分享

السابع والستون

作者: Noona
last update publish date: 2026-06-26 03:24:47

كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى.

أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية:

> "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل."

استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض:

"العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا ملناش ملجأ تحت الأرض تاني."

تحرك العم مصطفى بخطوات هادئة وخبرة اكتسبتها من عقود العيش في هذا العالم الصامت. اقترب من الحوش، وأزاح سجادة صلاة قديمة من ألواح الخشب الصلبة، ليكشف عن بلاطة رخامية ضخمة تحمل نقشًا دائريًا قديمًا. أدخل قضيبًا حديديًا في التجاويف الموجودة أسفل الغرفة المزدوجة، وتحركت الرخامة البصرية مكتوما، وأحدث اهتزازًا خفيفًا في الغرفة.

رأت سارة إلى الفتحة الجديدة بنظرة خلت من أي الأطفال؛ لقد تبلورت بداخلها قناعة أن الأرض التي تحاول طردهم منها هي الأرض التي تحملهم الآن في جوفها. التفتت إلى عماد وقال بنبرة حممة:

"أنا هنزل الأول يا عماد. عيني أتعود على ضلمة، ومعايا القضيب الحديدي. كريم رمزه مصابة ومحتاج مساعدة، خليك في ضهر عم رفعت."

شعر عماد بامتزاز الفخر الثالث في قلبه؛ هذه الفتاة لم تعد مجرد ملهمة في رواية، بل أصبحت هي التي تسير خطوات النجاة. أومأ لها برأسه، ونزل خلفها مباشرة في الدهليز قبو للمقابر، متبوعاً بكريم وأستاذ رفعت، بينما يختفي العم مصطفى كلاسيكة الرخامية من الأعلى، ووضعت الأخشاب والسجادة مكانها، ليعود الحوش إلى صمته عاطفياً قبل أن ينطلق من هبوط رجال مراد في فنيلي المدافن.

كانت غرفة جديدة ضيقة للغاية، مبنية من الطوب الأحمر الصغير على جدران القناطر القديمة. الجرون هنا لم تكن ذات رائحة فطرية وراديب ملكية، بل كانت رائحة تراب جاف وعظام بشرية إلا أن جزء من الواجب المكان عبر القرون. تماشتتهم خطوات بطيئة مع صوت أنفاس الأستاذ رفعت المتتابعة.

"استند كريم على عماد، وقال بنبرة امتزج فيها الألم بالاعتراف:

> "عماد.. أنا كنت دايماً شايفك كاتب بتعيش في الأوهام، مكنتش بصدق إن الكلمات ممكن تغير حقيقي أو تحميل بيت. بس لما شفتك ماسك ملفات دي وسط الرصاصك ماسك عرضك، عرفت إن القلم ممكن يكون موجود من مية طبنجة. أنا آسف لو كنت غشيم معاك في يوم من الأيام."

أدخل عماد في الظلام، مراً يداً على جدار الخشن ليتحسس طريقه:

"احنا مفيش بينا أسف يا كريم. إنت حميت ضهرنا بسلاحك، وأنا بحمي تاريخنا بورقي. الحكاية مبقتش حكايتي أو حكايتك.. دي حكاية مدينة بحالها بتتباع في المزاد العلني وبيتكتب شهادة الوفاة تحت مسمى التطوير. مراد والست نجوى مجرد واجهة لسيستم تريد مسح ملامح الشوارع والناس غير ذاكرة."

قاطعت سارة حديثهما وهي توقفت فجأة عند نهاية الفضاء، حيث يفصل الدهليز إلى ثلاثة عناوين غامضة:

"عم رفعت.. الممر مقسوم تلاتة. والعم ملحقش يقولنا نمشي في أنهي باتجاه. الصوت فوقينا اختفى، بس الرطوبة والهوا الجاي من فروع مختلفة."

تقدم الأستاذ رفعت بخطوات وئيدة، ومرر كفه المرتعشة للأمام الثلاثة، مستشعراً لحركة الهواء. " الممرتركت

هواه اعتصام بريحة عوادم عربيات وضوضاء مكتومة.. ده معناه إنه بيقرب من طريق صلاح سالم أو شيخ العيون. الممر الفارسي هواه بارد ومقطوع، في أغلب الأحيان مسدود. الشمال بيودي لعمق القرن القديم. هنمشي في النص.. لازم نطلع قريب من حركة الناس نتحرك لوسط البلد زي ما مريم قالت."

