Home / الرومانسية / انتقام المُهانة / الفصل الرابع: الوهم1

Share

الفصل الرابع: الوهم1

Author: Déesse
last update publish date: 2026-04-06 08:03:11

إليانور

الأسبوعان التاليان كانا حلماً يقظة، حلماً ذهبياً غير حقيقي، أخشى في كل لحظة أن أستيقظ منه. رافائيل لم يكتفِ بوعده. لقد جسده. صار وعده جسداً يمشي بجانبي، يتنفس هوائي، يملأ فراغات كانت فارغة منذ أن ولدت.

إنه في كل مكان.

في اليوم التالي لقاءنا في الحديقة، استيقظت باكراً. لم أنم جيداً. كنت أعيد كلماته في رأسي: "في داخلك ملكة". "عيناكِ كسماء الشتاء". ضحكت وحدي في الظلام كمجنونة. ثم خفت. خفت أن يكون كل شيء قد تلاشى مع النوم. خفت أن أذهب إلى المدرسة فأجد أن رافائيل لم يعد يعرفني. خفت أن أكون حلمته.

لكن لا.

عند خزانتي، المعدن الرمادي البارد، كان هناك شيء أزرق. زهرة برية. زهرة ذرة. مدسوسة في الشق، كأنها تختبئ من رياح الممر. لا رسالة. لا اسم. مجرد بقعة ملونة زاهية على ذلك الرمادي القاتم. زرقاء كعينيه تقريباً. أو كسماء وعد.

قلبي قفز. قفزة ألمتني في صدري. أخذت الزهرة بأصابع مرتجفة. كانت باردة، رطبة قليلاً بندى الصباح. رفعتُها إلى أنفي. لا رائحة تقريباً. لكنها كانت أجمل شيء حملته يداي منذ... منذ لا أعرف متى.

رفعت رأسي. نظرت حولي. لم يكن هناك أحد ينتظر. لكنه كان يعرف. كان قد أتى إلى هنا قبل أن يأتي أحد. وضع زهرته. ثم اختفى. لماذا؟ لم يقل. لكني أحببت السؤال. أحببت الغموض. أحببت أن يكون لي سر.

في الممر، بين الفصول، رأيته. كان واقفاً بجانب نافذة، يتحدث مع صديق. عندما رآني، توقف عن الكلام للحظة. فقط للحظة. ثم ابتسم. ليس ابتسامة عريضة. ابتسامة صغيرة، جانبية، كأنها تقول: "أراكِ. أنتِ هنا. أنا أعلم."

لم يأت نحوي. لم يتظاهر بأنه يعرفني. كانت تلك هي الحكمة. كان يجب أن تكون علاقتنا سراً. كنت أعرف ذلك. كنت أتفهمه. لو علمت ليورا، لو علم أحد، لقتلوه. لقتلوا هذا الشيء الجميل قبل أن يولد.

لكنه لم يتركني أمشي وحدي.

بعد دقائق، في الممر الضيق المؤدي إلى قاعة التاريخ، سمعت خطواته خلفي. لم يقل شيئاً. فقط مشى بجانبي. لا يمسك ذراعي، لا يصافح يدي. مجرد وجوده كان إعلاناً. كافياً. نظرت إليه بذنب. همس:

— الزهرة... شكراً.

ابتسم.

— كنت أعرف أنك ستحبينها. الزهور البرية لا تحتاج إلى حديقة لتنمو. مثلكِ.

مثلي. أنا زهرة برية. أنا شيء ينمو رغم كل شيء. رغم الأسمنت. رغم البرد. رغم من يدوسون.

دخلنا القاعة معاً. جلستُ في الطاولة الأخيرة بجانب المدفأة. هو جلس في الصف الأول. بعيد. لكن عيناه التفتتا إليّ مرتين. كافياً.

النظرات اختلفت. رأيت ذلك في عيون التلاميذ. ازدراء أقل. دهشة أكثر. فضول. وحسد حتى، في أعين بعض الفتيات. كيف؟ كيف استطاعت هي؟ كيف استطاع هو؟ ما الذي يراه فيها؟

لم أكن أعرف. كنت سعيدة فقط. سعيدة لدرجة أنني كدت أنسى أن أتنفس.

تمر الأيام. الزهرة الأولى ماتت بعد يومين. جفت بتلاتها الزرقاء وتحولت إلى هشيم بني. بكيت عليها قليلاً في الليل، وأنا أمسكها بين أصابعي. لكن في صباح اليوم الثالث، وجدتُ غيرها. أقحوانة. بيضاء كالثلج. صغيرة، رقيقة، عطرها خفيف كهمس.

