LOGIN“أنتِ تبتسمين وحدك.”
رفعت علياء الحسيني رأسها بسرعة نحو صديقتها، قبل أن تعقد حاجبيها بإنكار فوري. “لا أفعل.” ضحكت نور مراد وهي تضع كوب القهوة أمامها فوق الطاولة الصغيرة. “علياء… أعرفك منذ سبع سنوات. هذه ليست ابتسامة طبيعية.” زفرت علياء بضيق وهي تسحب خصلات شعرها للخلف. الكافيه كان مزدحمًا قليلًا رغم تأخر الوقت، وأصوات الموسيقى الهادئة اختلطت برائحة القهوة والمطر القادم من الخارج. لكن رغم كل ذلك… كانت ما تزال تفكر به. بصوته. بطريقته عندما نظر إليها داخل السيارة. وبتلك الجملة اللعينة التي لم تستطع إخراجها من رأسها منذ أن نزلت من سيارته. “أشعر أن وجودكِ سيقلب حياتي رأسًا على عقب يا علياء.” يا إلهي. دفنت وجهها داخل يديها فجأة. “أنا أكره الرجال.” ضحكت نور بصوت عالٍ. “رائع. إذن أخيرًا يوجد رجل.” رفعت علياء رأسها بسرعة. “لا يوجد رجل.” “إذن لماذا تبدين وكأنك خرجتِ من مسلسل رومانسي سام؟” ضيقت عينيها نحوها. “أنتِ درامية جدًا.” “وأنتِ سيئة بالكذب جدًا.” أسندت نور ذقنها فوق كفها وهي تحدق بصديقتها باهتمام حقيقي. كانت تعرف علياء جيدًا. تعرف متى تكون متعبة. مكسورة. أو خائفة. لكن هذا التعبير تحديدًا… كان جديدًا. هناك ارتباك واضح داخل عينيها. وتوتر. وذلك النوع من الشرود الذي يحدث فقط عندما يبدأ القلب بالتورط. “احكي.” قالتها نور ببساطة. تنهدت علياء باستسلام وهي تأخذ رشفة سريعة من القهوة. “الأمر ليس كما تظنين.” “ممتاز. إذن بالتأكيد هو أسوأ.” “نور.” “أنا أستمع.” صمتت علياء للحظات. ثم بدأت تحكي. عن الشركة. والاجتماع. وكيف أصبحت تعمل مباشرة تحت إدارة سليم الألفي. وفي البداية، كانت نور تستمع باهتمام عادي… حتى نطقت علياء اسمه. حينها تغير كل شيء. “لحظة.” قالت نور ببطء وهي تضع كوبها جانبًا. “سليم الألفي؟” أومأت علياء بحذر. “الرئيس التنفيذي نفسه؟” “للأسف نعم.” حدقت بها نور لثوانٍ طويلة قبل أن تنفجر فجأة: “يا مجنونة!” التفت بعض الجالسين نحوهما، بينما دفنت علياء وجهها بخجل. “اخفضي صوتك!” “أنتِ تعملين مع سليم الألفي؟!” “أشعر أنكِ تركزين على الجزء الخطأ من القصة.” “لا، أنا أركز على الجزء المرعب منها.” تنهدت علياء وهي تعبث بالمعلقة داخل كوبها. “هو ليس كما كنت أتوقع.” ضيقت نور عينيها فورًا. “هذه الجملة تحديدًا تقلقني.” “ماذا؟” “عندما تبدأ فتاة بوصف رجل بأنه مختلف… أعرف أن النهاية ستكون سيئة.” ضحكت علياء رغماً عنها. “أنتِ تبالغين.” “وأنتِ لا ترين نفسك.” ساد صمت قصير. ثم سألت نور بهدوء أخف: “هل يعجبكِ؟” توقفت يد علياء فوق الكوب فورًا. “ماذا؟ لا.” “أجبتِ بسرعة مريبة.” “لأنه سؤال سخيف.” رفعت نور حاجبها. “إذن لا يوجد شيء غريب في أن رئيسًا تنفيذيًا مليارديرًا يوصلك بنفسه للمنزل بعد منتصف الليل؟” اختنقت علياء بالقهوة فورًا. “كيف عرفتِ؟!” اتسعت ابتسامة نور بانتصار. “يا إلهي… كنت أمزح فقط.” أغلقت علياء عينيها بقهر. “أريد صديقة أقل ذكاءً.” “متأخرة جدًا.” أسندت نور ظهرها إلى المقعد وهي تراقبها باهتمام أكبر الآن. “حسنًا… احكي كل شيء.” وبدأت علياء تفعل. عن المكتب. والاجتماعات. وطريقته الباردة مع الجميع. ثم كيف يصبح مختلفًا أحيانًا معها فقط. وكيف يضحك بسببها. وكيف لاحظ أنها لم تأكل. وكيف أعطاها سترته