Partager

الثامن والستون

Auteur: Noona
last update Date de publication: 2026-06-26 04:47:50

لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.

على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.

ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:

"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي معاه القوة. ارموا الشنطة."

داخل الحديقة المهجورة، تحامل الأستاذ رفعت على آلامه، وجلس مسنداً ظهره إلى جذع شجرة كافور عتيقة. كانت أنفاسه تخرج كحشرجة مكتومة، لكن ذكاءه الحاد كان يعيد ترتيب المشهد في رأسه بسرعة فائقة. نظر إلى عماد، ثم إلى سارة التي كانت دموعها قد صنعت مسارات واضحة وسط الغبار والدماء على وجهها، وقال بصوت حاسم:

"عماد.. سارة.. ادخلوا المبنى. التلفون ده مريم. التلفون ده هو طوق النجاة الوحيد لكريم وليا ولكل شبر أرض في البلد دي. مراد مش هيقدر يضرب رصاصة واحدة جوة السور ده.. القانون الدولي لسة ليه هيبة، حتى عند اللي زيه."

أومأ عماد برأسه، وشعر بمسؤولية لم يخبر مثلها قط. التفت إلى سارة، وأمسك بيدها؛ لم تعد تلك اليد مجرد يد لفتاة ألهمته لكتابة قصة، بل أصبحت شريكته في معركة وجودية. ركضا معاً نحو الباب الخشبي الضخم للقنصلية، ودفعاه بكل قوتهما ليتزحزح معلناً عن بهو واسع يملؤه الغبار، وتتدلى من سقفه ثريا كريستالية مغطاة بخيوط العنكبوت.

في منتصف البهو، كانت هناك طاولة مكتب خشبية ضخمة، عليها جهاز حاسوب قديم أضاءت شاشته بلون أزرق باهت، وبجواره هاتف أسود ذو قرص دوار، كان يرن بإلحاح. قفز عماد نحو الهاتف ورفع السماعة، لتأتيه نبرة مريم عاصم مشحونة بالطاقة والخوف والدموع من باريس:

"عماد؟! الحمد لله إنكم وصلتوا.. اسمعني كويس، الأكواد اللي والدي سابها مكنتش مجرد أرقام حسابات. دي كانت الشفرة السرية لأرشيف مصلحة الشهر العقاري ووزارة الأوقاف اللي الست نجوى افتكرت إنها حرقتها في تسعينيات القرن اللي فات!"

في تلك اللحظة، ومع ذكر اسم "نجوى" وتلك الحقبة، شعر الأستاذ رفعت بالخارج، ورغم غيابه عن الوعي جزئياً، وكأن شريطاً من الذكريات يعود به إلى عام 1996. تذكر رفعت عندما كان شاباً يافعاً، يبحث في سراديب دار المحفوظات، وتذكر "نجوى" عندما كانت مجرد موظفة طموحة في قسم العقود، وكان يرى في عينيها ذلك الجشع الذي تحول الآن إلى وحش يلتهم معالم القاهرة. تذكر كيف حذر عاصم (والد مريم) من الوثوق بها، لكن عاصم كان يرى فيها امرأة تحاول البقاء، ولم يدرك أنها كانت تبيع أصول المدينة للشركات الوهمية خلف ظهره.

تتابع صوت مريم عبر السماعة، وعماد ينصت بكل جوارحه، بينما كانت سارة تحاول ربط جرح جديد في كتفها مستخدمة قطعة من ستائر القنصلية القديمة:

"مراد والست نجوى مش مجرد مستثمرين.. دول واجهة لشبكة تهريب آثار وغسيل أموال دولية. أنا ربطت الحسابات، ودلوقتي السيرفر المشفر للقنصلية مفتوح.. ارفعوا المستندات اللي في الشنطة فوراً من خلال الكابل الرمادي الموصل بالكمبيوتر. أول ما ترفعوها، النسخ هتوصل للنائب العام المصري، وللمحكمة الدولية، ولأكبر خمس وكالات أنباء في العالم في نفس اللحظة!"

في الخارج، كان الصمت يلف المشهد، صمت يسبق العاصفة. تقدم مراد خطوة إضافية نحو كريم، ورفع طبنجته ليصوبها مباشرة نحو جبهته. نظر كريم إلى والده المستلقي خلف السور، ورأى في عينيه نظرة رضا وأمل، فابتسم كريم وقال لمراد بتحدٍ شبرواي أصيل:

"اضرب يا مراد.. لو كان الرصاص بيقتل الحقيقة، كان زمانك ارتحت من عاصم ومن أبويا من زمان. الشنطة جوة، والورق اللي فيها دلوقتي بيلف العالم كله."

ضغط مراد على أسنانه، وكاد إصبع الصناديد يضغط على الزناد، لولا أن صوتاً مفاجئاً قطع برود الأجواء. كانت سيارة مرسيدس سوداء أخرى تصل بمكابح مرتفعة الصوت، لتنزل منها الست نجوى وهي تصرخ بهستيرية، وشعرها منسدل على وجهها وعيناها متسعتان من الرعب:

"وقف يا مراد! متضربش! مراد.. المصيبة حلت على دماغنا!"

التفت مراد إليها بغضب عارم: "في إيه يا نجوى؟ قولتلك ملمحكيش هنا!"

وقفت نجوى تلهث، ممسكة بهاتفها المحمول الذي كان يعرض بثاً مباشراً لإحدى القنوات الإخبارية العالمية: "الورق اتنشر.. الورق اتنشر يا مراد! البورصة قفلت أسهم مجموعتنا، والنائب العام أصدر قراراً بمنعنا من السفر والتحفظ على كل أموالنا.. الحسابات في جزر الكايمان وبنما اتجمدت بطلب من الانتربول! إحنا انتهينا.. انتهينا بالكامل!"

وقع الخبر على مراد كالصاعقة. تراجعت يده التي تحمل السلاح قليلاً، ونظر إلى السور الحديدي وكأنه يرى فيه نهاية إمبراطوريته التي بناها بالدم والفساد. في تلك اللحظة، استغل كريم حالة الارتباك، وبكل ما تبقى له من قوة، دفع أحد المسلحين بقدمه، وقفز متسلقاً السور الشائك، ليرتمي داخل الحديقة، تاركاً قطرات من دمائه على الحديد، لكنه كان حراً.

انطلقت رصاصات عشوائية من رجال مراد الذين فقدوا السيطرة على أعصابهم، لترتطم بأحجار القنصلية القديمة وتكسر ما تبقى من نوافذها، لكن الوقت كان قد فات. دوت في الأفق أصوات سيرينات أخرى، لكنها لم تكن سيارات مراد؛ كانت سيارات الشرطة الرسمية وقوات إنفاذ القانون التابعة للنيابة العامة، التي جاءت لتنفيذ أمر القبض على اللواء مراد والست نجوى.

### في غياهب وسط البلد: ولادة جديدة وعلاقات تتشابك

سحب عماد وسارة كريم إلى داخل البهو، وأغلقوا الباب الخشبي الثقيل. ارتمى كريم على الأرض وهو يلهث ويضحك برغم الألم: "عملتوها.. ولاد اللعيبة عملوها!"

ركضت سارة نحو كريم، وبدأت تتفقد جرحه بلهفة واهتمام، وظهرت في عينيها مشاعر دافئة نمت في ظلال الخطر والموت؛ لم تعد تراه ذلك الشاب الخشن الذي يفرض حمايته بسلاحه، بل رأته بطلاً ضحى بنفسه من أجل قضية أكبر منه. تلاقت عيناهما في عتمة البهو، وكانت تلك اللحظة بمثابة إعلان صامت عن رابطة جديدة ولدت من رحم المعاناة.

أما عماد، فقد توجه نحو النافذة يراقب القوات وهي تحاصر مراد ونجوى بالخارج، وشعر بذراع دافئة توضع على كتفه. التفت ليجد الأستاذ رفعت قد تحامل على نفسه ووقف بجواره، وعيناه تلمعان بدموع لم يستطع حبسها. قال رفعت لعماد بنبرة صوت تملؤها الأبوة والامتنان:

"شفت يا عماد؟ القلم كتب النهاية اللي هما مكنوش عايزينها. إنت مش كاتب أوهام.. إنت وثقت ذاكرة مدينة، والمدينة دي مبتموتش طول ما فيها ناس زيك وزي سارة وكريم ومريم."

تحركت مريم عاصم عبر الخط الهاتفي الذي ما زال مفتوحاً، وقالت بصوت هادئ: "أنا حجزت على أول طيارة للقاهرة يا جماعة. الأمانة رجعت لأصحابها، وأرض المقابر والتراث المملوكي والفاطمي هيفضلوا ملك للناس.. مش للمزاد العلني."

### أفق جديد بلا نهاية

مع مرور الساعات، بدأت الشمس ترتفع في سماء القاهرة، لتلقي بأشعتها الذهبية على مبنى القنصلية القديمة، وتتسلل عبر الشقوق لتضيء البهو المظلم. جلس الأربعة في حلقة حول طاولة المكتب القديمة، يداوون جراحهم ويتنفسون الصبح الجديد.

كانت العلاقات بينهم قد تغيرت بالكامل؛ عماد وسارة وقفا جنباً إلى جنب، ينظران إلى الشوارع الممتدة أمامهما، يدركان أن الرواية القادمة لن تكون من نسج الخيال، بل ستكون توثيقاً لملحمة حقيقية عاشاها بكل تفاصيلها. وكريم، الذي كان يجلس مستنداً إلى جدار القنصلية، وجد في سارة الصديقة والشريكة التي تفهم معنى التضحية، بينما كان الأستاذ رفعت ينظر إليهم وكأنه يرى ثمار عمره تنضج أمامه.