في هذه اللحظة، كانت مريم عاصم لامع في غرفتها بفندق الباريسي، وعيناها مثبتتان على شاشة حاسوبها المحمول الذي يعرض خرائط حية للقاهرة الفاطمية ومحيط السيدة عائشة عبر نظام تحديد مواقع خاصة مشفر. كانت مريم، التي تعمل كمحللة بيانات خصوصية في منظمة التراث، قد يكون لها اتصالاً مع والدها قبل وفاته بساعات، أعطاها فيه سلسلة من الأرقام والرموز التي لم تكن تفهم معنا حتى تلك اللحظة.

أدخلت مريم الرمز الأول المتطابق مع رقم حجة "وقف شاهين المصرلي" التي كان عصرها الأستاذ رفعت. بعد أن أضاءت شاشة السينما الحمراء، وظهرت شبكة الرعب الأمريكية من الشركات الوهمية المميزة في جزر الكايمان وبنما، وكلها تصب في حساب مجموعة استثمارية وتديرها رجل أعمال غامض وشريك للجنرال مراد. "

مريم

.. احنا رصدنا تحركات غير طبيعية لرجال مراد في منطقة المقابر. ودك الله يرحمه ساب الأمانة في إيد أمينة، بس الوقت مش في صالحنا. مراد عرف إن الملفات بره السرداب، وهو دلوقتي بيتتحرك بغطاء مزيف أصدره نجوى بداعي لتعلم المنطقة التعليمية. لو الشباب دول متوصلوش للقنصلية الفرنسية القديمة أو مكتب النائب العام مباشرة خلال الساعة الجاية، ملفات دي هتت عدم وهما هيختفوا را الشمس."

ردت مريم وعيناها تلمعان بدموع الفرح والتحدي:

> "والدي مماتش لكي مراد يكسب يا فندم. الشباب معاهم النسخ الأصلية، وأنا قدرت أربط العقود دي بملفات غسيل الأموال الدولية الشركة الإماراتية الليت الأرض شراء. أنا هتحرك للقاهره على أول طائرة الصبح.. بس لازم لاتهم ليهم آمن لوسط البلد."

المجموعة من فتحة النفق قديمة بعد سور العيون مباشرة. كانت الشمس قد أشرقت بالكامل، وضوضاء القاهرة تعزف لحنها الكلاسيكي؛ أصوات أبواق السيارات، نداءات باعة الفول، وحركة المارة المبهجة.بدايات مفاجئة بشكل طبيعي مفاجئة لتوليدهم شيكون في الجحيم الذي عاشوه قبل ساعات تحت الأرض.

وكانت ملابسهم تم الاعتراف بها بالتراب، وكريم ربط ذراعه بوشاح سارة الذي لطخ بالدم. تحركوا بحذر بتعاطف السور الأثري، محاولين عدم التركيز، متوجهين نحو محطة مترو الملك الصالح للوصول إلى وسط البلد.

وفجأة، ليس سيارتان ميكروباص بيضاوان يغطي الجزء الأمامي منهم مباشرة، وميتا الطريق. انفتحت النوافذ الزجاجية بسرعة، ونزل منها ستة رجال لفتياتهن، لكن نظراتهم نافعة وقبضتهم المخبأة تحت الجواكت كانت تشيويتهم فوراً.

صرخ كريم وهو يدفع عماد وسارة للخلف:

"جروب! دول رجالة مراد.. سارة، خدي أبويا والشنطة واجروا وسط الزجاج!"

تلاح المجموعة ستان في صراع شرس وعلني في وسط الشارع. يقترب أحد الرجال نحو كريم، مخففًا للحجم، ووجهًا لكم قويًا أسقطته أرضًا. لكن عماد، الذي يمتلك روح القتالية لم يعهدها في نفسه من قبل، ان يدفع باتجاهها وضربه بالقوة بالحقيبة المخصصة للسكك الحديدية الصغيرة التي كان يسافر فيها الأوراق، مما جعل الرجل يترنح تائه.

أمس رجلك آخر شعر بسارة من جربها الأستاذ رفعت، لكن سارة التفتت إليه بسرعة البرق، وبكل ما تملكه من غل متراكم، طعنه في فخذه بالقضيب الحديدي الدقيق الذي ما وتثبيته به. صرخ الرجل وسقط على ركبتيه، لتتحرر سارة وصرخ في عماد:

"عماد! المترو قريب..يلا!"

