Início / الرومانسية / اللقاء المجنون / الثالث والثلاثون

Compartilhar

الثالث والثلاثون

Autor: Noona
last update Data de publicação: 2026-06-12 02:16:03

الظلام في الممر لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كثيفًا، لزجًا، كأنه يملك أصابع تحاول التشبث بأقدامهما لتبطئ من تلك السرعة الجنونية. أنفاس يوسف كانت تخرج متقطعة، حارقة، بينما صوت ارتطام الحقيبة بظهره يدق بانتظام مرعب، مثل بندول ساعة يعلن اقتراب النهاية. خلفهما، لم يكن الصوت مجرد وقع أقدام؛ كان صدى لشيء أعمق، صوت تهشم الزجاج العتيق على حافة نافذة المطبخ، يعقبه فحيح أنفاس غاضبة، أنفاس الماضي الذي ظنا، ولو لثوانٍ، أنهما تمكنا من إغلاق الباب عليه.

آدم، الذي كان يتقدمه بخطوات، التفت بنصف عين إلى الخلف دون أن يقلل من سرعته. ملامحه التي كانت قبل قليل تضج بضحكة تحدٍّ عالية، انكمشت الآن لتتحول إلى قناع من التركيز الحاد.

"يوسف! لا تنظر للخلف.. مهما سمعت، لا تنظر!" صرخ آدم بصوت مخنوق، صوته ارتد على الجدران الخرسانية الضيقة للممر، ممتزجًا بأصوات الركض المتلاحقة.

الحقيبة على ظهر يوسف لم تكن ثقيلة بالمعنى المادي، لكنها كانت تحمل وزناً معنوياً يكفي لكسر عظام أي رجل. في داخلها، كانت تلك العبوات الصغيرة، التي قضيا الساعات الماضية في خلطها وتقفيلها بدقة جراح يخشى الخطأ. كل "تكة" أغلقت بها تلك العبوات كانت بمثابة مسمار في نعش الأسرار التي لاحقتهم لسنوات. لم تكن مجرد مواد كيميائية؛ كانت تركيبتهم الخاصة لمحو الأثر، السلاح الأخير الذي إما أن يمنحهم الفجر الجديد الذي انتظروه، أو يحولهم إلى رماد ينضم إلى ركام هذا المكان.

مع كل منعطف يقطعانه في ذلك الدهليز الملتوي، كانت الأصوات خلفهم تتخذ شكلاً أكثر وضوحاً. لم تعد مجرد جلبة مجهولة، بل أصبحت أصواتاً يعرفونها جيداً. أصوات همسات قديمة، وخطوات واثقة لرجال ظنوا أنهم دفنوهم في غياهب النسيان.

فجأة، تعثر يوسف بطرف صخرة ناتئة من الأرضية المتهالكة. انزلق، وكادت الحقيبة تفلت من كتفيه. في تلك اللحظة الحرجة، شعر ببرودة الموت تقترب. لكن يد آدم كانت أسرع؛ امتدت كخطاف من فولاذ، وجذمته بقوة تعكس رعباً دفيناً من الفشل.

"انهض! ليس الآن.. ليس بعد كل ما فعلناه!" قالها آدم وهو يلهث، وعيناه تتسعان وهما تلمحان أول خيط فضي باهت يشق عتمة الممر من بعيد.

كان ذلك الخيط هو الفجر. الفجر الذي تمنياه في المطبخ وهم يخلطون المواد بسرعة جنونية، وعيونهم معلقة بالباب. لكن الفجر هنا لم يكن يعني الأمان بعد؛ كان يعني فقط أن الوقت بدأ ينفد، وأن الضوء سيكشف عورات خطتهم ويجعلهم أهدافاً واضحة لرجال لا يرحمون.

وصلا إلى نهاية الممر، حيث انفتح الفراغ على قاعة واسعة مهجورة، كانت يوماً ما صالة الاستقبال الرئيسية لهذا المبنى الملعون. الأعمدة الرخامية المتآكلة كانت تلقي بظلال طويلة مشوهة بفعل الضوء الخارجي المتسلل من النوافذ المحطمة.

