LOGINحملنا ناهد إلى غرفتها، ورقدت على سريرها الضخم كدمية في علبة. جلستُ بجانبها ساعة، أقيس نبضها وضغطها كما اعتدتُ، وهالة تقف عند النافذة بصمت، تراقبني بين لحظة وأخرى بعينين لا أستطيع قراءتهما.
«ستنام حتى المساء،» قالت أخيرًا. «ثم تستيقظ مصابة بصداع. هذا كل شيء.»
«ما السم؟»
«لا أعرف. أعراضه تشبه مثبطات الكولين. شيء شائع في المبيدات.»
«ومن أين لكِ مصل جاهز في حقيبتكِ؟»
أدارت وجهها ببطء نحوي. وقفنا معًا لحظة طويلة، كأننا امرأتان تقفان على جانبي هوة. «لأنني قلتُ لك،» همست، «إنني لا أحمل في هذا القصر أيدي فارغة.»
لم تكن إجابة. غادرت الغرفة دون أن تضيف كلمة، وتركتني مع المرأة النائمة وبقايا السؤال.
كان وجه ناهد في النوم أصغر عمرًا وأضعف حيلة، كأن الأقنعة التي ترتديها نهارًا سقطت عنها دفعة واحدة. رأيتُ تحت مساحيق الأمس خطوطًا عميقة حول عينيها، خطوط امرأة عاشت عشرين سنة على الكراهية وما زالت لا تعرف ماذا تفعل بها.
الفنجان الأخضر. أخذتْ فنجانًا ليس لها، قالت ناهد. تذكرتُ المائدة في الصباح: كانت الفناجين مصفوفة على صينية، أربعة بيضاء وواحد أخضر. ناهد التقطت واحدًا. لم أنتبه أيّها. فمن كان الهدف؟ ومن وضع السم؟
مررتُ أولًا بغرفة الفناجين الصغيرة قرب قاعة الطعام، ففتّشتُ الأرفف. أربعة فناجين بيضاء مغسولة، ومكان خامس فارغ. الفنجان الأخضر كان قد اختفى.
نزلتُ إلى المطبخ بحثًا عن أم يحيى. وجدتُها تغسل الصحون بقوة غاضبة كأنها تعاقبها.
«من أعدّ القهوة؟»
«قلتُ لك، لا أعرف.»
«ومن يدخل المطبخ غيرك؟»
أوقفت الماء، وجفّفت يديها بمئزرها، ونظرت إليّ نظرة طويلة. «القصر كبير يا آنسة مي. والسيدة فريدة كانت تقول إن لجدرانه آذانًا وأيدي.» ثم خفضت صوتها: «وأنا هنا منذ ثلاثين سنة. لو أردتُ قتل واحدة منكن لفعلتُ في أول ليلة، دون قهوة ولا ضجيج.»
كانت منطقية إلى حدّ الإخافة. وكنتُ أهمّ بالسؤال عن الفناجين حين سمعتُ خطوات خلفي. جُمانة، ملتفّة بشال صوفي رغم دفء النهار، وعيناها حمراوان من البكاء.
«مي،» قالت. «أريد أن أتحدث معكِ. بعيدًا عن الجميع.»
مشينا إلى الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الصفصاف تنوح فوق ممرات من الحصى المبتل. جلسنا على مقعد حجري بارد، وظلت جُمانة تفرك يديها زمنًا قبل أن تبدأ.
«كنتُ أكذب أمس،» قالت أخيرًا. «حين قلتُ إنني لا أعرف شيئًا. هالة كانت محقة.»
«أعرف.»
ابتسمت بمرارة. «أنا لستُ مؤثرة اشترت فريدة اسمي. أنا...» توقفت وابتلعت ريقها. «أنا حفيدتها.»
شعرتُ كأن الأرض مالت تحتي. «ماذا؟»
«أبي كان ابنها الوحيد. اسمه سامر. تزوج من امرأة فقيرة، ممرضة مثلكِ، لا تناسب بنت الحلواني. فطردته فريدة من القصر وحرمته من الميراث وأعلنت للناس أنه مات. هو حيّ، لكنه يعيش في مدينة بعيدة، مريض بالسكر، لا يملك ثمن دوائه.» رفعت إليّ عينين غاضبتين. «وأنا ولدتُ بعد طرده بسنة. لم ترني قط. لم ترسل لي حتى بطاقة في عيد ميلادي.»