عندما شعرت بالبرد. ومع كل كلمة… كانت نور تزداد صمتًا. حتى انتهت علياء أخيرًا وهي تزفر ببطء: “وأعتقد أنني بدأت أفقد عقلي.” لم ترد نور فورًا. بل بقيت تنظر إليها للحظات طويلة جعلت توترها يزداد. “ماذا؟” تنهدت نور أخيرًا. “المشكلة ليست أنه رئيس تنفيذي.” شعرت علياء بانقباض خفيف داخل صدرها. “المشكلة أنكِ بدأتِ تنظرين إليه كرجل.” ساد الصمت. صمت ثقيل أكثر مما توقعت. لأن جزءًا منها… عرف أن نور محقة. وهذا أخافها. “لا.” قالتها بسرعة وهي تهز رأسها. “مستحيل.” “علياء.” “أنا فقط… منبهرة قليلًا.” “من رجل وسيم وغني وبارد ولديه هوس بمراقبتك؟” “نور!” ضحكت نور بخفة بينما احمر وجه علياء بالكامل. “حسنًا، حسنًا.” رفعت يديها باستسلام. “لكن اسمعيني جيدًا.” اختفت ابتسامتها تدريجيًا. وهذا جعل علياء تنتبه فورًا. “رجال مثل سليم الألفي لا يمنحون النساء نهايات سعيدة.” شعرت علياء بالضيق من الجملة دون أن تعرف لماذا. “أنتِ لا تعرفينه.” “ولا أحتاج لذلك.” “نور…” “الرجال الأقوياء دائمًا يختارون أنفسهم أولًا.” قالتها بهدوء وهي تنظر مباشرة داخل عينيها. “والرجال الذين يملكون كل شيء… نادرًا ما يضحون بشيء من أجل الحب.” تراجعت علياء في مقعدها ببطء. تحاول تجاهل الطريقة التي أصابت بها الكلمات شيئًا حساسًا داخلها. ثم قالت بعناد خفيف: “أنتِ تبنين قصة كاملة من لا شيء.” “هل أنا مخطئة؟” فتحت علياء فمها للرد… ثم أغلقته. لأنها لا تعرف. هي نفسها لا تفهم ما الذي يحدث بينها وبين سليم أصلًا. كل ما تعرفه أن وجوده أصبح يربكها بطريقة لم تختبرها من قبل. وهذا وحده كان كافيًا لإخافتها. تنهدت نور أخيرًا، ثم مدت يدها عبر الطاولة وربتت فوق يدها بلطف. “أنا لا أريد تخويفك.” ابتسمت علياء بخفة متعبة. “بل أنتِ تفعلين عملًا رائعًا.” ضحكت نور مجددًا. “أنا فقط لا أريدك أن تتأذي.” شعرت علياء بدفء خفيف داخل صدرها. نور كانت دائمًا هكذا. صاخبة. ساخرة. لكنها تحبها بصدق. “لا تقلقي.” قالتها وهي تعصر يدها بخفة. “لن يحدث شيء.” لكن حتى وهي تقولها… لم تكن متأكدة إن كانت تحاول إقناع نور… أم نفسها. --- بعد حوالي ساعة… خرجتا من الكافيه أخيرًا. المطر توقف، لكن الشوارع ما تزال لامعة تحت الأضواء. عانقتها نور بسرعة قبل أن تتحرك نحو سيارتها. “حاولي ألا تقعي بحب رجل خطير، حسنًا؟” ضحكت علياء وهي تلوح لها. “سأحاول.” “أنا جادة!” “وأنا أيضًا!” راقبتها نور للحظة أخيرة بعينين مليئتين بالشك، قبل أن تدخل سيارتها أخيرًا وتغادر. بقيت علياء وحدها فوق الرصيف للحظات. ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها بتعب. لكنها توقفت فجأة. لأن هناك رسالة جديدة. من رقم تعرفه جيدًا الآن. اتسعت عيناها قليلًا وهي تفتحها بسرعة. “هل وصلتِ للمنزل بأمان؟” شعرت بقلبها يرتبك فورًا. يا إلهي. أغمضت عينيها للحظة قصيرة. ثم تذكرت كلمات نور مجددًا: > “رجال مثل سليم الألفي لا يمنحون النساء نهايات سعيدة.” لكن المشكلة… أن قلبها بدأ يهتم به على أي حال.