خرجتا معا لشراء فستان. كانت هاجر تتأمل نفسها في المرآة بتردد، بينما كانت وجدان تدقق النظر في كل فستان تعرضه عليها. وأخيرا، وقع اختيارها على فستان أبرز جمال قوامها. ابتسمت وجدان وهي تنظر إليها بإعجاب، ثم قالت: "كم أنتِ جميلة يا هاجرلو أنك فقط أزلت الغيمة التي تحجب عنك رؤية هذا الجمال." ابتسمت هاجر بخجل. ثم أضافت وجدان وهي تضحك: "تعرفين؟ شعرك يذكرني بالشعر الغجري." ضحكت هاجر، وهزت رأسها قائلة: "آه يا وجدان لو أنك سكت فقط." لم تكن هاجر تتخيل أن يحمل لها ذلك العرس مفاجأة تقلب حياتها من جديد. كانت تتوقع كل شيء. إلا أن تراه. دخلت القاعة برفقة وجدان، تتأمل الزينة والوجوه المبتسمة، بينما كانت تبحث بعينيها عن خالتها لتبارك لها. وما إن وقع بصرها على منصة العروسين. حتى تجمدت في مكانها. شعرت بأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. لا لا يمكن. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما من جديد، لعلها كانت تتوهم. لكنه كان هو. محمد. يقف إلى جوار خالتها. العريس. ارتجفت أنفاسها، وهمست بصوت لم تسمعه سوى نفسها: "مستحيل." كانت تنظر إليه، ثم إلى خالتها، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه عيناها. كيف حدث هذا؟ وكيف لم يخبرها يوما؟ وهل كان يعرف منذ البداية أن المرأة التي ينوي الزواج بها هي خالتها؟ تسارعت الأسئلة داخل رأسها حتى كادت تخنقها. ثم مر خاطر مرير في ذهنها. "أيا خالتي أما وجدت بين الرجال إلا هو؟" شعرت بيد وجدان تمسك ذراعها بقوة. التفتت إليها، فرأت القلق في عينيها. همست وجدان: "هاجر هل أنت بخير؟" لم تستطع الإجابة. اكتفت بهزة رأس صغيرة، بينما كانت تحاول أن تجمع شتات نفسها. في تلك اللحظة، انطلقت الموسيقى. وكان معظمها من الأغاني المصرية، بناء على رغبة العريس. بدأت المدعوات يتوافدن إلى ساحة الرقص. لم تكن هاجر تعرف ما الذي دفعها إلى الوقوف. وكأن جسدها تحرك وحده. دخلت إلى وسط القاعة. ثم بدأت ترقص. برشاقة لم تكن تعرف أنها تملكها. كانت خطواتها خفيفة، وانسيابية، وكأن الموسيقى تعرفها منذ سنوات. ساعدها تناسق جسدها على الحركة بثقة، حتى تحولت، من غير قصد، إلى محور أنظار الحاضرات. أما وجدان، فلم تبد عليها الدهشة. فقد سبق أن شاهدتها ترقص داخل غرفتها، يوم ظنت هاجر أنه لا أحد يراها. ويومها، بقيت تحدق فيها مبهورة، غير مصدقة أن تلك الفتاة الخجولة تخفي كل هذه الموهبة. لكن هاجر لم تصدق مديحها آنذاك. ظنت أن وجدان، كعادتها، تحاول أن ترفع معنوياتها ليس إلا. أما اليوم. فلم تكن ترقص لأنها سعيدة. كانت ترقص. وكأنها تحاول أن تهرب من الألم الذي اجتاح قلبها لحظة رأته.ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







