Short
الوردة التي ذبلت في شتائها الثاني

الوردة التي ذبلت في شتائها الثاني

Oleh:  أجنحة من ريشTamat
Bahasa: Arab
goodnovel4goodnovel
10Bab
1Dibaca
Baca
Tambahkan

Share:  

Lapor
Ringkasan
Katalog
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi

حلّق ياسر الشاذلي في الجو ثماني سنوات، من مساعد طيار حتى أصبح قائد طائرة، وكنت أنا بجانبه طوال الطريق. في أكثر عام كان مشغولًا فيه، تركت عملي، وصرت أطبخ له كل يوم حسب جدول رحلاته. ذكرت له مرة واحدة: "هل يمكن يومًا ما أن تأخذني لأرى ما تراه أنت على ارتفاع عشرة آلاف متر؟ مرة واحدة فقط." لم تتوقف الملعقة في يده حتى وهو يقول: "هذا مكان عمل، وليس ملاهي." قلت له: "حسنًا"، ولم أذكر الأمر بعدها. حتى تلك الليلة التي أصابني فيها الأرق، وتصفحت هاتفه فوجدت ألبومًا مشفّرًا في معرض صوره. كان الألبوم يحوي أكثر من أربعين صورة، كلها من زاوية قمرة القيادة. بحار من الغيوم، وغروب الشمس، وقوس قزح مزدوجًا بعد المطر، ومجرّة درب التبانة على ارتفاع عشرة آلاف متر. كل صورة منها كانت مرسلة إلى الشخص نفسه، المسجّل تحت رمز دبٍّ صغير. كانت أحدث صورة قد اُرسلت قبل ثلاثة أيام، تُظهر سحب الغروب، وقرص الشمس معلقًا نصفه عند طرف جناح الطائرة. وكتب تحتها: "منظر اليوم جميل أيضًا، حين تأتين المرة القادمة، اجلسي في مقعد المراقبة الأيمن، هذه الزاوية أفضل ما يكون." فردّ عليه ذلك الشخص برمز عناق تعبيري، وأربع كلمات: "حينما يحين وقت إجازتي." أعدت الهاتف إلى مكانه، دون أن أغيّر رمز القفل، ودون أن أحذف الألبوم. وحين بزغ الصباح، حضّرت قهوتي كالمعتاد، وشربتها بهدوء. ثم فتحت الحاسوب وكتبت استقالتي، وحجزت تذكرة طيران إلى مدينة داريا. بعد ثماني سنوات، قررت أخيرًا ألا أطارد خطوط طيرانه بعد الآن، منتظرة موعد وجبته. ولن أعود أجلس في بيت خالٍ أخمّن إلى أين حلّق. ما دام ارتفاعه الشاهق لا يتسع لي، فسأنبت جذوري على الأرض، وأشاهد غروبي أنا.

Lihat lebih banyak

Bab 1

الفصل 1

حلّق ياسر الشاذلي في الجو ثماني سنوات، من مساعد طيار حتى أصبح قائد طائرة، وكنت أنا بجانبه طوال الطريق.

في أكثر عام كان مشغولًا فيه، تركت عملي، وصرت أطبخ له كل يوم حسب جدول رحلاته.

ذكرت له مرة واحدة: "هل يمكن يومًا ما أن تأخذني لأرى ما تراه أنت على ارتفاع عشرة آلاف متر؟ مرة واحدة فقط."

لم تتوقف الملعقة في يده حتى وهو يقول: "هذا مكان عمل، وليس ملاهي."

قلت له: "حسنًا"، ولم أذكر الأمر بعدها.

حتى تلك الليلة التي أصابني فيها الأرق، وتصفحت هاتفه فوجدت ألبومًا مشفّرًا في معرض صوره.

كان الألبوم يحوي أكثر من أربعين صورة، كلها من زاوية قمرة القيادة.

بحار من الغيوم، وغروب الشمس، وقوس قزح مزدوجًا بعد المطر، ومجرّة درب التبانة على ارتفاع عشرة آلاف متر.

كل صورة منها كانت مرسلة إلى الشخص نفسه، المسجّل تحت رمز دبٍّ صغير.

كانت أحدث صورة قد أُرسلت قبل ثلاثة أيام، تُظهر سحب الغروب، وقرص الشمس معلقًا نصفه عند طرف جناح الطائرة.