انفتح الباب الخشبي العتيق ببطء شديد. وظهر وجه العجوز خلفه. كانت امرأة تجاوزت السبعين من عمرها، حفرت السنوات أخاديدها فوق وجهها النحيل، وغطى الشيب شعرها بالكامل تحت شال صوفي أبيض. رفعت عينيها الضعيفتين نحو الزائرين. في البداية نظرت إلى يوسف. ثم انتقلت نظرتها إلى علياء الواقفة بجانبه. وفجأة... تجمدت. اتسعت عيناها شيئاً فشيئاً. واهتزت شفتاها كأنها تحاول نطق اسم مستحيل. سقطت العصا الخشبية من يدها وارتطمت بالأرض. — مستحيل ... خرجت الكلمات منها كهمس مرتعش. حدقت في وجه علياء طويلاً. حتى بدأت علياء تشعر بعدم الارتياح. ثم رفعت العجوز يدها المرتعشة نحوها. — علياء...؟ ارتجف قلب علياء. لا تعرف لماذا. ولا كيف. لكن سماع اسمها من هذه المرأة الغريبة أشعرها بشيء غير مريح. شيء قديم. وموجع. — نعم... قالتها بحذر. فانهمرت الدموع من عيني العجوز فجأة. — يا إلهي... ثم اقتربت خطوة. — لقد كبرتِ كثيراً. تبادلت علياء و يوسف نظرة سريعة. و رأت في عينيه هدوءاً غريباً. كأنه كان يتوقع كل هذا. تنحنح يوسف بخفة. و انحنى ليلتقط العصا من الأرض. ثم أعادها إلى يد العجوز بلطف. — صباح الخير
انفتح باب الغرفة الخشبية أخيراً بعد أن أدار مالك المفتاح من الخارج.صدر صرير خافت من المفصلات القديمة، وكأنه يعلن انتهاء ليلة لم تكن عادية بالنسبة لأي واحد منهم.رفع مالك بصره نحو علياء و يوسف داخل الغرفة، لكنه لم ينطق بكلمة.لم يكن بحاجة إلى ذلك.فالصمت الذي يملأ المكان كان أثقل من أي حديث.خرج يوسف أولاً.ثم تبعته علياء.بينما تأخر مالك قليلاً قبل أن يغلق الباب خلفهم.كان الممر الخشبي المؤدي إلى غرف النزل هادئاً بشكل غريب.حتى خطواتهم بدت مكتومة.سارت علياء دون أن تنظر إلى يوسف.ودون أن تتحدث.كانت كلمات السابقه ما تزال تتردد داخل رأسها كأصداء بعيدة لا تتوقف.طفولتها.هذه البلدة.الصبي الذي زعم...... يوسف أنه كان يعرفها و هي طفلهالدمية الخشبية.و الفراغ الغريب الذي اكتشفته فجأة داخل ذاكرتها.شعرت وكأن أحدهم فتح شقاً صغيراً في جدار قديم داخل عقلها.شقاً لم يسمح بعد للحقيقة بالظهور...لكنه سمح للشك بالدخول.وذلك كان كافياً ليحرمها الراحة.عندما وصلت إلى باب غرفتها توقفت.أخرجت المفتاح ببطء.ثم التفتت دون إرادة.كان يوسف ما يزال واقفاً في الطرف الآخر من الممر.لم يحاول الاقتراب.ولم ي
هبط الصمت على الغرفة الخشبية الصغيرة بعد العاصفة.لم تعد صرخات علياء ترتطم بالجدران، ولم يعد يوسف يحاول فرض كلماته بالقوة.بقيت واقفة قرب الباب المغلق، ذراعاها متشابكتان أمام صدرها كأنهما آخر حصن يحميها من الانهيار.أما يوسف فتراجع ببطء نحو المقعد الخشبي القريب من النافذة وجلس عليه.لأول مرة منذ دخوله الغرفة بدا متعباً.متعباً حقاً.نظر إليها طويلاً قبل أن يتحدث.— هل انتهيتِ من الغضب؟رفعت رأسها نحوه فوراً.— وهل يبدو عليّ أنني انتهيت؟هز كتفيه بهدوء.— لا.ثم أضاف:— لكنني أظن أنكِ تعبتِ منه.ارتجفت أنفاسها.كرهت أنه أصاب الحقيقة.كانت غاضبة منذ أشهر.غاضبة من سليم.ومن يوسف.ومن نفسها.ومن العالم كله.لكن التعب كان أصدق وصف لما تشعر به الآن.أشاح يوسف ببصره نحو النافذة.كانت الحقول الممتدة خلف البلدة تلمع تحت ضوء القمر.وقال بصوت منخفض:— هل تعرفين ما أول شيء فعلته عندما عدت إلى هذه البلدة قبل أسبوع؟لم تجب.لكنه أكمل.— ذهبت إلى الشجرة الكبيرة قرب النهر.عقدت حاجبيها.— وما شأني أنا بالشجرة؟ابتسم ابتسامة صغيرة.— كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.صمت لحظة.ثم أردف:— لكنها ما زالت هناك.