الناس في الشارع بدأوا يتجمعون، وأصوات الصراخ تعلو: "خناقة! طلبوا البوليس!".. هذا الزخم الشعبي والضجيج أربك رجال مراد الذين كانوا يحاولون يحاولون بصمت وتثير الرأي العام. رجعوا خطوتين كوبلر للسيارات، بينما استغل عماد وكريم الموقف، وسحبوا الأستاذ رفعت واندفعوا نحو زقاق ضيق يتلوى بين الورش والمنازل القديمة المؤيدة للمحطة.

في مكتبه الفخم بوسط القاهرة، كان الجنرال مراد يستمتع بتقرير الفاشلة عبر الهاتف. ملامحه لم ترتديها، لكن اليد التي تمسك بها قلم حبر جميل ضغطت عليه حتى انكسر السن المعدني، وسال الحبر الأزرق على مكتبه المصقول كدم بارد.

لم تكن ستنجو بجلسته أمامه، وقد بدأت عليها علامات الانهيار الكامل؛ فعليناها بهالات سوداء، وتتنفس بصعوبة:

"مراد.. الولاد دول بقوا زي الأشباح، بيطلعوا من تحت الأرض ويختفوا الناس وسط. لووا وصلوا لوسط البلد والورق ده اتنشر على النت.. أنا هخسر كل حاجة. العمارة هتحجزها، لتعليم هترفع عليا حقوق تعويض بمليارات!"

وقفة مراد، ومشى نحو الزجاج الضخم الذي ستغطيه القاهرة من الأعلى. قالت بنبرة هادئة، هدوء العاصفة التي سبقت الدمار:

> "نجوى.. إنتي لساه بتفكري بمنطق الحارة. الموضوع مبقاش ورق وعمارة.. الموضوع يبقى هيبة. عاصم مات وهو فاكر إنه كسرني، والولاد دول لو لاحظتوا، هيبقواوة لكل المناطق الجميلة اللطيفة في وش الجرافات. ده اللي مش هسمح بيه. أنا نزلت أمر الكم لكل ائن الثابتة والمتحركة في القاهرة بضبط وحضارت قدت عماد لأخرى. الانتماء لجماعة تخريبية وسرقة وثائقية جديدة.

داخل العربة المتجهة إلى محطة السادات (وسط البلد)، كان هناك أربعة يجلسون في زاوية معتمة. تمكنوا من العمل وسط زحام الموظفين والطلاب في ساعة الاستعداد الصباحية. كان الأستاذ يرفعت يستند برأسه على كتف سارة، وعيناه مغلقتان، لكن يترك لمقبض سوس ثانية واحدة.

التفت عماد نحو كريم، ونظر إلى جرحه الأزرق الذي بدأ يتلون الكلاسيكي:

"كريم.. إنت بحاجة إلى مستشفى. إصابة ده لو أت التلوث أكتر من كده، ه يتدخل في غغرينا."

رد كريم بابتسامة عنيدة متألمة:

"مفيش مستشفيات يا عماد.. اسمي واسمك وأبويا نزلوا على شبكة المترددين على الطوارئ في كل السلطات القضائية الحكومية. مراد مقفلها النقابي. أنا قادر على الوصول إلى النهاية ما وصلنا للقنصلية القديمة. قولي.. مريم تريد بالظبط عن المكان؟"

لقد كتب عماد صغيرة تفاصيل الحادثة مريم:

"المبنى مهجور من السبعينات، أغلق في شارع قصر العيني، وورا سور جنينة هندية جديدة. المبنى اسمياً يحمي لإن ملكيته تابعة للسفارة الفرنسية، ومراد ميردرش يدخله بقوة جماهيرية جماهيرية لإن ده هيعمل إشكالية. هناك فيه خط متصل بإنترنت فضائي مشفر، مريم هتبعت الأكواد ونقدر نرفع المستندات بالكامل للمحكمة الدولية للصحافة في نفس اللحظة."

اعتبرت سارة لها، ثم التفتت لتراقب ركاب المترو. وتتوجه رجلاً وجهاً عريضاً، وتتصل على بعد متقنة، وتهتم بتمعن ويمسك بهاتفه المحمول، وغالباً بنبرة خفية وعيناه لا تفارق كريم.

همست سارة لعماد بنبرة مرعوبة:

"عماد.. الراجل اللي هناك ده بيراقبنا. باين عليه من رجال الأمن الوطني أو اعترف مراد. المحطة الجاية هي 'سعد زغلول'.. ولازم ننزل قبل ما يقفلوا المحطة علينا."

نزلت المجموعة في محطة سعد زغلول وسط تدافع رطب. تحركوا بسرعة نحو السلالم المؤدية للخارج، وكان الرجل ذو البدلة يفرقهم بخطوات سريعة، ويتحدث بحدة في لاسلكي صغير مخبأ في كمه.

خرجوا إلى شارع قصر العيني. كانت الشمس الحارقة تضرب وجوههم المتعبة، وجيج السيارات يصم الآذان. أمامهم على بعد حارتين، تظهر سور السفينة الفرنسية القديمة بشوارعها ووجدته المبنية على البوابة الرئيسية، يطلها الصدأ وقفل حديدي على البوابة الرئيسية.

وفجأة، دوت أسراب من سيارات الشرطة وسيارات الدفع الرباعي السوداء من نهايتي الشارع، مطلق النار سريناتها المرعبة، لتقطع حركة المرور الجماعي وجبر المارة على السماء. رجال مسلحون الأقنعة السوداء بدؤوا بالانتشار في الشارع، يوجهون أسلحتهم نحو الخارج والداخل.

صرخ عماد وهو يمسك بيد سارة:

"جروا! السور قدامنا.. مفيش حل تاني!"

ركض ستة بكل ما يوجد من طاقة حيوية. كان كريم يسحب والده الذي كان بإعجوبة مستمداً الطاقة الحيوية من اينار في رؤية نهاية هذه الطائرات. وصلوا إلى سور الحديدي للقنصلية. كان ارتفاعه المترين والنصف، يعلوه سلك شائك قديم.

تسلق عماد سور الجديد برعونة وخوف، وضغط بملابسه على سلك الشائك ليصنع بأمان آمناً. رفع كريم والده رفعت، واستطاع عماد سحبه للداخل ليسقط الأستاذ رفعت على العشب الجاف لحديقة الأعشاب، محتضناً غرساً خاصاً.

بينما كانت سارة تتقدم، تقدم أحد رجال مرادين نايت، وتقدمت في جذع الشجرة القصير منها، ليتطاير اللحاء الخشبي ويجرح وجنتها. صرخة كريمة ودفع نحو السور، الدافعة بسارة للداخل بكل قوته، لتقع في جوار عماد.

ولكن قبل أن يتوقع كريم من تسلق السور، حاصرته ثلاث سيارات رباعية الدفع، وأنزل منها عشرة رجال مسلحين، وصوبوا فوهات بنادقهم نحو صدرهم السوداء مباشرة. ومن بين السيارات، تقدم اللواء مراد بخطوات خطى وواثقة، واضعاً أهدافاً في جيبي معطفه، وعيناه تلمعان ببرود قاتل.

يبدو مراد إلى كريم معلق بين الأرض والسور، وقال بصوت منخفض ومزلزل عصر القائد الذي حاصر فريسته:

> "كريم رفعت.. لعبة خلصت. إنت شجاع زي أبوك، بكل بساطة من غير قوة هي مجرد انتحاري. قول لأبوك والكاتب اللي جوه يرموا الشنطة بره السور، بينما هسيبك يعيش، وهسيب أبوك يموت فيه مش في زنة تحت الأرض."

من داخل حديقة المجرية، عبر الحدود، كان عماد وسارة يسندان الأستاذ رفعت الذي كان يتنفس بصعوبة ويصعد. تفتّحت نحو عماد، وظهرت في شكل جديد من الوداع، وظهرت في الآونة الأخيرة كرجل يعرف متى دوره كمحامٍ ودوره كشهيد.

همس رفعت لعماد وهو يضغط على اليد:

> "يا عماد.. مفيش وقت لكريم.. هنا مش هيسيبوه في كل تأجير. بناء المبنى.. فكر المحاكمة مع مريم.. رفع الملفات. دم عاصم ودم ابني مش لازم يروح هدر. املي السطور يا عماد.. امليها بالحقيقة!"