وفي صباح اليوم الخامس، غصن صغير من الليلك. أرجواني. عطره قوي، حاد، يملأ الخزانة كلها. أخذته معي إلى كل الفصول. أخفيته في جيبي. أشمه بين الحصص. أغمض عيني للحظة وأشعر بأنني في مكان آخر. في مكان آمن.

كل صباح، مفاجأة صامتة تنتظرني. كل صباح، أفتح خزانتي كمن يفتح هدية عيد ميلاد. قلبي يخفق. أصابعي ترتجف. أي زهرة اليوم؟ أي لون؟ أي رسالة صامتة؟

في المقصف، تغير كل شيء.

في الأيام التي سبقت رافائيل، كنت أدخل المقصف كالمدانة إلى الإعدام. كنت أتسلل إلى طاولتي المنعزلة، آكل بسرعة، عيناي على الأرض، أتوسل ألا يراني أحد. الآن، رافائيل يدمر كل خططي. يدمر عزلتي. يدمر جدار الأمان الذي بنيته من الوحدة.

يأتي بصينيته. يجلس مقابلتي. مباشرة. أمام الجميع.

— أليس لديك مكان آخر؟ أهمس، عيناي ترمقان النظرات حولنا.

— بلى. لكني أريد أن أجلس هنا.

يضع طبقاً بجانبه. لا يبدو حتى أنه يلاحظ النظرات المائلة، الضحكات المكبوتة. لكنه يلاحظها. أعرف ذلك. هو أذكى من أن لا يلاحظ. إنه يتجاهلها فقط. يتجاهلها ببرود. بثقة. كأنها لا تعنيه. كأنها لا تعني شيئاً.

— احكِ لي، يقول. احكِ لي ما رأيك في هذه القصيدة.

يمد إليّ كتاباً. ديوان شعر. غلافه ممزق قليلاً من الزاوية. صفحاته صفراء. رائحته رائحة ورق قديم. أفتحه على الصفحة التي وضع فيها إشارة. أقرأ بصمت. ثم أرفع رأسي.

إنه يستمع. حقاً. ليس استماع المجاملة. استماع الجوع. كأن كلماتي هي طعامه. عيناه الخضراوان مثبتتان على عينيّ، يهز رأسه، يبتسم لأفكاري. يتوقف عن الأكل ليسمع. يضع شوكته جانباً.

— جميل، يقول. أنتِ تفكرين بطريقة مختلفة. لماذا؟

لماذا؟ لأنه لا أحد سألني من قبل. لأنني كنت صامتة. لأنني كنت أعتقد أن صمتي هو ما يحميني. الآن، أنا أتكلم. وأنا أحب صوتي. أحب كيف يخرج من فمي. كيف يصبح كلمات. كيف يصبح شيئاً مسموعاً.

إنه يعاملني كمفكرة. كنظيرة له. لا كشخص أدنى. لا كمن يستحق الشفقة. كمن يستحق الاحترام.

— عيناكِ يا إليانور... يقول لي يوماً، ونحن خارج المدرسة، بعيداً عن كل العيون. عيناكِ مليئة بالعواصف. كأن هناك بحراً بداخلكِ لا يهدأ أبداً.

أضحك.

— بحر من ماذا؟

— بحر من أشياء لا يفهمها أحد. ربما أنتِ نفسك لا تفهمينها. لكني أحاول. أحاول أن أغوص.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انتقام المُهانة   الفصل 105: الاجتماعات والفراغ

    إليانور غرفة الاجتماعات ضخمة، مغمورة بضوء بارد يتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة. حول الطاولة الزجاجية، اثنا عشر شخصاً ينتظرونني. مدراء الشركات الرئيسية في المدينة. منافسيّ، شركائي، مدينيّ. رجال ونساء ببدلات، بنظرات حسابية، بابتسامات مناسبة. أدخل. الجميع ينهض. «اجلسوا»، أطلق دون أن أبطئ. أربح مكاني، على رأس الطاولة، مقابلهم جميعاً. مكان السلطة. أجلس، أضع حقيبتي، أضع ساقاً على الأخرى. جلد كرسي يصر قليلاً. الصمت مطلق. «لنبدأ». الاجتماع يدوم ساعتين. ساعتين من الأرقام، التوقعات، الاستحواذات، المشاريع. ينظرون إليّ باحترام، بخوف، بحسد. لدي تسعون بالمئة من شركات هذه المدينة. يمكنني إفلاسهم جميعاً بطرفة عين. إنهم يعرفون ذلك. إنهم ينتبهون إلى كل كلمة، كل حركة. «إليانور، نود أن نقترح عليك شراكة للمركز التجاري الجديد...» «لا». «لكننا درسنا الملف بعناية، والتوقعات ممتازة...» «قلت لا. التالي». الرجل يجلس مجدداً، منزعجاً لكن صامتاً. الآخرون يتابعون، يقترحون، يتفاوضون، يتوسلون تقريباً. أستمع، أبت، أقرر. نعم لهذا، لا لذاك، ربما لآخر، بشرط أن يعيد النظر في أرقامه. السلطة سهلة. سهلة جداً