«وكيف عرفتِ أنها جدتك؟»
«أمي أخبرتني حين ماتت. قالت لي إن المرأة الغنية في الأخبار هي جدتكِ، وإنها قتلت أباك وهو حيّ.» مسحت وجهها بكمّها. «منذ ذلك اليوم وأنا أراقبها. لم أجرؤ على الاقتراب. وحين وصلتني الدعوة إلى القصر، ظننتُ أنها نادمة.»
قالت إن أباها يعزف العود في مقهى صغير ليجمع ثمن دوائه، وإنها لم تجرؤ على إخباره بوجودها في هذا القصر، خشية أن يمنعها أو يتعلق بأمل جديد لا تأمن عاقبته.
لم أعرف كيف أواسيها. جلسنا في صمت طويل، تتكسر الأغصان فوقنا.
رمقتني بعينين مبللتين وأضافت: «أنا لا أطلب منكِ أن تصدقيني. أطلب فقط ألا تتركيني وحدي في الليل.» كانت أصغر مما ظننتُ، طفلة ترتدي ثياب امرأة.
«لماذا أخبرتِني أنا؟» سألتُ.
«لأنني أخاف.» همست. «القاتلة التي في الرسالة، إن كانت تعرف أنني حفيدتها، فستعرف أنني الوارثة الشرعية الوحيدة لو ألغيت الوصية. وهذا يجعلني الهدف الأول.»
«أو القاتلة الأولى.»
حدّقت بي بدهشة، ثم ضحكت ضحكة حزينة. «نعم. أنا أيضًا مشتبه بي. لكنني لم أفعل شيئًا يا مي. أقسم لك.»
كانت عيناها ثابتتين على وجهي. لم تتحركا نحو اليمين. شعرتُ بارتياح غريب، ثم بالذنب لأنني كنتُ أراقب عينيها. وفي لحظة تمنيتُ لو كانت كاذبة، فالكاذبة أسهل على القلب من امرأة صادقة تتألم.
وحين عدنا نحو القصر، التفتُّ إلى نوافذ الطابق الأعلى، فرأيتُ ستارة تتحرك في الجناح الغربي، الجناح المغلق منذ سنوات. أخبرتني أم يحيى يومًا أن لا أحد يدخله بأمر السيدة. لا أحد.
«ما بكِ؟» سألت جُمانة.
«لا شيء.»
نظرتُ إلى الجناح مرة أخرى وفي رأسي سؤال واحد: من يتحرك خلف الستائر في بيت يقول الجميع إنه فارغ؟ وتذكّرتُ أن أم يحيى ردّت على سؤالي بجملة غريبة: لجدرانه آذان وأيدٍ. الأيدي. لم أنتبه إليها حينها.
لكن الستارة تحركت مرة أخرى. وتحت قدميّ، في ممر الحصى، لمحتُ شيئًا صغيرًا لامعًا، التقطتُه. كان زرًّا من اللؤلؤ، نفس زر الأكمام الذي كانت فريدة تضعه على ثيابها كل يوم.
كان ما يزال دافئًا.
لم يصرخ أحد. هذا ما أدهشني لاحقًا: أن الموت الذي انتظرناه ثلاثين ليلة لم يأتِ بضجة.جلستُ على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الباردة، وأنظر إلى الأمبولة الفارغة في أصابع هالة. كانت هالة واقفة بلا حراك، وحقيبتها السوداء مفتوحة على المائدة، ووجهها خالٍ من أي تعبير. ومن خلف الباب الصغير، انفتح باب المخزن ببطء، وظهر أبي على العتبة.«هذا الصوت،» قال بصوت متكسّر. نظر إلى هالة، وعيناه تتسعان. «هذا هو الصوت يا مي. امرأة الطعام. المرأة التي كانت تقول لي: ابقَ حيًّا.»التفتت إليه هالة ببطء. لم تنكر. لم تتحرك. لكنني رأيتُ عينيها، للمرة الأخيرة، تتحركان نحو اليمين.«رأيتُ أمبولة،» قلتُ. وكنتُ أتكلم بصوت يشبه صوت المحقق لا الضحية. «أمبولة بلا بطاقة. أنقذتِ ناهد بمثلها قبل أسبوعين. فلماذا ترددتِ هذه المرة؟ ولماذا لم تعمل؟»التقطتُ الأمبولة من يدها وشممتُها ببطء. لا رائحة. ثم تذوقتُ قطرة من داخلها، فعرفتُ الطعم الذي لا يخطئه من عمل في المستشفيات: ماء مقطّر. «هذه ليست ترياقًا،» قلتُ. «هذا ماء.»«فريدة كانت تحتضر على أي حال،» قالت هالة بصوت هادئ. «لم يكن العلاج...»«ليس هذا.» أخرجتُ من جيب بذلتي ورقة م