وكتب تحتها: "منظر اليوم جميل أيضًا، حين تأتين المرة القادمة، اجلسي في مقعد المراقبة الأيمن، هذه الزاوية أفضل ما يكون."

فردّ عليه ذلك الشخص برمز عناق تعبيري، وأربع كلمات: "حينما يحين وقت إجازتي."

أعدت الهاتف إلى مكانه، دون أن أغيّر رمز القفل، ودون أن أحذف الألبوم.

وحين بزغ الصباح، حضّرت قهوتي كالمعتاد، وشربتها بهدوء.

ثم فتحت الحاسوب وكتبت استقالتي، وحجزت تذكرة طيران إلى مدينة داريا.

بعد ثماني سنوات، قررت أخيرًا ألا أطارد خطوط طيرانه بعد الآن، منتظرة موعد وجبته.

ولن أعود أجلس في بيت خالٍ أخمّن إلى أين حلّق.

ما دام ارتفاعه الشاهق لا يتسع لي، فسأنبت جذوري على الأرض، وأشاهد غروبي أنا.

...

"لماذا استيقظتِ مبكرًا هكذا اليوم؟"

خرج ياسر من غرفة النوم يسحب حقيبة الطيران، وحاجباه مقطبان قليلًا.

كنت أحمل كوبي، وأنظر إليه وهو يثبّت بعناية شارة الرتبة ذات الخطوط الأربعة على قميصه الأبيض.

"لم أستطع النوم، استيقظت لأشرب قهوة."

اقترب من منضدة المطبخ، وتناول بلا اهتمام كوب الحليب الساخن الذي صببته للتو، وشرب منه رشفة.

"سهرتِ الليلة الماضية تشاهدين تلك المسلسلات التافهة مجددًا؟"

"لا."

"مها الجندي، مواعيد نومكِ صارت غير منتظمة أكثر فأكثر." رفع معصمه لينظر إلى ساعته، بنبرته المعتادة الواعظة.

"سأحلِّق بعد قليل إلى فرانكفورت، سأعود بعد أربعة أيام."

"حسنًا."

بدا متفاجئًا قليلًا من هدوئي المفرط اليوم.

فعادة، حين يطير رحلات دولية طويلة، كنت أرتب له مسبقًا بيوم دواء المعدة والميلاتونين ووسادة الرقبة، وأضعها في حقيبة طيرانه.

وأذكّره مرارًا أن يرسل لي رسالة بعد هبوط الطائرة.

اليوم لم أفعل شيئًا من ذلك، فقط جلست على الكرسي العالي أنظر إليه.

"أين وضعتِ دواء معدتي؟" فتّش في جيب حقيبته الجانبي.

"في الدرج الثاني تحت خزانة التلفاز، خذه بنفسك."

توقفت حركته للحظة، والتفت لينظر إليّ.

"ما بكِ اليوم؟ حتى بضع خطوات لا تريدين أن تمشيها؟"

"أشعر ببعض التعب."

تنهد، واقترب من خزانة التلفاز وفتح الدرج، وأخرج علبة الدواء ووضعها في جيبه.

"لا أعرف ما الذي يتعبكِ، أنتِ تبقين في المنزل طوال اليوم."

أضاء الهاتف الموضوع على المنضدة الرخامية.

ظهرت رسالة واتساب.

الاسم المسجّل كان رمز دبّ صغير تعبيري.

"ياسر، درجة الحرارة ستنخفض اليوم في فرانكفورت، لا تنسَ أن تحضر معطفًا سميكًا."

التقط ياسر الهاتف، فأضاء نور الشاشة زاوية ابتسامةٍ خفيفة ارتسمت على شفتيه.

كتب بسرعة بيد واحدة ردًّا، دون أن ينتبه حتى لسحب سحّاب حقيبته.

"رسالة من زميلة عمل؟" سألته وأنا أنظر إلى ذلك الرمز التعبيري لدبّ.

أغلق شاشة الهاتف، ووضعه في جيب بنطاله.

"نعم، دانة الشناوي. هي أيضًا تطير على هذا الخط اليوم، تجلس في المقصورة الخلفية."

"أليست رئيسة مضيفات الخطوط الداخلية؟"

"الشركة كلّفتها مؤقتًا، جاءت للمساعدة في إرشاد الطاقم الجديد."