توقفا لالتقاط الأنفاس، وظهورهما متلاصقة، في وضعية دفاعية فطرية. الصوت خلفهما توقف فجأة. هذا الصمت كان أسوأ من المطاردة. كان صمتاً يسبق العاصفة، صمتاً يخبرهما أن الملاحقين أصبحوا في نفس الغرفة، يراقبون، ينتظرون الحركة الأولى.

يوسف أنزل الحقيبة ببطء شديد، محاولاً ألا يصدر أي صوت. فتح السحاب المعدني بحذر، وادخل يده ليتحسس العبوات. برودتها لامست أصابعه الساخنة من التوتر. نظر إلى آدم، وتبادلا نظرة طالما تكررت بينهما في الأوقات الحاشدة بالخطر. نظرة تعني: *إما كل شيء، أو لا شيء.*

"كم نحتاج من الوقت لتبدأ المادة بالاتحاد؟" همس يوسف، وعيناه تتجولان بين الظلال المتحركة خلف الأعمدة.

آدم لم يلتفت إليه، بل ظل ممركساً بصره على المدخل المظلم الذي خرجا منه للتو. "ثلاث دقائق بعد الكسر. لكن المشكلة ليست في الوقت، المشكلة أنهم يعرفون ماذا نحمل. لن يتركونا نكسر العبوة الأولى."

من بين الظلال، تمايز جسد طويل، يرتدي معطفاً أسود بدا مألوفاً لدرجة مرعبة. لم يكن غريباً. كان "الرجل ذو الندبة"، الشخص الذي قاد المطاردة منذ البداية، الشخص الذي يمثل الماضي بكل تفاصيله الدامية. تملكه الهدوء وهو يخطو نحو الضوء الباهت، وبيده سلاح لم يكن موجهاً لصدورهما، بل نحو الحقيبة مباشرة.

"ظننتم أن خلطة سحرية في مطبخ قديم ستمحو ما حدث؟" صوته جاء هادئاً، ساخراً، يحمل ثقة رجل يملك كل الأوراق. "آدم.. يوسف.. أنتم لا تهربون منا، أنتم تهربون من أنفسكم. والحقيبة التي تحرسونها، ليست سلاحكم.. هي قيدكم الأخير."

كلمات الرجل كانت تهدف إلى زعزعة الثقة، لسرقة الثواني الثمينة التي يحتاجها الفجر ليتكامل. لكن يوسف، الذي كان يشعر بضربات الحقيبة على ظهره طوال الركض، استوعب في تلك اللحظة بالذات الحقيقة الكاملة. السلاح ليس في المادة الكيميائية وحدها، بل في القرار.

دون تردد، ودون أن ينتظر إشارة من آدم، أخرج يوسف إحدى العبوات. كانت تلمع في ضوء الفجر الرمادي. وبحركة سريعة مباغتة، ضرب العبوة بحافة العمود الرخامي بجانبه.

*تكة.*

الصوت لم يكن عالياً، لكنه كان حاسماً كضربة قدر. تلاها صوت تهشم الزجاج، وانتشار فوري لغاز رمادي كثيف، بدأ يتمدد بسرعة جنونية في أرجاء القاعة، غاز لا يحرق الأجساد، بل يتفاعل مع الهواء ليمحو أي أثر عضوي أو مادي في محيطه، محولاً الأسرار والوثائق، وحتى الذكريات المكتوبة، إلى غبار.

"آدم، الآن!" صرخ يوسف وهو يستنشق الهواء بصعوبة، فالغاز بدأ يسحب الأكسجين من المكان.

آدم، الذي فهم الخطة في جزء من الثانية، التقط الحقيبة بما تبقى فيها من عبوات، وركض نحو النافذة الكبيرة المطلة على المنحدر الجبلي. الرجل ذو المعطف الأسود حاول التقدم، لكن الغاز الرمادي كان قد شكل جداراً عازلاً بينهما، جداراً يعزل الماضي عن الحاضر. ملامح الرجل بدأت تتلاشى خلف الستار الكثيف، وصوته الساخر تحول إلى سعال مخنوق مخفوت.