المعركة ضد مراد ونجوى انتهت، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد. فالمدينة العتيقة، بأزقتها ومقابرها وسراديبها المملوكية، ما زالت مليئة بالأسرار والقصص التي تنتظر من يكتشفها ويحميها. وبينما كانت أصوات القاهرة الصباحية تعود لتعزف لحنها المعتاد، كان عماد يمسك بقلمه، ويفتح الصفحة الأولى من دفتره الجديد، مستعداً لكتابة السطور الأولى في فصل جديد من حياة مدينة لا تنام، ولا تموت، ولا تستسلم للإخفاء.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • اللقاء المجنون   الحادي والسبعون

    مع تحطم الباب الحديدي خلفهم، انطلق صدى المعادن المقذوفة في رطوبة السرداب كصاعقة أنذرت باقتراب النهاية أو بداية غرق جديد في باطن الأرض. لم يعد هناك مجال للتراجع؛ فالطريق إلى قصر العيني سُدّ تماماً برجال الدكتورة فريدة الأنصاري، والطريق إلى المدافن العتيقة فوق الأرض بات تحت رحمة طائرات مراد المعلقة كالأفاعي في سماء الفجر."امشوا ورايا ونزلوا رؤوسكم!" هتف أحمد عاصم وهو يرفع مصباحه الزيتي عالياً، ليوجه الضوء نحو فجوة ضيقة انشقت في الجدار الجانبي للممر الأوسط. كانت المياه الكبريتية التي تحدث عنها "العم مصطفى" قد بدأت تتسرب بالفعل، لتصنع بركاً طينية لزجة تعوق حركة الأقدام الراكضة.سحب عماد سارة التي كانت تعرج قليلًا جراء المجهود، بينما كان كريم يسند الأستاذ رفعت بكل ما تبقى في جسده من طاقة عنيدة. وسط الهرب، التفت عماد لأحمد عاصم وسأله وصوته يتردد بين الجدران الضيقة:"لو مريم محبوسة في باريس.. إيه اللي يخلي الشفرة تفتح الباب الرابع هنا في مصر؟!"رد أحمد دون أن يلتفت، وهو يدفع بكتفه باباً خشبياً قديماً كاد يتدلى من مفصلاته الصدئة:"لأن السيستم مربوط ببعضه يا عماد! مريم لما اخترقت السيرفرات هن

  • اللقاء المجنون   السبعون

    اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت

  • اللقاء المجنون   التاسع والستون

    لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟

  • اللقاء المجنون   الثامن والستون

    لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي

  • اللقاء المجنون   السابع والستون

    كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م

  • اللقاء المجنون   السادس والستون

    دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"> لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"في تلك اللحظة، تجلت

  • اللقاء المجنون   الثلاثون

    اخترق الأزيز الحاد صمت الغرفة الخانق، وتصاعدت وتيرته كأنه صرخة بعث ميكانيكية في وسط الموت المحتوم. تجمدت أصابع سارة فوق لوحة التحكم التي كانت لا تزال دافئة من أثر إرسال الشفرة الأخيرة. بين ركام الأجهزة المتفحمة والغبار المتصاعد، كان صوت اللاسلكي يبدو غير حقيقي، قادمًا من عالم آخر لم يطأه الخراب بعد

  • اللقاء المجنون   التاسع والعشرون

    انطلقت شرارة الضحك من جوف آدم، ضحكة مخنوقة لكنها رنانة، كسرت صمت المطبخ الثقيل. كانت أشبه بضحكة محارب يخوض معركته الأخيرة وهو يعلم أن أوراقه كلها باتت على الطاولة. التفت إليه يوسف، وعيناه متسعتان من أثر الأدرينالين والخوف، لكنه لم يتكلم؛ فالموقف أبعد ما يكون عن العتاب. أومأ يوسف برأسه إيماءة واحدة،

  • اللقاء المجنون   الفصل الثامن والعشرون

    كريم سكت لثواني، عينه بتتحرك بين ملامح آدم الواثقة بزيادة، وبين الصينية الأخيرة اللي اتقفلت وكأنها الصندوق الأسود لكارثة هتحصل. الهدوء اللي في المكان فجأة بقى تقيل، وصوت المطر اللي بيخبط على قزاز المطبخ التجاري زاد من حدة التوتر.​كريم سحب كرسي خشبي وقعد، فرك وشه بإيده وخد نفس طويل وقال بصوت واطي و

  • اللقاء المجنون   الفصل السابع والعشرون

    آدم غمز لها وقال: "يعني من لندن لباريس.. والعودة لشبرا الخيمة؟ جهزي الكشكول يا شيف.. الرحلة شكلها عريضة والقصة لسة في أولها!"​ابتسمت ليلى والدموع لمعت في عينيها، الفكرة نفسها لمست حتة جوة قلبها كانت دايماً بتوجعها؛ حتة الغربة والشوق لأصل الحكاية. بصت لآدم وقالت بنبرة دافية وصوتها فيه بحة شجن: "الف

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status