أجاب بشكل طبيعي جدًا، حتى أنه لم يحتج للتفكير في عذر.

نظرت إلى ظهره المعتدل، وتذكرت تلك الصور الأربعين وما فوق في الألبوم المشفّر الليلة الماضية.

كل صورة منها، التقطها بيده على ارتفاع عشرة آلاف متر.

لم يُرني إياها قط، لكنه شاركها بلا تحفظ مع دانة.

"ياسر."

"ماذا؟" كان يغيّر حذاءه عند المدخل.

"هل تتذكر ماذا يوافق الأربعاء القادم؟"

لم تتوقف حركته وهو يرتدي حذاءه.

"الأربعاء القادم؟ هناك تدريب محاكاة طيران في الشركة، لماذا؟"

"لا شيء."

الأربعاء القادم هو ذكرى مرور ثماني سنوات على ارتباطنا.

قبل ثماني سنوات، وفي مثل ذلك الأربعاء، حصل على خطاب تعيينه كمساعد طيار، واحتضنني بحماس ودار بي في الشقة المستأجرة.

قال حينها إنه سيختار لي أجمل الغيوم على ارتفاع عشرة آلاف متر.

لقد نسي.

"سأخرج الآن، سأرسل لكِ رسالة عند الهبوط."

دفع الباب.

"ياسر." ناديته مجددًا.

وضع يده على مقبض الباب، وبدا أن صبره قد نفد قليلًا.

"ماذا أيضًا؟ سيارة الطاقم تنتظرني في الأسفل."

"سحّاب حقيبتك لم يُغلق جيدًا."

أحنى رأسه ونظر إليها للحظة، وأغلقها بلا اهتمام.

"فهمت. أنتِ غريبة اليوم."

أُغلق الباب.

وغرق المنزل مجددًا في سكون تام.

اقتربت من الحاسوب، وضغطت زر إرسال رسالة الاستقالة التي كتبتها للتو.

ثم فتحت تطبيق حجز التذاكر، وأكدت تلك التذكرة ذات الاتجاه الواحد إلى مدينة داريا بعد سبعة أيام.

سبعة أيام، تكفي لأمحو آثار هذه السنوات الثماني.

رنّ الهاتف، كانت مكالمة من صديقتي المقربة ريم القحطاني.

"سلّمتِ استقالتك؟"

"سلّمتها."

"بما أنكِ قررتِ، فلا تراجع بعد الآن. متى تنوين أن تخبري ياسر؟"

"يوم سفري."

صمتت ريم للحظات في الطرف الآخر من الهاتف.

"مها، ثماني سنوات من شبابك، تتخلين عنها هكذا بصمت؟"

"لم أعد أريدها."

نظرت إلى كوب الحليب على المنضدة، الذي برد تمامًا الآن.

"ريم، هل رأيتِ من قبل صور الشفق التي يلتقطها لشخص آخر؟"

"ماذا؟"

"إنها جميلة جدًا، حتى الضوء على جناح الطائرة رقيق للغاية."

قلبت الهاتف على المنضدة.

"لكن للأسف، لم تُلتقط لأجلي."

Tampilkan Lebih Banyak
Bab Selanjutnya
Unduh

Bab terbaru

Bab Lainnya
Tidak ada komentar
10 Bab
الفصل 1
حلّق ياسر الشاذلي في الجو ثماني سنوات، من مساعد طيار حتى أصبح قائد طائرة، وكنت أنا بجانبه طوال الطريق.في أكثر عام كان مشغولًا فيه، تركت عملي، وصرت أطبخ له كل يوم حسب جدول رحلاته.ذكرت له مرة واحدة: "هل يمكن يومًا ما أن تأخذني لأرى ما تراه أنت على ارتفاع عشرة آلاف متر؟ مرة واحدة فقط."لم تتوقف الملعقة في يده حتى وهو يقول: "هذا مكان عمل، وليس ملاهي."قلت له: "حسنًا"، ولم أذكر الأمر بعدها.حتى تلك الليلة التي أصابني فيها الأرق، وتصفحت هاتفه فوجدت ألبومًا مشفّرًا في معرض صوره.كان الألبوم يحوي أكثر من أربعين صورة، كلها من زاوية قمرة القيادة.بحار من الغيوم، وغروب الشمس، وقوس قزح مزدوجًا بعد المطر، ومجرّة درب التبانة على ارتفاع عشرة آلاف متر.كل صورة منها كانت مرسلة إلى الشخص نفسه، المسجّل تحت رمز دبٍّ صغير.كانت أحدث صورة قد أُرسلت قبل ثلاثة أيام، تُظهر سحب الغروب، وقرص الشمس معلقًا نصفه عند طرف جناح الطائرة.وكتب تحتها: "منظر اليوم جميل أيضًا، حين تأتين المرة القادمة، اجلسي في مقعد المراقبة الأيمن، هذه الزاوية أفضل ما يكون."فردّ عليه ذلك الشخص برمز عناق تعبيري، وأربع كلمات: "حينما يحين
Baca selengkapnya
الفصل 2
عصرًا، ذهبت إلى مركز إدارة المجمع السكني.وحذفت بصمتي من نظام دخول الشقة.كانت مديرة الإدارة سيدة لطيفة، واحتارت وهي تراني أقوم بذلك."سيدة مها، لماذا تحذفين بصمتك بدون سبب؟ سيكون الدخول والخروج غير مريح بعد ذلك.""لن أحتاجها بعد الآن." ابتسمت.عدت إلى المنزل، وسحبت صندوقين كبيرين من المخزن، وبدأت أرتب أغراضي.كان هذا المنزل واسعًا، شقة بمساحة مئتي متر مربع مطلة على النهر، اشتراها ياسر نقدًا بالكامل.قال إن هذا عربون شكره لي على مرافقتي له خلال أصعب أيامه.ظننت أن هذا بيتنا نحن الاثنين.الآن فقط أدركت، كم كانت أغراضي قليلة بشكل يرثى له.في غرفة الملابس، لم يكن لي سوى خزانتين فقط.أما الباقي فكله أزياؤه الرسمية لكل فصل، وبدلاته، ومعاطفه، ومعداته الرياضية.طويت الملابس التي أرتديها عادة ووضعتها في حقيبة السفر.أما فساتين السهرة الباهظة الثمن التي اشتراها لي، والتي لا تناسب ذوقي، فتركتها معلقة كما هي دون أن ألمسها.على الطاولة بجانب السرير، كان هناك مجسّم طائرة تابع لشركة الطيران.كانت هذه هدية تذكارية أحضرها معه من أول رحلة دولية له.أخذته بيدي، فوجدت تحته صورة مضغوطة.كانت صورتنا معًا م
Baca selengkapnya
الفصل 3
في اليومين التاليين، بدأتُ أُرتّب حياتي بهدوء، خطوة خطوة.نبتة قشطة دندروم التي في الصالة كنتُ قد اشتريتُها بنفسي، فأهديتُها للجارة المسنة.والأُرجوحة على الشرفة كنتُ قد اخترتُها بنفسي، فاستدعيتُ من يشتري الأثاث المستعمل ليأخذها.لم يلاحظ ياسر أن أشياء البيت قد نقصت.كان فقط يشعر أنّي أصبحت هادئة مؤخرًا، وذلك يُرضيه."لو كنتِ هكذا من البداية لكان أفضل."صباح الجمعة، جلس على طاولة الطعام يأكل قطع السمبوسة المُجمّدة التي طهوتُها بعشوائية."دانة تُحيي عيد ميلادها اليوم، سيجتمع بعض الزملاء من الطاقم على عشاء الليلة، تعالي معي."توقّفت يدي عن مسح الطاولة."ولماذا أذهب؟""أليس هذا ما كنتِ تشتكين منه دومًا، أنّي لا آخذكِ لمقابلة زملائي؟ اليوم بالضبط الجميع سيكون هناك، ويمكنك التعرّف عليهم."كانت نبرته أشبه وكأنه يمنُّ علي بمنّة.في الماضي، كنتُ أتوسّل إليه أن يُدخلني في دائرة معارفه.كان يقول: "كلّهم طيّارون، ولن تفهمي شيئًا من حديثهم، ستملين إن ذهبتِ."أمّا الآن، فهو يبادر بدعوتي، لأنّ اليوم عيد ميلاد دانة."حسنًا." وافقتُ.أردتُ أن أرى بأمّ عيني، أيّ مكانة تحتلّها دانة في نظر زملائه.في الث
Baca selengkapnya
الفصل 4
تلك الليلة، لم يعُد ياسر إلى البيت.لم يدخل من الباب إلّا عند ظهر اليوم التالي، وعلى جسده رائحة عطرٍ خشبيّ خفيفة.كانت تلك هي الرائحة التي تستخدمها دانة دائمًا.رمى مفاتيح السيّارة عند المدخل، ونظر إليّ ببرود."هل انتهيتِ من نوبة غضبكِ ليلة أمس؟"كنتُ أُلصق شريطًا لاصقًا على أحد الصناديق الكرتونية، فلم أرفع رأسي حتى."تتظاهرين بالصمم، أليس كذلك؟" اقترب وركل الصندوق بقدمه: "لماذا تجمعين كلّ هذه الأشياء التافهة؟""أُرتّب بعض الأغراض التي لم أعد بالحاجة إليها."ضحك ضحكة ساخرة."مها، لعبة القط والفأر التي تلعبينها معي هذه أصبحت مبتذلة جدًّا. أتظنّين أنّي سأتوسّل إليكِ بعد أيّام من الحرب الباردة؟"وقفتُ منتصبة، ونفضتُ الغبار عن يدَيّ."لم أُرِد منك أن تتوسّل.""إذًا ما هذا الأسلوب؟ دانة بكت نصف ساعة تقريبًا بسبب جملة واحدة قلتِها ليلة أمس. أنتِ مَدينة لها باعتذار.""لن أعتذر.""أنتِ حقًّا لا يُمكن التفاهم معكِ!"مرّر يده بضيق في شعره، ثمّ ذهب وجلس على الأريكة."ليس لديّ وقتٌ لأُضيّعه معكِ. الأربعاء القادم لديّ رحلة على خطّ الشفق القطبيّ إلى ريكيافيك، إن أدركتِ خطأك، سأُعطيكِ تذكرة الأقارب ا
Baca selengkapnya
الفصل 5
كانت شمس داريا حارقة، تُذيب الجسد كلّه وتُشعره بالوهن.استأجرتُ بيتًا تقليديًّا له فناء داخليّ على ضفّة بحيرة الصفاء، ودفعتُ إيجار نصف سنة مُقدّمًا.كانت صاحبة البيت امرأةً في منتصف العمر، لمّا رأتني وحيدةً أجرّ حقيبتي، ساعدتني بحماسة في نقل أمتعتي إلى الداخل."يا فتاة، أتيتِ إلى داريا وحدكِ للسياحة؟""لست هنا للسياحة، أتيتُ لأُقيم بشكل دائم."رتّبتُ الكتب التي أحضرتُها واحدًا تلو الآخر على الرفّ الخشبيّ عند النافذة."الإقامة الدائمة جيّدة، الحياة هنا تُريح النفس."ابتسمت المرأة وانصرفت.استلقيتُ على السرير الخشبيّ المفروش بشراشف نظيفة، أُحدّق في العوارض الخشبيّة المُزخرفة فوق رأسي.لا صوت لمحرّكات، لا خرائط رادار، لا انتظار.كانت هذه أهدأ نومة لي منذ ثماني سنوات.أمّا في ريكيافيك، البعيدة عنّي آلاف الكيلومترات...لم أُرِد معرفة ما كان يمرّ به ياسر، لكن ريم أخبرتني به لاحقًا عبر الهاتف.في ذلك اليوم، وصل ياسر ودانة إلى فندق القبّة الزجاجيّة في آيسلندا.أخرج هاتفه بدافع العادة، أراد أن يُرسل لي رسالة.كانت هذه عادته طوال السنوات الماضية، مهما تهاون في التعامل معي بالخارج، إذا وصل مكانًا
Baca selengkapnya
الفصل 6
راح ياسر يتّصل بجنون بكلّ من يعرفني.كان أوّل من اتّصل به هو ريم."ريم، أين مها؟ إلى أين ذهبت؟" بمجرّد أن ردّت، سأل بلهفة قلقًا.ضحكت ريم ضحكة ساخرة من الطرف الآخر."أيها القائد ياسر الكبير، أخيرًا استطعتَ أن تعود بعد إجازتك؟ هل كان الشفق القطبيّ جميلًا؟""كفِّي عن اللف في الكلام! أين مها بالضبط؟ لغضبها حدّ أيضًا!""غضب؟" ارتفع صوت ريم كثيرًا."ياسر، هل رأسك مليء بوقود الطائرات فقط؟ أيّ امرأة تُلغي حتى شريحة هاتفها لأنها غاضبة فقط؟""إنّها فقط تُريد إجباري على الرضوخ!" قال ياسر مُطبقًا أسنانه."أليس كلّ ما فعلتُه أنّي لم آخذها لرؤية الشفق القطبيّ؟ أليس كلّ ما فعلتُه أنّي أعطيتُ التذكرة لدانة؟ ألا يحقّ لي أن أُعوّضها؟""ياسر، أما زلتَ إلى الآن لا تعرف لماذا رحلت؟"سحبت ريم نفسًا عميقًا من سيجارتها، وزفرته ببطء."قبل ستّ سنوات، عندما اكتشفت لديها عقدة في الغدّة الدرقيّة، كنتَ تُحلّق على خطّ دوليّ، وكنتُ أنا من رافقتُها في المستشفى ننتظر نتيجة الخزعة. كانت خائفة تبكي، لكن عندما اتّصلت بك، ضقتَ ذرعًا بها، وقلتَ إنّك على وشك الإقلاع، وعليها ألا تُفسد مزاجك.""أنا... لم أكن أعرف أنّها مريضة
Baca selengkapnya
الفصل 7
تراجعت دانة خطوتين إلى الوراء، مذعورةً من تلك الصرخة التي أطلقها ياسر.لم تكن قد رأته قطّ على هذه الحال.كان دائمًا أمامها ذلك القائد الرقيق، اللبق، الواثق من نفسه."ياسر، لماذا تُفرغ غضبك فيّ؟"احمرّت عينا دانة فورًا، وتردّدت الدموع على حافّة الانهمار."هل عادت زوجتك تتشاجر معك بسبب موضوع الشفق القطبيّ؟ أنا نفسي قلتُ: أعِد لها التذكرة، أنتَ من أصررتَ على أخذي. بأي حقٍ تفرغ غضبك فيّ الآن وقد هجرت البيت؟"حدّق فيها ياسر بثبات.وحين رآها بتلك الهيئة التي تقطر مظلومية، اجتاحته فجأةً موجةٌ عارمة من الغثيان، حتى كاد ما في معدته ينقلب.هذه هي الفتاة التي "رعاها" في أعماق قلبه أربع سنوات.بعد رحيل مها، لم يكن ردّ فعلها الأوّل شعورًا بالذنب، بل السعي للتنصّل من المسؤوليّة، بل وقلب الحقيقة ضدّه."كنتِ تعرفين مسبقًا أنّها رحلت، أليس كذلك؟"نهض ياسر، واقترب منها خطوة خطوة."في ذلك اليوم في صالة الانتظار، تشبّثتِ بذراعي عمدًا، لأنّكِ رأيتِ مها في الجهة المقابلة، أليس كذلك؟"شحب وجه دانة للحظة، لكنّها تمالكت نفسها سريعًا."لا أعرف عمّا تتحدّث. ياسر، اهدأ قليلًا، ربما ذهبت زوجتك إلى بيت أهلها فقط...
Baca selengkapnya
الفصل 8
ظهور ياسر لم يُحرّك حتى ارتجافة في الوعاء الذي بيدي.ابتلعتُ آخر ملعقة من حلوى الجيلي، وأخرجتُ منديلًا لأمسح زاوية فمي."جئتَ إلى المكان الخطأ، هذا بيتٌ خاصّ."دخل بخطوات واسعة، وأغلق باب الفناء خلفه.كان قد نحف كثيرًا، وظهرت على ذقنه لحية خفيفة، وذلك القميص الذي كان دائمًا مكويًّا بعناية، بات الآن مُتجعّدًا لاصقًا بجسده.هذا المنظر البائس، يختلف كلّيًّا عن صورته اللامعة كقائد طائرة."مها، لقد أخطأت."اقترب منّي، وكان صوته أجشًا للغاية، وشرايين عينيه الحمراء واضحة تمامًا."