  • انتقام المُهانة   الفصل 104: الحضور

    إليانور «ماركوس!» يندفعون عليه، يهاجمونه بعناقات وأسئلة. ليون يتعلق بساقيه، ليلو تمد ذراعيها ليأخذها. يضحك، يرفعهما معاً بسهولة تشد قلبي. إنه قوي. إنه ناعم. ينظر إليهما وكأنهما أغلى شيء في العالم. «إذاً، أيها الذئاب الصغيرة، كيف حالكما هذا الصباح؟» «هل شعرت بالبرد؟» يسأل ليون. «لماذا كنت عارياً؟» تتابع ليلو. «هل أتتك الموت؟» «هل لديك بؤبؤ؟» يضحك مجدداً، يضعهما على الأرض، يقرفص بمستواهما. «أنا بخير، أؤكد لكما. فقط بارد قليلاً، لكني دفئت. وأنتما، هل نمتما جيداً؟» «نعم!» يجيبان في انسجام. «لحسن الحظ. لأنني أحضرت كرواسون». يخرج من حقيبته كيساً ورقيًا تتصاعد منه رائحة لذيذة. التومان يطلقان صرخات فرح واندفاع نحو الطاولة. مارثا تساعدهما على الجلوس، توزع الكرواسون، تصب عصير البرتقال. وأنا، أبقى هناك، واقفة، أراقب المشهد دون أن أشارك فيه. ماركوس ينهض ببطء. يتجه نحوي. نظرتنا تتقاطع. «صباح الخير»، يكرر بلطف. «صباح الخير»، أرد، صوتي مختنق. «هل تريدين كرواسون؟» «لدي قهوتي». «قهوة ليست فطوراً». «إنها فطوري». يومئ برأسه، لا يصر. يقترب من الطاولة، يجلس بجانب التوأمين، يبدأ في ال

  • انتقام المُهانة   الفصل 103: فطور المجانين

    إليانور في اليوم التالي، السابعة صباحاً. المطبخ هو منطقة حرب. ليون وليلو، خمس سنوات، توأمان متطابقان باستثناء الشخصية، يتشاجران بحماسة تستحق أعظم معارك التاريخ. الرهان كبير: معرفة من سيصب الحبوب في الأطباق. ليون يدعي هذا الحق المقدس لأنه "أطول" (ثلاثون ثانية أكثر من أخته، أوضح للدقة التاريخية). ليلو تطالب به لأنه "الأجمل" (حجة موضوعيتها واضحة، لكنني لست موضوعية عندما يتعلق الأمر بهما). «توقفا وإلا سأعطي الحبوب للكلب»، أهدد بدون أي اقتناع، وأنا أسكب القهوة السوداء في كأسي. «ليس لدينا كلب!» يصرخان في انسجام، متحدين في السخط. «هذا تحديداً سبب التهديد. الآن، اجلسا». يطيعان، لكن بتذمر، بتلك القدرة الفطرية التي يتمتع بها الأطفال على تحويل الطاعة إلى احتجاج صامت. ليلو، بعد أن جلست، تغمس عينيها الكبيرتين في عينيّ. «مامان، لماذا كان ماركوس عارياً تماماً في الحديقة أمس؟» أختنق بقهوتي. السائل الساخن يسلك مساراً غير متوقع، مسبباً نوبة سعال تثنيني إلى نصفين. «ماذا؟» «رأيناه من النافذة!» يضيف ليون، عيناه تلمعان من الإثارة. «كان يركض في الثلج بأردافه البيضاء بالكامل!» «هذا صحيح تماماً!»

