LOGINحقيقة موجعة
"والله إني أحبه يا وجدان أحبه أكثر من نفسي، لكن رؤيته مع خالتي تقتلني." كانت كلماتها تخرج بين شهقات البكاء، بينما كانت وجدان تحاول تهدئتها. "اهدئي يا هاجرانتهى الأمر." هزت رأسها بعنف. "لا، لم ينته. كل يوم كنت أحاول أن أقنع نفسي أنني نسيته، واليوم اكتشفت أنني كنت أكذب على نفسي." وفي الجهة الأخرى من الجدار كان محمد واقفا. وقدتجمدت قدميه عندما سمع اعترافها. "يا إلهي ماذا فعلت؟" همسها بصوت مرتجف وفي تلك اللحظة، عادت به الذاكرة إلى البداية... _________________ لم يولد محمد وفي فمه ملعقة من ذهب. فتح عينيه على الحياة في إحدى قرى صعيد مصر، وسط أسرة بسيطة أنهكها الفقر. كان الحرمان رفيق طفولته، حتى أصبح جزءا من تكوينه، لكنه لم يسمح له يوما بأن يهزمه. على العكس، كان الوقود الذي أشعل داخله طموحا لا يعرف التوقف. آمن منذ صغره بأن العلم هو السبيل الوحيد لتغيير مصيره، فانكب على دراسته حتى تخرج مهندسا، ثم التحق بوظيفة حكومية. غير أن الوظيفة لم تكن سوى محطة مؤقتة في نظره، فقد كان يحلم بحياة أكبر من حدود الراتب ونهاية الشهر. لذلك شد رحاله إلى المملكة العربية السعودية، وهناك بدأ من الصفر مرة أخرى. لم يكن يملك سوى خبرته، وإصراره، وإيمانه بنفسه. عمل لسنوات طويلة في مجال الهندسة والعقار، حتى استطاع أن يثبت اسمه، ثم أسس شركاته الخاصة، وتحول ذلك الطفل الذي عرف طعم الجوع إلى رجل أعمال يشار إليه بالبنان. وخلال تلك السنوات، لفت انتباه نعمة، ابنة مديره في العمل. كانت الابنة الوحيدة لوالدها، نشأت في بيت ميسور، واعتادت أن تجد كل ما تتمناه. لكن محمد لم يحاول يوما استغلال مكانتها، ولم يسع إلى التقرب منها طلبا لمنفعة، بل عاملها كما يعامل أي شخص آخر. وربما كان هذا ما جذبها إليه. هي من بادرت بالاعتراف بحبها، ثم تزوجا بعد ذلك. ولم ينس محمد أبدا ما قدمه له والدها من دعم، فقد فتح له أبوابا كثيرة، وسانده حتى وقف على قدميه. لذلك ظل يحمل له جميلا لا يقدر بثمن. لكن النجاح في العمل لم يكن يعني النجاح في البيت. مرت السنوات، واكتشف أنه يعيش مع امرأة يحترمها ويقدرها، لكنه لا يشعر معها بالدفء الذي طالما حلم به. كانت نعمة قوية الشخصية، حازمة في قراراتها، قليلة الإفصاح عن مشاعرها، حتى أصبح البيت، بالنسبة إليه، مكانا يعود إليه بجسده فقط، بينما ظل قلبه يبحث عن شيء لا يجده. حتى في أكثر اللحظات خصوصية، كان يشعر أن بينهما حاجزا خفيا، لا يراه أحد سواهما. ومع مرور ستة عشر عاما على زواجهما، أدرك أنه لم يعد يبحث عن تغيير حياته، بل عن إكمال الجزء الناقص منها. ورغم ذلك، لم يفكر يوما في طلاقها. كان في عنقه عهد قطعه لوالدها قبل وفاته، وكان يرى الوفاء بذلك العهد واجبا لا يستطيع التنصل منه. لهذا بدأ يفكر في الزواج مرة ثانية. لم يكن يبحث عن امرأة جميلة فحسب، ولا عن مال أو مكانة، فقد امتلك من ذلك ما يكفي. كان يبحث عن قلب يمنحه الطمأنينة، وعن امرأة رقيقة تشعره بأنه محبوب، وأن سنوات التعب لم تذهب كلها هباء. وكان لصديقه لقمان دور في تلك الفكرة. فقد كان متزوجا من امرأة مغربية، وكثيرا ما كان يحدثه عن طيبة زوجته وحنانها واستقرار حياتهما، حتى ترسخت في ذهن محمد صورة إيجابية عن المرأة المغربية. وهكذا سجل في أحد تطبيقات التعارف. لم يكن يتوقع أن يقع في الحب. كان يظن أنه يبحث عن زوجة. لكن القدر كان يخبئ له هاجر. كانت هاجر تمنحه ما لم يطلبه يوما. لم يكن الأمر حبا وحنانا فقط، بل شعورا بالسكينة افتقده طويلا، حتى نسي أن وجوده ممكن. حين تعرف إليها، أخبرها بأنه مهندس، لكنه أخفى عنها أنه يملك مجموعة شركات. أراد أن يمنحها فرصة لتتعرف إلى الرجل، لا إلى ثروته، وأن تحبه لذاته قبل أن تعرف حجم ما يملك. ورغم ذلك، بقيت الشكوك تسكنه. كيف يمكن لفتاة في مقتبل العمر أن تتعلق برجل يكبرها بسنوات، ومتزوج أصلا؟ كان كلما أغلق الهاتف بعد حديث طويل معها، عاد هذا السؤال يطرق رأسه من جديد. كان يتذكر رفضها الأول حين علمت بزواجه، وذلك الرفض كان يطمئنه ويقلقه في الوقت نفسه. يطمئنه لأنها لم تكن تبدو امرأة تبحث عن المال، ويقلقه لأنه لم يعد يفهم كيف تحولت من الرفض إلى القبول. أما هو، فعلى غير عادته، تمسك بها بإصرار. لم يكن يعرف ما الذي جذبه إليها؛ ربما صوتها، أو طريقة حديثها، أو دفء كلماتها، أو تلك البساطة التي كانت تتسلل إلى قلبه دون أن يشعر. شيئا فشيئا، أصبحت جزءا من يومه. ينتظر رسائلها، ويبتسم لصوتها، ويشعر بأن وحدته تتراجع كلما تحدثت إليه. وعندما وافقت على الزواج منه، شعر وكأن الحياة تعوضه أخيرا عن سنوات طويلة من الجفاف العاطفي. لكن تلك السعادة لم تعش طويلا. كان ينتظر منها أن تخبر أسرتها، إلا أن الأيام كانت تمر، وفي كل مرة تقدم له عذرا جديدا. مرة تقول إن والدتها مريضة. ومرة إن الوقت غير مناسب. ومرة أخرى تؤجل الحديث إلى مناسبة أفضل. كان يستمع إليها، لكنه لم يعد يصدق. وعادت الشكوك القديمة تستيقظ داخله. وفي إحدى الليالي، وصلته رسالة من رقم مغربي مجهول. كانت تحتوي على صورة لمحادثة منسوبة إلى رقم هاجر، بدت فيها وكأنها تتحدث مع شخص آخر عنه، وتقول: "لا تقلقي أنا فقط أتسلى. لا يوجد زواج ولا شيء من هذا القبيل." ولأول مرة منذ أن أصبح رجلا، خانته دموعه. شعر أن كل ما بناه معها لم يكن سوى وهم، وأن قلبه لم يكن بالنسبة إليها أكثر من وسيلة للتسلية. قرر أن يرد عليها بالطريقة نفسها، حتى تذوق ولو جزءا بسيطا من الألم الذي مزقه. أرسل إليها رسالة مقتضبة: "آسف يا هاجر كنت فقط أتسلى، وقد مللت. أتمنى ألا تراسليني مرة أخرى." ثم حظر رقمها وحذفه، خوفا من أن يخونه قلبه فيعود إليها إذا سمع صوتها أو قرأ رسالة منها. وبعدها طلق نعمة. كان يؤمن أن حياته لا بد أن تبدأ من جديد. لم تعترض على الطلاق، وكأنها هي الأخرى ملت من برود علاقتهما. طلب من صديقه لقمان أن يبحث له عن زوجة مغربية مناسبة. وبعد فترة، عرفه لقمان على فاطمة، فتاة خلوقة، هادئة، تأخر زواجها رغم حسن أخلاقها وجمالها. سافر إلى المغرب، وخطبها، وحدد موعد الزفاف. كان يظن أنه أغلق صفحة هاجر إلى الأبد. لكن في ليلة الزفاف. رآها. كانت هاجر. وقف مشدوها، بينما كانت فاطمة تعرفها قائلة: "هذه جوجو ابنة أختي." كان يظن أنه دفنها. كان يردد لنفسه، منذ أشهر، أن هاجر أصبحت فصلا انتهى، وأن فاطمة هي البداية التي اختارها بعقله بعدما خذله قلبه. لكن كل ذلك انهار في اللحظة التي رآها فيها. تجمد الزمن. اختفى ضجيج القاعة، ولم يبق أمام عينيه سوى هي. شعر بقلبه، الذي أقسم أن يدفنه، ينتفض بعنف. وحين بدأت ترقص مع النساء، لم ير رقصة. بل رأى الحلم الذي أقنع نفسه بأنه مات. ولأول مرة، راوده سؤال مرعب: ماذا لو كانت الرسالة كذبة؟ وبعد دقائق، لمح هاجر تغادر القاعة تتبعها وجدان. لحق بهما دون أن تشعرا به. وقف خلف الجدار. وسمع هاجر تبكي وهي تقول: "والله إني أحبه يا وجدان أحبه أكثر من نفسي لكن رؤيته مع خالتي تقتلني." في تلك اللحظة، انهار كل يقينه. همس لنفسه: "يا إلهي ماذا فعلت؟" ومنذ تلك الليلة، لم تعد هاجر مجرد ذكرى. تحولت إلى هاجس. ثم إلى هوس.ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