لا أذكر كيف نهضتُ. أذكر فقط أنني كنتُ على الأرض بين ذراعيه، والجرح يمزقني، وهو يردد اسمي كأنه يتأكد أنه يستطيع أن ينطقه من جديد. رائحته كانت رائحة طين ومطر وخوف قديم، ولحيته تحكّ وجهي كما كانت تفعل في طفولتي حين يحملني على كتفيه.كان وجهه أنحل مما أذكر، وعيناه غائرتين، لكن في ابتسامته المتعبة ذلك الدفء القديم الذي كان يفتح لي أبواب الدنيا. مرّ في رأسي كل ما حملتُه من أسئلة طوال ثلاث سنين، وبدا لي أنها كلها تذوب في هذا العناق الواحد.«ثلاث سنين،» قلتُ. «ثلاث سنين يا أبي.»«كنتُ أعدّ الأيام بخطوط على جدار،» قال بصوت مبحوح. «بلغتُ ألفًا ومئة وعشرين خطًّا. ثم فتح لي أحدهم الباب في الليلة الماضية.»«من؟»«لا أعرف. كان الظلام. سمعتُ مفتاحًا يدور، ثم صوتًا يقول: اذهب. الطريق إلى القصر. ولم أرَ وجهه.»نظرتُ إلى فريدة. كان في عينيها شيء يشبه الارتياح، وشيء يشبه الخوف. «من فتح لك؟» سألت.«لا أعرف يا سيدتي. لكن في كل مرة كانت تأتيني فيها امرأة بالطعام، كانت تهمس لي بكلمة واحدة: ابقَ حيًّا.» أطرق. «صوتها... لو سمعتُه مرة أخرى لعرفتُه.»ساد الصمت. وتبادلنا النظرات، وفي ضوء المصباح الزيتي رأيتُ فري
استيقظتُ على رائحة الياسمين والدواء، فعرفتُ قبل أن أفتح عينيّ أنني في الجناح الغربي.كان الضوء الرمادي يتسلل من الستار الثقيل، والألم في جنبي الأيسر ينبض كقلب ثانٍ. حاولتُ أن أتحرك فشدّني خيط الجرح المخيط كأنه يشدّ روحي من داخلها. وبجانب السرير، على الكرسي الجلدي، كانت ورد جالسة وقد انتفخت عيناها من البكاء، وركبتاها مضمومتان إلى صدرها كطفلة تنتظر عقابًا.«مي،» همست. «لا تتحركي. هالة قالت إن عليكِ ألا تتحركي.»«هالة؟»«هي التي أنقذتكِ.» ابتلعت ريقها. «فتحت حقيبتها وخاطت الجرح على ضوء الشموع، ثلاث ساعات. كانت يداها لا ترتجفان.» ثم انفجرت: «لم أكن أريد أن أقتلكِ! كان السكين قصيرًا... ظننتُ أنني سأجرح ذراعك فقط... كانوا يقولون إن...»«ورد.» رفعتُ يدي بصعوبة. «احكي من البداية.»وحكت. قالت إن أول بطاقة وصلتها كانت تحت بابها في الليلة الثالثة، بخط أنثوي أنيق: «أخوكِ يوسف حيّ. وسيبقى حيًّا ما دمتِ تطيعين.» لم تعرف كيف عرف أحد بأخيها الذي فقدته بعد دخولها السجن وظنت أنه مات في ملجأ. ثم جاء صوت الهاتف الأسود في الممر، صوت رجل بارد يعطيها التعليمات: خذي مفاتيح أم يحيى من حزامها حين تنام. لا تقول
في الظلام، ينشأ الذعر كما ينشأ الفطر في الرطوبة.في أول لحظة بعد انطفاء المدفأة، أدركتُ أن القاعة صارت مسرحًا بلا مخرج. كانت الجدران تردّ الصدى كأن عشرة أشخاص يصرخون في آن، والرائحة تغيرت: دخان ورماد ومطر وعطر ياسمين ثقيل يأتي من مكان لا أعرفه.سمعتُ قبل أن أرى: صراخ جُمانة، ثم أثاثًا يسقط، ثم أنفاسًا متلاحقة، وأقدامًا تتدافع على الرخام. أمسكتُ بالمقعد القريب منّي وشددتُ على ذراعه. كنتُ أعرف أن أول ما يفعله الجبناء في العتمة أن يضربوا.