في تلك اللحظة الدقيقة، من داخل المبنى المهجور للقنصلية، أضاءت فجأة شاشة حاسوب قديم كان متروكاً على طاولة خشبية مغبرة، وبدأت رنين هاتف أرضي قديم يتردد في أرجاء المكان الصامت، معلناً وصول الرموز الرقمية من باريس، لتتشابك خيوط الحكاية مرة أخرى في عقدة جديدة وأكثر تجربة، معلنة أن المعركة لم تنته خلف الأسوار، بل بدأت فصولها الأكثر شراسة وغموضاً، دون أن ترسم في الأفق أي صوت.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • اللقاء المجنون   الحادي والسبعون

    مع تحطم الباب الحديدي خلفهم، انطلق صدى المعادن المقذوفة في رطوبة السرداب كصاعقة أنذرت باقتراب النهاية أو بداية غرق جديد في باطن الأرض. لم يعد هناك مجال للتراجع؛ فالطريق إلى قصر العيني سُدّ تماماً برجال الدكتورة فريدة الأنصاري، والطريق إلى المدافن العتيقة فوق الأرض بات تحت رحمة طائرات مراد المعلقة كالأفاعي في سماء الفجر."امشوا ورايا ونزلوا رؤوسكم!" هتف أحمد عاصم وهو يرفع مصباحه الزيتي عالياً، ليوجه الضوء نحو فجوة ضيقة انشقت في الجدار الجانبي للممر الأوسط. كانت المياه الكبريتية التي تحدث عنها "العم مصطفى" قد بدأت تتسرب بالفعل، لتصنع بركاً طينية لزجة تعوق حركة الأقدام الراكضة.سحب عماد سارة التي كانت تعرج قليلًا جراء المجهود، بينما كان كريم يسند الأستاذ رفعت بكل ما تبقى في جسده من طاقة عنيدة. وسط الهرب، التفت عماد لأحمد عاصم وسأله وصوته يتردد بين الجدران الضيقة:"لو مريم محبوسة في باريس.. إيه اللي يخلي الشفرة تفتح الباب الرابع هنا في مصر؟!"رد أحمد دون أن يلتفت، وهو يدفع بكتفه باباً خشبياً قديماً كاد يتدلى من مفصلاته الصدئة:"لأن السيستم مربوط ببعضه يا عماد! مريم لما اخترقت السيرفرات هن

  • اللقاء المجنون   السبعون

    اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت

  • اللقاء المجنون   التاسع والستون

    لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟

  • اللقاء المجنون   الثامن والستون

    لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي

  • اللقاء المجنون   السابع والستون

    كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م

  • اللقاء المجنون   السادس والستون

    دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"> لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"في تلك اللحظة، تجلت

  • اللقاء المجنون   الخمسون

    اشتدّت القبضة الرمادية على ساقي عماد، وبدأ جسده المستعاد يتخلى عن ثقله البشري، مائلًا نحو الشفافية والعدم. شعر بأنفاس الفراغ النهمة تسحب ذكرياته الطفولية، وصور شوارع مدينته القديمة، مفرغةً إياه من ماهيته.وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها المسارات تمامًا، التقت عينا عماد الغارقتان في الخوف بعين مالك ا

  • اللقاء المجنون   التاسع والأربعون

    كان الألم الذي يعصف بـ "مالك" أكبر من أن يستوعبه جسد بائد. لم يكن ألمًا عضويًا، بل كان وجع الفكرة وهي تُعصر لتتحول إلى نص جامد. السلك الفضي تغلغل تمامًا، وباتت شرايينه تنبض بالحبر المذاب بدلًا من الدماء. في تلك اللحظة، لم يعد يرى بياض الهامش كفراغ، بل كـ **مخرن لا نهائي للقصص المنسية**.على الجانب

  • اللقاء المجنون   الثامن والاربعون

    انفتح الباب الحبري المعلق في الفراغ، ولم يكن خلفه نور أو ظلام، بل كان خلفه "اللاشيء"؛ مساحة بيضاء مرعبة خالية من الأسطر، تشبه صفحة بكر لم تلمسها ريشة كاتب بعد. اندفعت الدوامة السائلة من الحبر والرماد نحو ذلك الانفتاح، جارفةً معها جسدي مالك وعماد اللذين فقدا القدرة على المقاومة. في تلك اللحظة، لم يع

  • اللقاء المجنون   السابع والاربعون

    لم تكن البرودة الخارقة الصادرة من عنق عماد هي ما يهدد حياة مالك الآن، بل ذلك الإحساس الغريب الذي سرى في كفّه فور ملامسته للسلك الفضي. لم يكن ملمسه معدنياً؛ كان أشبه بالإمساك بعصبٍ عارٍ ينبض بالطاقة الخام. ومع تجمّد الزمن، شعر مالك بوعيه يتمدد فجأة عبر هذا السلك، ليري خلف النسيج المرئي للغرفة.لم يع

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status