قفزا معاً من النافذة، في نفس اللحظة التي كانت الشمس فيها ترسل أول أشعتها الذهبية الطويلة لتخترق الضباب. سقطا على الأرض العشبية المبتلة بالندى، يتدحرجان بعيداً عن المبنى الذي بدأ يتآكل بصمت غريب، دون انفجارات، فقط ذوبان هادئ لكل ما كان يحتويه.

استلقيا على العشب، صدورهما تعلو وتهبط بعنف، وعيونهما معلقة بالسماء التي تحولت من الرمادي إلى الأزرق الفاتح. الحقيبة كانت ملقاة بجانبهما، نصف فارغة، لكن النصف الآخر كان كافياً لتأمين أي مواجهة قادمة.

التفت آدم نحو يوسف، والتقت نظراتهما مجدداً. لم يكن هناك ضحك هذه المرة، بل كان هناك هدوء غريب، هدوء المنتصر الذي يعرف أن النصر مؤقت. التفتوا للخلف ليروا المبنى القديم وقد تحول إلى هيكل مهجور تماماً، خاوٍ من أي أثر، وكأن أحداً لم يعش فيه يوماً، وكأن المطاردة لم تحدث قط.

"هل انتهى الأمر؟" سأل يوسف بصوت مبحوح، وهو يمسح وجهه الملطخ بالرماد.

آدم وقف ببطء، ونفض الغبار عن ثيابه، ثم التقط الحقيبة ووضعها على كتفه. نظر إلى الأفق الممتد أمامهما، حيث كانت المدينة البعيدة تبدأ بالاستيقاظ تحت خيوط الفجر.

"لم ينتهِ شيء يا يوسف،" قال آدم وهو يمد يده ليساعده على النهوض. "لقد أغلقنا الباب خلفنا فحسب. المطاردة لم تنتهِ، بل تغيرت قواعدها فقط. والآن، نحن من يحدد الاتجاه."

انطلقا يمشيان بخطوات ثابتة نحو الضوء، تاركين خلفهما ركام الماضي الذي تآكل، متأهبين لكل "تكة" قادمة قد يفرضها عليهما القدر، في طريق طويل بدا أنهما لن يصلا إلى نهايته أبداً، لكنهما على الأقل، كانا يمشيان فيه معاً.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • اللقاء المجنون   الثاني والسبعون

    تلاشت ذبذبات صوت يوسف السيوفي في سماعة الهاتف حيث فاجأت في هواء النفق البارد، تاركة عماد واجماً، يد الممسكة بالهاتف ترتجف ليس أطعمة، بل من فرط الأدرينالين الذي بات يحرك دمه. نظر إلى سارة؛ كانت خصلات شعرها قوية بالتراب تتطاير مع تيار الهواء المندفع من رصيف المترو المهجور، وعينا تشعان بإصرار غريب لتحقيق الخطر. بجانبها، كانت عالية المصرلي تضغط على حقيبتها تجاه تناولها لجمرة من نار، بينما رفعت الجلسة الأستاذة على قضيب حديدي صدئ، وضعضعا يدها على صدره، يتنفس بصعوبة لكن وعيه الحاد كان ما زال في الوقت الحاضر، يراقب مشهده الرائع يرى فصول كتابه الأخبر تتجسد حية أمام أحمر. "السيوفي مش في القاهرة يا عماد،" همست ذات نفق عالي تتجه نحو فتحة النور التي تستهدفها محددة. "السيوفي بقاله عشرة سنين بيدير شبكة دي من 'لوجانو' في سويسرا.. ورجوع الدكتورة فريدة الأنصاري للواجهة معناه إن 'المجلس السري' يحدد كل وكلاء المحلوين ليبدأوا مشروع "القاهرة الجديدة بالكامل".. مشروع بي مسح حتى قصر العيني والمنيل." ### أصداء المعركة في الخلف في تلك اللحظة، دوى صوت غزو مكتوم القادمة من عمق الممر الذي تركوا فيه كريم وأحمد

