登入— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.
استدار كريم إليه بعنف. — كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي! رفع فؤاد يده مستسلمًا. — عندك حق. اسمه الحقيقي هو… توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة. أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل. الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى. — ورايا. دلوقتي. قال فؤاد بحدة: — إنت بتعمل إيه؟ أجابه الرجل: — اللي كان لازم أعمله من أول يوم. ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود. لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة. سمع محمود يهمس: — مستحيل… نظر إليه كريم. — إيه؟ قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه: — ده مش الراجل اللي كان بيراقبك. ابتعد الرجل عنهم خطوة. — أنا مش جاي أراقبه يا محمود. ثم نظر مباشرة إلى كريم. — أنا جاي أخده. لم ينتظر محمود تفسيرًا. دفع كريم وسلمى ناحية الباب الخلفي، ثم اندفع نحو السيارة التي دخلت الساحة. سمع كريم صوت اصطدام، وصوت فؤاد يصرخ باسم محمود. أمسكت سلمى بيده وسحبته إلى الممر. — اجري! — مش هسيبه! — لو رجعت دلوقتي، هيموت قدامك! توقف كريم للحظة. كانت تعرف بالضبط أي كلمة ستجعله يتحرك. ركضا عبر الممر الخلفي حتى وصلا إلى شارع ضيق، حيث كانت السيارات تمر ببطء تحت المطر. أخرج كريم هاتفه، واتصل بنادية. مرة. مرتين. ثلاث مرات. لا إجابة. ثم وصلته رسالة. «أنا في البيت. تعال لوحدك. لازم أقول لك الحقيقة قبل ما يوصلك هو.» قرأها بصوت مرتفع. قالت سلمى: — دي من أمك؟ — أيوه. — محمود قال لك ما تروحش البيت. — وهي قالت لي أروح. — ويمكن واحد فيهم بيكذب. نظر كريم إليها. — ولو الاتنين بيكذبوا؟ لم تجب. أعاد قراءة الرسالة. ثم لاحظ أن نادية لم تكتب اسمه بالطريقة التي اعتادتها. كانت دائمًا تبدأ رسائلها بكلمة «حبيبي». هذه المرة كتبت: «كريم.» كأنها لا تتحدث إلى ابنها. كأنها تتحدث إلى شخص آخر يعرف اسمه. فتح سجل الرسائل، فلاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل: الرسالة السابقة التي أخبرته فيها أن القاتل هو الشخص الذي عاد معه، كانت قد وصلت من رقم نادية الحقيقي. أما الرسالة الجديدة، فوصلت من رقم لا يعرفه. رفع رأسه نحو سلمى. — دي مش أمي. وقبل أن تتمكن من الرد، رن هاتفه. رقم مجهول. فتح الاتصال ووضع الهاتف على أذنه. جاءه صوت امرأة تتنفس بصعوبة. — كريم؟ تجمد في مكانه. كان الصوت مألوفًا. ليس صوت نادية. ولا صوت سلمى. بل الصوت الذي سمعه في ذاكرته قبل لحظات، ذلك الصوت الذي قال له: «ما تسيبنيش تاني يا كريم.» همس: — مريم؟ سكتت المرأة لثانيتين. ثم قالت: — أخيرًا افتكرت اسمي. شعر كريم بأن الأرض تميد تحته. — إنتِ فين؟ — مش مهم. المهم إنك ما تروحش البيت. — ليه؟ — لأن أمك مش هناك. نظر كريم إلى سلمى، التي كانت تراقب وجهه. قال بسرعة: — طيب، فين هي؟ جاءه صوت المرأة أكثر انخفاضًا: — مع الراجل اللي إنت فاكره أبوك. — محمود؟ — لأ. توقف قلبه لحظة. ثم سمعها تقول: — مع الراجل اللي مات من سبع سنين، واللي محمود اعترف إنه قتله. انقطع الاتصال. ظل كريم ممسكًا بالهاتف، عاجزًا عن الكلام. انتزعت سلمى الهاتف من يده، وحاولت إعادة الاتصال، لكن الرقم لم يعد متاحًا. قالت: — كريم، لازم نفهم هي تقصد إيه. لكنه كان ينظر إلى شيء خلفها. عند الطرف الآخر من الشارع، تحت ضوء مصباح أصفر، وقفت امرأة ترتدي معطفًا أسود. شعر داكن. وجه يشبه وجه سلمى. ندبة صغيرة أسفل الحاجب الأيسر. وقلادة فضية على شكل نصف قمر. رفعت المرأة يدها ببطء، وأشارت إلى سلمى. ثم وضعت إصبعها على شفتيها، تطلب منها الصمت. خطا كريم خطوة نحوها. — مريم! استدارت المرأة، وبدأت تمشي بعيدًا. ركض كريم خلفها، لكن سيارة مرت بينهما، وعندما عبر الشارع لم يجدها. لم يجد سوى ظرف أبيض موضوعًا فوق مقعد خشبي مبلل. التقطه وفتحه. في الداخل صورة قديمة لثلاثة رجال يقفون أمام مدخل المستشفى. الأول محمود. الثاني فؤاد. أما الثالث، فكان رجلًا لم يره كريم من قبل. لكن وجهه كان يشبه وجه كريم بصورة مخيفة. على ظهر الصورة، كُتبت جملة بخط مرتجف: «محمود لم يقتل أباك. لقد قتل الرجل الذي كان يرتدي وجه أبيك.» وفي أسفل الورقة، اسم واحد: عادل منصور. في مكان آخر من المدينة، داخل شقة لا توجد عليها أرقام، جلست نادية أمام رجل لم تره منذ سنوات. كان يرتدي قميصًا أبيض، وشعره قد شاب عند الصدغين، وعلى يده اليسرى خاتم فضي يتوسطه حجر أسود. وضع أمامها كوبًا من الماء. — لسه بتخافي من الرعد؟ سألها. لم تلمس الكوب. — إنت المفروض تكون ميت. ابتسم الرجل. — دي الجملة اللي بسمعها كتير الفترة دي. — كريم شاف الصورة. توقفت ابتسامته. — أنهي صورة؟ — صورة مريم. نهض الرجل ببطء، وسار نحو النافذة. — يبقى محمود فشل في إخفائها. — محمود ما كانش بيخبيها عنك. التفت إليها. — أمال كان بيخبيها عن مين؟ لم تجب نادية. اقترب منها الرجل، ووضع يده على ظهر الكرسي. — اسمعيني كويس. أنا رجعت عشان أصلح الغلطة اللي حصلت من سبع سنين. كريم لازم يعرف الحقيقة، لكن مش كلها. رفعت نادية رأسها، وقد امتلأت عيناها بالغضب. — إنت مش هتلمسه. — أنا ما جيتش ألمسه. مال نحوها، وهمس: — أنا جيت آخد بنتي. انقبض وجه نادية. — بنتك ماتت. ظل الرجل ينظر إليها طويلًا. ثم ابتسم ابتسامة خالية من الرحمة. — إنتِ اللي دفنتي بنتي يا نادية. سحب كرسيًا وجلس أمامها. — دلوقتي قولي لي… وضع إصبعه على الصورة التي كانت فوق الطاولة. — أنهي واحدة فيهم دفنتي؟— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت