ومضات في العتمة الباردة

ومضات في العتمة الباردة

last updateLast Updated : 2026-09-12
By:  Soote Hady Ongoing
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
21Chapters
7views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

تتساقط قطرات المطر بغزارة تكسر هدوء الليل في الحي القديم، حيث تتداخل أزقة المدينة الضيقة كالأوردة المنسية في جسد عتيق. في الطابق العلوي من مبنى مهجور يعلوه الغبار، يقف "مراد" ممسكاً بظرف ورقي أصفر، بدت أطرافه ممزقة وكأن أحداً حاول فتحه بعنف ثم تراجع. الأضواء الباهتة للمصابيح الشارعية تنعكس على زجاج نافذة مكسورة، لتلقي ظلالاً مهتزة على وجهه الذي يحمل إرهاق السنين وثقل أسرار لا تحصى. مراد ليس مجرد رجل تحري عادي؛ إنه محقق سابق طرد من السوّية المهنية بعد أن اقترب أكثر من اللازم من شبكة فساد تمتد جذورها إلى قمة الهرم السياسي. ​على بعد أميال قليلة، في قاعة اجتماعات مظلمة ومؤمنة بالكامل، تجلس "سارة"، المديرة التنفيذية لشركة "ألفا للتقنية"، وأمامه خمسة أشخاص يمثلون مجلس الإدارة الخفي. الوجوه صامتة، والتوتر يكاد يقطع الهواء. يبرز وسطهم "رؤوف"، الرجل ذو النظرة الجليدية، الذي يدير شبكة مالية خفية تمول عمليات غسيل أموال دولية. يضع رؤوف يده على الطاولة مشيراً إلى شاشة رقمية تظهر تقريراً سرياً عن اختفاء "د. طارق"، العالم الذي كان يشرف على مشروع "الظل الأزرق"، وهو برنامج ذكاء اصطناعي قادته الشركة سراً للسيطرة على تدفقات المعلومات والبيانات المالية العالمية. تداخل الخطوط ​في تلك اللحظة بالذات، كان مراد يفرغ محتويات الظرف الأصفري المبلل. وجد بداخله ثلاثة عناصر رئيسية: شريحة ذاكرة صغيرة سوداء، ورقة مكتوبة بخط يد متقطع تقول: "لقد قتلوا طارق، وأنت الهدف التالي، ابحث عن المفتاح في الساعة الحائطية بمكتبه القديم"، وصورة فوتوغرافية التقطت من زاوية علوية لامرأة شابة ترقل في معطف أسود طويل تدخل مبنى شركة ألفا قبل ساعات من إعلان اختفائه. تلك المرأة هي "لجين"، الباحثة المساعدة التي عملت طوال الأعوام الثلاثة الماضية في الظل، والتي تحمل في ذاكرتها الرقمية شيفرة البرمجية الكاملة التي يبحث عنها رؤوف وعصابته. ​تنتقل الأحداث بسرعة، ففي الشارع الموازي، كانت لجين تركض حافية القدمين تقريباً، هاربة من سيارة سوداء ذات زجاج مظلل كانت تطاردها منذ خروجها

View More

Chapter 1

ومضات في العتمة الباردة

تتساقط قطرات المطر بغزارة تكسر هدوء الليل في الحي القديم، حيث تتداخل أزقة المدينة الضيقة كالأوردة المنسية في جسد عتيق. في الطابق العلوي من مبنى مهجور يعلوه الغبار، يقف "مراد" ممسكاً بظرف ورقي أصفر، بدت أطرافه ممزقة وكأن أحداً حاول فتحه بعنف ثم تراجع. الأضواء الباهتة للمصابيح الشارعية تنعكس على زجاج نافذة مكسورة، لتلقي ظلالاً مهتزة على وجهه الذي يحمل إرهاق السنين وثقل أسرار لا تحصى. مراد ليس مجرد رجل تحري عادي؛ إنه محقق سابق طرد من السوّية المهنية بعد أن اقترب أكثر من اللازم من شبكة فساد تمتد جذورها إلى قمة الهرم السياسي.

​على بعد أميال قليلة، في قاعة اجتماعات مظلمة ومؤمنة بالكامل، تجلس "سارة"، المديرة التنفيذية لشركة "ألفا للتقنية"، وأمامه خمسة أشخاص يمثلون مجلس الإدارة الخفي. الوجوه صامتة، والتوتر يكاد يقطع الهواء. يبرز وسطهم "رؤوف"، الرجل ذو النظرة الجليدية، الذي يدير شبكة مالية خفية تمول عمليات غسيل أموال دولية. يضع رؤوف يده على الطاولة مشيراً إلى شاشة رقمية تظهر تقريراً سرياً عن اختفاء "د. طارق"، العالم الذي كان يشرف على مشروع "الظل الأزرق"، وهو برنامج ذكاء اصطناعي قادته الشركة سراً للسيطرة على تدفقات المعلومات والبيانات المالية العالمية.

​تداخل الخطوط

​في تلك اللحظة بالذات، كان مراد يفرغ محتويات الظرف الأصفري المبلل. وجد بداخله ثلاثة عناصر رئيسية: شريحة ذاكرة صغيرة سوداء، ورقة مكتوبة بخط يد متقطع تقول: "لقد قتلوا طارق، وأنت الهدف التالي، ابحث عن المفتاح في الساعة الحائطية بمكتبه القديم"، وصورة فوتوغرافية التقطت من زاوية علوية لامرأة شابة ترقل في معطف أسود طويل تدخل مبنى شركة ألفا قبل ساعات من إعلان اختفائه. تلك المرأة هي "لجين"، الباحثة المساعدة التي عملت طوال الأعوام الثلاثة الماضية في الظل، والتي تحمل في ذاكرتها الرقمية شيفرة البرمجية الكاملة التي يبحث عنها رؤوف وعصابته.

​تنتقل الأحداث بسرعة، ففي الشارع الموازي، كانت لجين تركض حافية القدمين تقريباً، هاربة من سيارة سوداء ذات زجاج مظلل كانت تطاردها منذ خروجها من محطة القطار. كانت أنفاسها متسارعة، وصوت دقات قلبها يكاد يطغى على صوت الرعد المدوّي. شعرت أن كل خطوة تخطوها قد تكون الأخيرة في حياتها. لمعت في ذهنها كلمات طارق الأخيرة قبل اختفائه الغامض: "لا تثقي بأحد، حتى أولئك الذين يحملون شارات القانون؛ فالشبكة أعمق مما تتخيلين، ورؤوف يمتلك آذنًا وعيونًا في كل مكان".

​شبكة الخيوط المتقاطعة

​يدخل مراد مكتب د. طارق المهجور في الجامعة القديمة. الأبواب مغلقة بالأقفال، لكن خبرته الطويلة كشفت له عن مدخل جانبي عبر غرفة الحراسة. الغلاف الجوي للمكتب يوحي بأن تفتيشاً دقيقاً قد حدث للتو؛ الأوراق مبعثرة، والأدراج مفتوحة على مصراعيها، وجهاز الكمبيوتر مغمور بالقهوة المنسكبة لإتلاف الأقراص الصلبة. وسط هذا الخراب، يتذكر مراد الرسالة، ويتجه مباشرة نحو الساعة الحائطية العتيقة التي توقفت عقاربها عند الساعة الثالثة تماماً. يمد يده بحذر، ويزيل الغطاء الخلفي للساعة، ليجد مفتاحاً معدنياً صغيراً ومعه قصاصة ورقية تحمل عنوان شقة سكنية في الحي المالي.

​في هذه الأثناء، كان "سامي"، الشاب الطموح الذي يعمل كمهندس أمن سيبراني في نفس الشركة، جالساً في مكتبه المضاء بنور الشاشات الزرقاء، يراقب شاشات المراقبة الداخلية. لقد لاحظ اختراقاً غير مألوف لأنظمة الشركة، وهو اختراق مصدره عنوان بروتوكول إنترنت محلي يعود إلى حاسوب لجين المحمول. أدرك سامي أن هناك لعبة مزدوجة تُلعب داخل أروقة الشركة. هل يبلغ الإدارة ويصبح شريكاً في الجريمة؟ أم يحذر لجين التي تربطه بها صداقة قديمة طالما أخفاها خوفاً من سطوة رؤوف؟

​تصاعد الأزمة

​يقرر سامي إرسال رسالة مشفرة إلى هاتف لجين، محذراً إياها من أن مكانها قد تم رصده عبر تتبع إشارة هاتفها. تتلقى لجين الرسالة بينما كانت تختبئ خلف حاويات القمامة الكبيرة في زقاق مظلم، وتدرك فوراً خطورة الموقف. ترمي الهاتف على الأرض وتدهسه بحذائها لتتخلص من إشارة التتبع، وتواصل ركضها نحو العنوان المكتوب في مذكرة طارق القديمة.