تراجعت علياء خطوتين إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالباب الخشبي ، و تجمدت أنفاسها في صدرها . و مضات الضوء الخافتة في الغرفة انكسرت على ملامح الشخص الطويل الواقف أمامها، لتنقشع العتمة فجأة و تكشف عن وجه يوسف الكيلاني اتسعت عيناها بصدمة مروعة أطاحت بكل ثباتها، و هتفت بنبرة مرتعشة يملؤها الغيظ: — يوسف؟! ماذا تفعل هنا؟ خرج اسمه من بين شفتيها اقرب الي الاتهام منه الي السؤال ثم اندفعت نحوه خطوه واحده و عيناها تشتعلان غضبا وقالت :- و كيف تجرؤ على حبسي في هذا المكان؟! حافظ يوسف على وقفته الفخمة، و لم تتحرك في وجهه الصارم ذرة واحدة من التردد نظر في عينيها بنظراته الصقرية الحادة التي تشتعل بكثافة حارة، و قال بنبرته المخملية المنخفضة و الهادئة: — أنا لا أحبسكِ يا علياء... أنا فقط ألتزم بالعهود التي قطعتها على نفسي. صاحت علياء :- هل جننت كيف عرفت انني هنا اصلا؟ صمتت للحظه و ادركت فضحكت بسخرية مالك بالطبع كم انا غبيه قال يوسف بهدوء و كانه لم يسمعها : -لقد أخبرتكِ قبل أشهر ، أن بيننا ثلاثين سراً لم يُكشف عنهم بعد... و اليوم، سأخبرك بأهم سر في حياتي جئتُ لأثبت
ترجل مالك و علياء في وسط الساحة العتيقة، ليلتفت مالك نحو علياء ممرراً يده فوق بطنه بحركته الكسولة المعتادة، و قال بنبرة ضاحكة و بسيطة:— علياء... القيادة لمسافات طويلة وسط هذا الهواء الريفي جعلتني جائعاً للغاية. هناك مكان مميز و صغير هنا يملكه أحد السكان المحليين، يقدم طعاماً دافئاً لا يعوض. دعينا نذهب إليه أولاً قبل البدء بمعاينة الأراضي و المساحات.ضحكت علياء و وافقت هازة رأسها بالموافقة :-حسنا لنذهب.. لكن لن نطيل حتي لا يتاثر برنامجنا و موعد عودتنا ارتفعت زوايا فم مالك بريبه: حسنا سارت علياء معه عبر المسارات الضيقة المألوفة لها لكن كلما اقتربا من المكان، بدأت ملامح مالك تتغير بخفة؛ تلاشى تكاسله و سخريته المعتاده و حل مكانه ارتباك مكتوم و توجس غريب كان يخرج هاتفه المحمول من جيب سترته كل نصف دقيقة، يتفحصه و ينقر فوق الشاشة بسرعة جنونية، و عيناه تلتفتان يميناً و يسارا
عتبه الجذور الاولي للذكريات انطلقت السيارة التابعة لمالك عبر الطرقات السريعة في الصباح الباكر، مخترقة جدار الضباب الكثيف الذي يغلف أطراف مدينة ڤالورا كان الهواء بارداً و ناصعاً، و كلما ابتعدت العجلات عن شوارع المدينة الإسمنتية، كانت الأبنية الشاهقة و الزجاجية تتقلص في مرآة الرؤية الخلفية، ليحل محلها الأفق الريفي الممتد و المساحات الخضراء الشاسعة التي بدأت تتنفس تحت أشعة الشمس الذهبية الأولى.كان مالك يمسك بمقود القيادة براحته المعتادة، واضعاً نظارته الشمسية الكسولة، و يرتشف من كوب قهوته الساخن، بينما كان الكلب "رعد" يخرج رأسه من النافذة الخلفية مستمتعاً بتيارات الهواء الصباحية المتدفقة.أما علياء .. فكانت تجلس في المقعد الأمامي بجانبه، مسندة رأسها المتعب إلى زجاج النافذة، غائبة بالكامل عن ثرثرة مالك العفوية و نكاته المستمرة حول قيادته السيئة للسيارة. كانت عيناها معلقتين بالطريق الجانبي الضيق الذي دخلوه للتو، المؤدي مباشرة إلى حدود بلدة "الجنوب القديمةانحرفت السيارة نحو ممر ترابي محاط بأشجار الصفصاف العتيقة، لتهتز حركتها بخفة . و في تلك الثانية بالذات، أحست عليا


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