«لا أحد يتحرك!» صاح صوت هالة. «ابقوا في أماكنكم!»«فريدة!» صرخت ناهد. «أين فريدة؟»«هنا،» جاء صوت ضعيف من الوسط. «لا تقلقوا.»أشعل أحدهم عود ثقاب. كان ضوءه الصغير يتراقص على الوجوه كشعلة في مغارة. رأيتُ ناهد قرب الجدار، وهالة عند الدرج، وأم يحيى منكمشة في ركن، وجُمانة ملتصقة بكرسي فريدة ماسكة بيدها، وورد، ورد التي أحببتُها، تقف إلى جانبي، قريبة جدًا، على بعد خطوة واحدة.لم أرَ من أشعله. ولا أعرف إن كان من فعلها هو نفسه من خطط لما بعدها. لكنني رأيتُ ما يكفي لأفهم أن كل واحدة منا في تلك اللحظة تحمل سرًّا يكفي لتحتمل أن تقتل أو تُقتل.«ورد،» همستُ. «هل أنت
ظهرت فريدة في أعلى الدرج كما تظهر الأشباح في الروايات القديمة.كان مشهدها يوقف القلب: امرأة هزيلة بوجه شمعي وشعر فضي مرفوع، في كرسي متحرك مغطى ببطانية صوفية رمادية، تحيط بها ظلال الثريا المتأرجحة، وكأنها ملكة مخلوعة تعود إلى عرشها في ليلة الانقلاب.لم تكن وحدها. كان كرسيها يُدفَع بيدين لم أرَ صاحبهما في الظلام، ثم خرج الجسد من العتمة إلى ضوء المدفأة: ورد. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بنظرة من يعلم ما سيحدث. نظرت إليّ لحظة، ثم أشاحت بوجهها.«ورد!» صرختُ. «أين كنتِ؟»«أحضرتُها،» قالت بصوت مبحوح. «طلبت مني السيدة ذلك.»انحنت الأعين كلها نحو الكرسي المتحرك، وسقط الصمت على القاعة كغطاء ثقيل. ناهد، التي رأتها ميتة في تسجيل الوصية، جمدت بلا حراك. وجُمانة وضعت يديها على فمها. وهالة تراجعت خطوة، كأنها رأت وجهًا لم تتوقع رؤيته.«مساء الخير يا بناتي،» قالت فريدة بصوتها الجاف المعروف. «كنتُ أعرف أنكنّ ستفعلن هذا بي. لكنني لم أتوقع أن أتأخر هكذا.»«أنتِ... حية!» همست ناهد.كانت ناهد تحدّق فيها بعينين غائرتين، وفيهما مزيج من الغضب والذهول والارتياح الذي لا تريد الاعتراف به. وتخيلتُ للحظة أن ثلاثين س
فضّت ناهد الشمع بإبهامها وهي تنظر إلى الصورة المحطمة على الأرض، ولم تعلّق. كنا خمسًا في الدائرة الصغيرة حول المدفأة، ورد غائبة، وكان الضوء الأحمر يرسم على وجوهنا ظلالًا تتبدّل كلما اشتدت الريح في المدخنة.أخرجتْ الورقتين ببطء شديد، كمن يخشى أن تتفتت بين أصابعه. ورأيتُ يدها وهي تمسك الورق، يدًا قوية نحيلة، كان في أصابعها أثر قديم لحبر الأقلام، فتذكرتُ أنها كانت مصممة أزياء قبل أن تخسر كل شيء.أخرجت ورقتين من المظروف. الأولى مكتوبة بخط فريدة، مؤرخة قبل ستة أشهر. الثانية مختومة بخاتم مكتب عاصم القاضي. قرأت ناهد الأولى بصوت مرتفع، وصوتها يخرج جافًا:«أنا فريدة الحلواني، بكامل قواي العقلية. هذه وصيتي الأولى، وقد كُتبت قبل الوصية المسجلة التي سيعرفها الجميع. أوصي بكل ما أملك من أموال وأسهم وعقارات، وهذا القصر، إلى حفيدتي جُمانة سامر الحلواني، ابنة ابني الوحيد، وهي دمي الوحيد المتبقي.»سقطت أنفاس الغرفة كلها دفعة واحدة. لم تتحرك جُمانة. ظلّت عيناها مثبتتين على الورقة كأنها لا تفهم اللغة.كنتُ أراقب وجوه النساء واحدة بعد واحدة. ناهد جامدة كتمثال. هالة تعبس كمن يحاول أن يفكّ معادلة. أم يحيى تن