​في تلك الأثناء، يصل مراد إلى الشقة الموجودة في العنوان المذكور. يفتح الباب بالمفتاح الذي وجده داخل الساعة. الشقة هادئة ومظلمة، ورائحة العفن والتبغ البارد تملأ المكان. وبينما كان يتحسس الجدار بحثاً عن مفتاح الإضاءة، يسمع صوت خطوات ثقيلة تقترب من الباب الخارجي. يشهر سلاحه الشخصي، ويلتصق بالجدار بجانب الباب، مستعداً للأسوأ. يفتح الباب ببطء شديد، وتتسلل من خلاله شخصية مرتدية معطفاً أسود، لتنغلق الدائرة وتبدأ المواجهة المباشرة بين مراد ولجين وسط ظلام الدامس وعاصفة الخارج.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
21 Chapters
ومضات في العتمة الباردة
تتساقط قطرات المطر بغزارة تكسر هدوء الليل في الحي القديم، حيث تتداخل أزقة المدينة الضيقة كالأوردة المنسية في جسد عتيق. في الطابق العلوي من مبنى مهجور يعلوه الغبار، يقف "مراد" ممسكاً بظرف ورقي أصفر، بدت أطرافه ممزقة وكأن أحداً حاول فتحه بعنف ثم تراجع. الأضواء الباهتة للمصابيح الشارعية تنعكس على زجاج نافذة مكسورة، لتلقي ظلالاً مهتزة على وجهه الذي يحمل إرهاق السنين وثقل أسرار لا تحصى. مراد ليس مجرد رجل تحري عادي؛ إنه محقق سابق طرد من السوّية المهنية بعد أن اقترب أكثر من اللازم من شبكة فساد تمتد جذورها إلى قمة الهرم السياسي.​على بعد أميال قليلة، في قاعة اجتماعات مظلمة ومؤمنة بالكامل، تجلس "سارة"، المديرة التنفيذية لشركة "ألفا للتقنية"، وأمامه خمسة أشخاص يمثلون مجلس الإدارة الخفي. الوجوه صامتة، والتوتر يكاد يقطع الهواء. يبرز وسطهم "رؤوف"، الرجل ذو النظرة الجليدية، الذي يدير شبكة مالية خفية تمول عمليات غسيل أموال دولية. يضع رؤوف يده على الطاولة مشيراً إلى شاشة رقمية تظهر تقريراً سرياً عن اختفاء "د. طارق"، العالم الذي كان يشرف على مشروع "الظل الأزرق"، وهو برنامج ذكاء اصطناعي قادته الشركة سر
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
ظلال في العاصفة
تتساقط قطرات المطر بغزارة تكسر هدوء الليل في الحي القديم، حيث تتداخل أزقة المدينة الضيقة كالأوردة المنسية في جسد عتيق ينبض بالأسرار والخوف. في الطابق العلوي من مبنى مهجور يعلوه الغبار، يقف "مراد" ممسكاً بظرف ورقي أصفر، بدت أطرافه ممزقة وكأن أحداً حاول فتحه بعنف ثم تراجع في اللحظة الأخيرة. الأضواء الباهتة للمصابيح الشارعية تنعكس على زجاج نافذة مكسورة، لتلقي ظلالاً مهتزة على وجهه الذي يحمل إرهاق السنين وثقل قضايا أُغلقت قسراً وأسرار لا تحصى دُفنت تحت طيات الذاكرة. مراد ليس مجرد رجل تحري عادي؛ إنه محقق سابق طُرد من السوّية المهنية بعد أن اقترب أكثر من اللازم من شبكة فساد تمتد جذورها إلى قمة الهرم السياسي، ليجد نفسه اليوم مطارداً من جحيم ماضيه الذي رفض أن يموت.​على بعد أميال قليلة، في قاعة اجتماعات مظلمة ومؤمنة بالكامل في طابق مرتفع من برج زجاجي لامع، تجلس "سارة"، المديرة التنفيذية لشركة "ألفا للتقنية"، وأمامها خمسة أشخاص يمثلون مجلس الإدارة الخفي الذي يتخذ القرارات الكبرى في الظل. الوجوه صامتة، والتوتر يكاد يقطع الهواء بسكين، بينما تنعكس أضواء الشاشات الرقمية الضخمة على وجوههم الشاحبة.
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
صدى الاعترافات المؤجلة
تنعكس أضواء الشوارع الباهتة من خلال النافذة المكسورة لتضيء نصف وجه لجين المرتجف، بينما يثبت مراد فوهة سلاحه على بعد سنتيمترات معدودة من جبهتها. في تلك اللحظة الحرجة، تلمح عين مراد الشعار المنقوش على الخاتم الفضي الذي ترتديه في إصبعها الأوسط؛ إنه ذات الشعار المرسوم بمداد أحمر على غلاف شريحة الذاكرة التي أُرسلت إليه في الظرف الافتتاحي. يرتخي قبضته قليلاً، ويهبط السلاح تدريجياً نحو الأسفل بينما يكسر صمت المكان بصوته الخشن والمبحوح: "أنتِ لجين... العالمة التي يبحث عنها الجميع لتصفيتها، أو ربما لاستخلاص ما تحفظينه في عقلك". تلتقط لجين أنفاسها بصعوبة بالغة، وتزيح خصلات شعرها المبلل عن وجهها الشاحب، مرددة بنبرة يملؤها الذعر والخوف المكبوت: "كيف عرفت اسمي؟ ومن أرسلك إليَّ؟ هل أرسلك رؤوف أم أنك واحدٌ من رجاله الذين يتقنون ارتداء قناع العدالة؟". يغلق مراد باب الشقة بحذر بقدمه، ويشير لها بيده نحو الأريكة القديمة المتآكلة وسط الغرفة: "لستُ معهم، بل أنا العدو المشترك الذي يلاحقهم بقدر ما يلاحقونك، والجريمة التي تورطتم فيها أكبر بكثير مما تتخيلين".​في تلك الأثناء، على بعد أميال في مركز العمليات ال
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
متاهة الهروب الأخير وتكسير الخطوط الحمراء
تتداخل أصوات خطوات الأقدام العسكرية الثقيلة على الدرج الإسمنتي الخشن مع صوت هطول الأمطار الغزيرة التي تهشم ما تبقى من زجاج النوافذ المكسورة في الممر الخلفي. كان مراد يتقدم بخطوات واثقة وحذرة في آن واحد، ممسكاً بسلاحه وموجهاً إياه نحو الزوايا المظلمة، بينما كانت لجين تتبع خطواته باسترشاد وثيق، ممسكة بطرف معطفه الأسود لتضمن عدم ضياعها في العتمة الكثيفة التي تغلف جنبات المبنى. رائحة الرطوبة والحديد الصدئ تملأ الأجواء، وتكاد تخنق أنفاسهما المتسارعة التي تُصدر صوتاً خافتاً يخشى الاثنان أن يلتقطه عناصر الفرقة الأمنية التي تحاصر المكان من الخارج والداخل.​في هذه اللحظة الحرجة، كانت أصوات اللاسلكي الخاصة بالمطاردين تقترب شيئاً فشيئاً من الطابق الذي يتواجدان فيه؛ حيث كان صوت قائد الفريق "بسام" – الذراع اليمنى لرؤوف وأعنف رجاله – يتردد بصدى معدني بارد يأمرهم بتشديد الخناق وعدم ترك أي مخرج مفتوح. "افتشوا كل زاوية، الهدف يجب أن يُقبض عليه حياً، وإن تعذر ذلك فالتخلص الفوري من مرافقيه هو الخيار الأول"، هكذا كانت كلماته الحادة التي اخترقت جدران الممر لتزيد من توتر الموقف. أدرك مراد أن البقاء داخل ال
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
شبكات العتمة والمطاردة المحتدمة
توالت الثواني وكأنها دهور في ذلك المنور المظلم والرطب الذي توسط المبنى المهجور، حيث كانت أصداء سقوط كتل الحديد والزجاج المكسور تتردد كدوي انفجار مصغر يمزق سكون الليل المطبق. كان جسدا مراد ولجين يتدليان في الفراغ السحيق، مربوطين بحبل أمان فولاذي واحد بدأ يصدر صرير احتكاك مزعج مع الحافة الحجرية الخشنة للمنور بسبب الوزن المفاجئ والحركة العنيفة. رذاذ المطر البارد كان يتساقط عليهما من الفتحة العلوية للمبنى، ليختلط بعرق الخوف الذي غطى وجهيهما. أغمضت لجين عينيها بقوة وأطبقت شفتيها على بعضهما البعض لمنع صرخات الرعب من الإفلات من جوفها، بينما كانت عينا مراد الصقريتان تجولان في العتمة الدامسة، باحثتين عن أي منفذ جانبي أو نافذة طوارئ قد تقودهما إلى خارج هذا الفخ القاتل قبل أن ينقطع الحبل أو يتمكن المسلحون من إعادة ترتيب صفوفهم واللحاق بهما من الأسفل.​"ثبت قدميك جيداً على الجدار الخرساني الأيمن عندما أعدك للعد التنازلي"، هكذا همس مراد بصوت حازم وقوي وسط هدير الرياح والأمطار، محاولاً بث الطمأنينة في نفس لجين التي كانت كتل التوتر تكاد تشل أطرافها. لم تكن هذه المرة الأولى التي يخوض فيها مراد مثل هذ