  • اللقاء المجنون   الحادي والسبعون

    مع تحطم الباب الحديدي خلفهم، انطلق صدى المعادن المقذوفة في رطوبة السرداب كصاعقة أنذرت باقتراب النهاية أو بداية غرق جديد في باطن الأرض. لم يعد هناك مجال للتراجع؛ فالطريق إلى قصر العيني سُدّ تماماً برجال الدكتورة فريدة الأنصاري، والطريق إلى المدافن العتيقة فوق الأرض بات تحت رحمة طائرات مراد المعلقة كالأفاعي في سماء الفجر."امشوا ورايا ونزلوا رؤوسكم!" هتف أحمد عاصم وهو يرفع مصباحه الزيتي عالياً، ليوجه الضوء نحو فجوة ضيقة انشقت في الجدار الجانبي للممر الأوسط. كانت المياه الكبريتية التي تحدث عنها "العم مصطفى" قد بدأت تتسرب بالفعل، لتصنع بركاً طينية لزجة تعوق حركة الأقدام الراكضة.سحب عماد سارة التي كانت تعرج قليلًا جراء المجهود، بينما كان كريم يسند الأستاذ رفعت بكل ما تبقى في جسده من طاقة عنيدة. وسط الهرب، التفت عماد لأحمد عاصم وسأله وصوته يتردد بين الجدران الضيقة:"لو مريم محبوسة في باريس.. إيه اللي يخلي الشفرة تفتح الباب الرابع هنا في مصر؟!"رد أحمد دون أن يلتفت، وهو يدفع بكتفه باباً خشبياً قديماً كاد يتدلى من مفصلاته الصدئة:"لأن السيستم مربوط ببعضه يا عماد! مريم لما اخترقت السيرفرات هن

  • اللقاء المجنون   السبعون

    اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت

  • اللقاء المجنون   التاسع والستون

    لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟

  • اللقاء المجنون   الثامن والستون

    لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي

  • اللقاء المجنون   السابع والستون

    كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م

  • اللقاء المجنون   الثالث والخمسون

    لم يعد الكشكول مجرد صفحات محتواة بين غلافين؛ لقد انفرط عقد القيد الفيزيائي، وتحولت الورقة إلى أفق ممتد لا يعرف الشرق أو الغرب. مع كل ضربة من قلمهما المزدوج، كان الفضاء النصي يتسع ليخلق تضاريس جديدة بالكامل. الحبر الأسود الممتزج بالفضة الحية سال كأنهارٍ من المعاني العميقة، يشق طرقه عبر وديان السطور،

  • اللقاء المجنون   الثاني والخمسون

    انفتح المدى اللانهائي في عمق الشق الثالث، ولم يعد الفراغ مجرد مساحة بيضاء صامتة، بل تجسد كبحر من الحبر السائل الساخن الذي يغلي بالأبجديات المنسية والقصص التي أُعدمت قبل أن تُكتب. في هذا المركز العصيب، حيث الجاذبية ليست سوى فكرة وهبها مالك كتلة هندسية وتناساها، شعر عماد بثقل كل حرف يخطه. لم يعد القل

  • اللقاء المجنون   الحادي والخمسون

    المجسات الرمادية (العدم) لم تستسلم، بل غيّرت استراتيجيتها. حين عجزت عن محو الحروف الذهبية التي خطّها مالك، بدأت في **تحريفها**. * كلما كتب مالك كلمة *"مقاومة"*، أعادت الألياف الرمادية صياغتها لتصبح *"استسلام"*. * كلما صرخ عماد بذكرى قديمة ليعيد تثبيت الواقع، قام الفراغ بخلطها بذكريات الضحايا الآخ

  • اللقاء المجنون   الخمسون

    اشتدّت القبضة الرمادية على ساقي عماد، وبدأ جسده المستعاد يتخلى عن ثقله البشري، مائلًا نحو الشفافية والعدم. شعر بأنفاس الفراغ النهمة تسحب ذكرياته الطفولية، وصور شوارع مدينته القديمة، مفرغةً إياه من ماهيته.وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها المسارات تمامًا، التقت عينا عماد الغارقتان في الخوف بعين مالك ا

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status