طردتُ دانة، وأشياءها كلّها رميتُها أيضًا، من الآن فصاعدًا، مقعد مُراقبة المساعد سأُخصّصه لكِ وحدكِ، وحتى رمز هاتفي غيّرتُه إلى تاريخ ميلادكِ. تعالي معي إلى البيت، ما رأيكِ؟"كان كطفل ارتكب خطأ، يعرض بلهفة "نتائج إصلاحه".نظرتُ إليه بهدوء، وكأنّي أنظر إلى غريب."أتيتَ من مسافة بعيدة، فقط لتُخبرني أنّك رميتَ القمامة؟"تجمد في مكانه.كان قد تخيّل أنّي سأغضب، سأبكي، سأصرخ في وجهه بأسئلة.لكنّه لم يتوقّع أن أكون بهذا البرود، دون أدنى موجة انفعال."لا... أحضرتُ لكِ هذا."أخرج من صدره ظرفًا من الورق البنيّ، ومدّه إليّ بكلتا
Baca selengkapnya
الفصل 9
منذ أن غادر ياسر داريا، عادت حياتي إلى هدوئها التامّ.أخبرتني ريم على الواتساب أنّ ياسر مرض مرضًا شديدًا بعد عودته.أصيب بحمّى بلغت أربعين درجة، وقضى ثلاثة أيّام في المستشفى تحت المحاليل الوريديّة.بعد خروجه، تقدّم بطلبٍ إلى الشركة لينتقل إلى خطوط الشحن الجويّ، ولم يعُد يُحلّق برحلات الركّاب."سمعتُ أنّه بمجرّد أن يدخل مقصورة الرُّكّاب، ويرى ذلك المقعد الفارغ للمراقبة على الجانب الأيمن، يذهل ويشرد، حتى كاد يتسبّب بحادثة طيران. اضطُرّت الشركة إلى نقله إلى طيران الشحن." كانت نبرة ريم فيها شيء من الأسى، لكن أكثر منه شعور بالشماتة.أمّا دانة، فبعد أن فقدت حماية ياسر، سُحبت منها كلّ "امتيازاتها" في الشركة.تكالب عليها الزملاء الذين أساءت إليهم سابقًا، ولم تحتمل النبذ، فاستقالت من تلقاء نفسها.نظرتُ إلى الكلمات على الشاشة، ولم يتحرّك في قلبي شيء.فمصيرهما لم يعُد يومًا ضمن دائرة اهتمامي.بعد شهر.دخلت داريا موسم الأمطار، وكان المطر الخفيف يضرب الألواح الحجريّة الزرقاء باستمرار.رنّ جرس الباب، وكان ساعي البريد في الخارج."آنسة مها، لديكِ طرد من داخل المدينة."خرجتُ حاملةً مظلّتي، ووقّعتُ على
Baca selengkapnya
الفصل 10
توقّف المطر في داريا.ارتديتُ تلك السترة الرياضيّة التي بهت لونها من كثرة الغسيل، وربطتُ شعري بذيل حصان بإهمال، ودفعتُ باب الفناء.اهتزّ هاتفي في جيبي.أخرجتُ الهاتف بيدٍ واحدة، وأنا أنحني لأفتح قفل الدرّاجة.كانت رسالة من ريم على الشاشة، سطرٌ واحد مُرفَق بثلاث علامات تعجّب."تمّت إجراءات نقل ملكيّة البيت!!! قال الوسيط إنّه يُمكن عرضه للبيع في أيّ وقت. بكم تُريدين أن تبيعيه؟"كان ذلك البيت آخر خيط يربطني بتلك المدينة.ركبتُ الدرّاجة، وثبّتُ قدمي على الأرض، وكتبتُ لها ردًّا بيدٍ واحدة."بيعيه بسعر السوق. والمبلغ الذي نحصل عليه، ما رأيكِ أن نفتح به معًا نُزلًا صغيرًا هنا؟"لم تمرّ عشر ثوانٍ على إرسال الرسالة، حتى انفجرت ردودها.أرسلت ملصقًا لدبّ الباندا وهو راكع يسجد، وفوق رأسه عبارة كبيرة: "يا لكرمك أيتها المديرة!"تبعته برسالة صوتيّة.فتحتُها لأسمعها، وكان صوتها مكتومًا وهي تصرخ من الطرف الآخر: "يا مديرة مها! انتظريني! سأُقدّم استقالتي الآن حالًا! سأحجز تذكرة طيران الليلة!"استطعتُ أن أتخيّلها وهي منكمشة في مكتبها، تُخفي الهاتف تحت الطاولة وترسل الرسائل خلسة، في حالٍ من الفوضى المُضحكة
Baca selengkapnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status