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
شقوق الثقة ومتاهة الأنفاق السفلى
توقف دقات القلب لثوانٍ معدودة داخل ذلك النفق الحجري الرطب المظلم، حيث تجمد مراد في مكانه وكأن صاعقة قد ضربت جذعه البشري. ببطء شديد وبحركات مدروسة، استدار نحو لجين التي كانت تقف خلفه مباشرة، محتفظة بملامح الدهشة والذعر الخالص على وجهها الشاحب الذي كان يعكس ومضات ضئيلة من كشاف يده الخافت. كانت عيناه الثاقبتان تمسحان وجهها بتدقيق شديد، كمن يحاول قراءة السطور الخفية لكتاب تمزقت أوراقه بين طيات المؤامرة. الرسالة التي تلقاها للتو من الرمز الغامض (S) – الذي أيقن أنه سامي، مهندس الأمن السيبراني الشاب – كانت تدق في رأسه كجرس إنذار مزعج ومخيف: "لقد كشفوا طريق الأنفاق، الفخ ينتظركم في المحطة القادمة، احذروا الخائن الذي يرافقكم من الداخل!".​"لماذا توقفت فجأة؟" سألت لجين بصوت خافت ومرجف، وقد علت جبينها قطرات عرق باردة اختلطت برذاذ الماء المتساقط من السقف الحجري القديم. واصلت حديثها بنبرة يملؤها اليأس والرجاء: "الوقت يداهمنا يا مراد، إذا لم نغادر هذه المتاهة المظلمة خلال دقائق معدودة، فسنجد أنفسنا محاصرين بين جدران الأرض وموت محقق في الأعلى". لم يجبها مراد فوراً؛ بل رفع فوهة سلاحه قليلاً، ليس ليصو
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
طلقات الميناء القديم وعتمة المستودعات المنسية
دوى صوت احتكاك العجلات الحديدية لعربة الصيانة القديمة بقضبان السكة الحديدية الملتوية كصرخة حديدية تمزق سكون الأنفاق السفلى، بينما كانت الرصاصات تتطاير من خلفهما وتحفر الجدران الحجرية المتآكلة محدثة شرارات متناثرة في كل مكان. انحنى مراد بجذعه إلى الأمام محاولاً توجيه المقود اليدوي المرتعش وسط ظلام الدامس وضجيج المحرك الذي كان يسعل دخاناً كثيفاً يملأ المكان برائحة الاحتراق. كانت لجين جالسة في القسم الخلفي من العربة المتهالكة، ممسكة بحواف المقعد الحديدي بقوة جعلت أناملها تبيض من شدة الضغط، وعيناها مصوبتان نحو الخلف حيث اختفت أضواء مطارديهم في المنحنى الحاد للنفق، لكن وقع خطواتهم وأصداء صرخاتهم ظلت تتردد ككابوس لا ينتهي.​"لقد فقدناهم مؤقتاً، لكن العربة لن تتحمل هذه السرعة الجنونية لمسافة طويلة!" شلع مراد الكلمات من جوفه بصعوبة بالغة وسط ضجيج الرياح المندفعة بوجهيهما. لم تكن أمامهما سوى بضع دقائق قبل أن يفترق مسار السكة الحديدية وينتهي عند بوابة حديدية صدئة تفضي مباشرة إلى مستودعات الميناء القديم، وهي منطقة شاسعة ومهجورة تقع على أطراف المدينة، حيث تتحطم الأمواج الليلية بقسوة على جدران الأ
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
أسرار الرافعة الرابعة ومواجهة المجهول في الميناء
تداخلت أصوات اصطدام الأمواج الغاضبة بجدران الأرصفة الخرسانية للميناء مع صوت هطول رذاذ المطر المالح الذي كان يغطي كل شيء بطبقة لزجة وباردة. كانت الظلمة في أرجاء الميناء القديم مطبقة وثقيلة، لا تخرقها سوى وميضات باهتة من مصابيح الصيانة المعلقة على قمم الرافعات العملاقة التي ترتفع في السماء كأشباح حديدية صامتة. كان مراد يتقدم بخطوات بطيخية مدروسة بين صفوف الحاويات البحرية الضخمة، المكدسة فوق بعضها البعض كأبراج متاهة مكسورة، ممسكاً بسلاحه وموجهاً فوهته نحو كل زاوية مظلمة قد تختبئ خلفها عيون العدو. خلفه مباشرة، كانت لجين تسير بخطوات مرتعشة لكنها ثابتة، عيناها زائغتان في العتمة، وأصابعها تقبض بإحكام على الجهاز اللوحي الذي بدأ يصدر طنينًا خافتًا ومتقطعًا كأنه ينبض بالحياة وسط هذا الجو الجليدي.​كانت رسالة الصوت المشوه الذي استقبلته لجين على شاشة الجهاز اللوحي تدور في رأسيهما بلا انقطاع: "إذا كنتم ترغبون في البقاء على قيد الحياة ومعرفة من قتل طارق حقاً، توقفوا عن الهرب وتوجهوا إلى الرافعة العملاقة رقم أربعة في رصيف الحاويات... لديكم خمس دقائق قبل أن يُغلق الباب الأخير". خمس دقائق فقط كانت كاف
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
قمة الحصار وانكشاف الأقنعة في العلو الشاهق
تطايرت شظايا الزجاج الصغير واهتزت جدران المقصورة المعلقة فوق الرافعة رقم أربعة بعنف بالغ عندما أُغلق باب الأمان الميكانيكي بإحكام مُطلق، مُمثلاً نهاية مفاجئة لكل خيوط الأمل الواهية التي حاول مراد ولجين التشبث بها طوال رحلة الهروب الشاقة. في تلك اللحظة القاتلة، لم يكن الصوت الوحيد هو رنين القفل الرقمي الذي بدأ يعد الثواني العكسية بصوت إلكتروني بارد ومزعج، بل كان صوت تدفق الغاز الأبيض الخفيف من فتحات التكييف العلوية يملأ أرجاء الغرفة الزجاجية الضيقة برائحة كيميائية حادة ولاذعة تكاد تحرق الأغشية المخاطية وتشل قدرة التنفس الطبيعي. سعلت لجين بقوة، ووضعت كفها المرتجف على فمها وأنفها، بينما انحنى مراد بسرعة وكالنمر الجريح، موجهًا فوهة سلاحه الناري نحو زجاج الباب الثقيل، ومطلقاً طلقتين متتاليتين بهدف تحطيم القفل الإلكتروني وإحداث ثقب يسمح بمرور الهواء النقي وتكسير طوق الحصار.​لكن الرصاصات اصطدمت بدرع فولاذي مزدوج السمك لم تأبه بالضغط، وارتدت بشرارات نارية خافتة أضاءت وجه مراد الغاضب والعابس الذي بدت عليه علامات الإصرار المميت على عدم الاستسلام بهذه السهولة المخزية. التفت بسرعة فائقة نحو الطا
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
السقوط نحو المتاهة الحضرية ومطاردة الميناء المظلم
تطايرت حبال السلالم المعدنية بعنف جنوني بفعل الرياح القطبية العاتية التي كانت تعصف برصيف الميناء القديم، بينما كان جسدا مراد ولجين يتدليان في الفراغ السحيق على ارتفاع يثير الدوار والرهبة في النفوس. رذاذ الأمطار المالحة كان يضرب وجهيهما المنهكين كشفرات حادة، وصوت تكسر الأمواج المتلاحقة على جدران الصخور الخرسانية كان يتردد من الأسفل كأنه هدير وحش كاسر ينتظر فريسته الساقطة. كان مراد يمسك بقضبان السلم الحبالي بقبضة حديدية مجروحة، مستخدماً كل عضلات جسده لامتصاص الصدمات والاهتزازات القوية التي كانت تكاد تفصلهما عن الهيكل المعلق، بينما كانت لجين شبه فاقدة للوعي، معلقة بحزام الأمان المربوط بخصره، ورأسها يميل بيأس نحو الخلف بينما تتسرب إلى صدرها أنفاس بطيئة ومتقطعة نتيجة تأثير الغاز المنوم القوي الذي تسلل إلى رئتيها في المقصورة العلوية.​"لجين! استمعي إليّ، لا تقومي بإغلاق عينيك الآن! نحن نقترب من الأرض،تماسكي قليلاً بعد!" صرخ مراد بصوت حاد ومبحوح يحاول اختراق ضجيج العاصفة والرياح ليعيد إليها شيئاً من الوعي والإدراك. أدرك مراد تماماً أن البقاء معلقاً على هذا الارتفاع الشاهق لفترة أطول يعني الم
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status