  • انتقام المُهانة   الفصل 102: سقيفة الحديقة

    إليانور قدماي الحافيتان تغوصان في الثلج، والألم فوري، نابض، لا يطاق تقريبًا. كل خطوة هي تمزق، مليون إبرة جليدية تخترق جلدي، تعبر عضلاتي، تحفر في عظامي حتى النخاع. ومع ذلك، أركض. أركض لأنني دفعته. أركض لأنه عارٍ. أركض لأنه إذا مات مجمداً في هذه الحديقة الكيبيكية في وسط ديسمبر، سيكون خطئي، ولن أستطيع تحمل ذلك. ليس بعد كل ما تحملته بالفعل في وجودي. ليس بعد أن نجوت من جحيم هذه المدينة، من خبث سكانها، من لا مبالاة أولئك الذين كان يجب أن يحموني. ليس بعد أن أعادت بناء نفسي، لبنة بعد لبنة، كذبة بعد كذبة، لأصبح ما أنا عليه اليوم. أمامي، شكل ماركوس يختفي نحو المنزل الصغير في نهاية الحديقة. ذلك المنزل الذي كان موجودًا بالفعل عندما اشتريت العقار، قبل ستة أشهر من عودته. جنون، هذا الشراء. منزل رئيسي ضخم، عمره قرن، مجدد بعناية، وفي نهاية الأرض، مخفياً بقوقعات عمرها قرن، هذا الملحق الفاخر بنوافذه الزجاجية الكبيرة وشرفته الخشبية. وكيل العقارات شرح لي أنه كان بمثابة منزل ضيوف للمالكين السابقين، زوجين من الأطباء كانا يستقبلان كثيراً. قلت لنفسي إنني سأجعله مكتبًا، ملاذاً، مكانًا لي عندما يكون الأطفال

  • انتقام المُهانة   الفصل 101: انقلاب (1)

    إليانور «لقد نمنا معًا، وأنتِ نمتِ في منتصف الليل وهمستِ بشيء عن شاطئ»، يواصل، عيناه تلمعان من الضحك. «كنت أحلم بك، أيها الأحمق!» الجملة تفلت مني قبل أن أتمكن من منعها. ابتسامته تختفي، يحل محلها شيء أكثر نعومة، أكثر كثافة. عيناه تغمقان. «كنت تحلمين بي؟» أشعر بالحمرة تصعد إلى وجنتيّ. أذناي تحترقان. جسدي كله يجب أن يكون قرمزيًا. «كان حلماً، أي شيء، أشياء غبية...» «ماذا كان يحدث في هذا الحلم، إليانور؟» صوته أصبح أكثر عمقًا. يقترب، الملاءة تنزلق مجددًا، أرى عضلات بطنه، ذلك الخط الذي تتبعتُه بأصابعي، ذلك الجلد الذي... «لا شيء. لم يكن يحدث شيء». «أنتِ تكذبين بشكل سيء». «أنا أكذب بشكل جيد جدًا، عادةً». «ليس معي». إنه قريب جدًا الآن. يمكنني عد رموشه. يمكنني مد يدي ولمس جلده. يمكنني... خطوات على الدرج. خطوات سريعة. متعددة. ثقيلة. «إليانور؟؟؟ لقد صرختِ! هل كل شيء على ما يرام؟» صوت مارثا التي لديها مفتاح رئيسي. تلك التي لا تتردد أبدًا في استخدامه. دمي يتجمد. «تبًا تبًا تبًا تبًا!!!» أقفز من السرير، ناسية تمامًا أنني عارية. أجمع ملابسه المبعثرة، وأقذفها في وجهه. «البس! بسرع

  • انتقام المُهانة   الفصل 100: حلم (5)

    إليانور ابتسامته تتسع. يضع وسادته جانبًا، يبدو مصممًا على تقبل عريه، ويتجه نحوي. الملاءة تنزلق، كاشفةً كامل صدره، ولا أستطيع منع نفسي من النظر. عضلات صدره التي لمستها، بطنه الذي قبلته، جلدي الذي خدشته بأظافري. «إليانور، لا أريد التفاخر، لكن...» «لكن؟» «لقد صرخت باسمي ثلاث مرات. وليس من الألم. وقلتِ أشياء... أشياء مثيرة جدًا للاهتمام». أضربه بوسادتي. يضحك. إنه يضحك حقًا، وهذا معدٍ جدًا لدرجة أنني أشعر بفمي يلتوي، يريد أن يبتسم، يريد أن يضحك معه. «هذا ليس مضحكًا!» «بلى، قليلاً». «لقد نمنا معًا دون أن ندرك!» «أنتِ دون أن تدركي. أنا كنت واعيًا تمامًا». أنظر إليه، مرعوبة. «ماذا؟» «ها، أنتِ من أتيتِ لتأخذيني! كنت نائمًا كالطفل في أريكتك، وفجأة هناك امرأة ببيجاما بشعة تسحبني من ذراعي وتقول إنها تشعر بالبرد ويجب أن آتي لتدفئتها. ماذا كنت تريد مني أن أفعل؟ هل أقول لا؟» أغمض عينيّ. الذكريات تعود على شكل ومضات أكثر دقة فأكثر دقة. أنا، فعلاً، أسحبه. هو، يتبع بطاعة. نحن على الدرج. يداه عليّ. يداي عليه. البيجاما تسقط. السرير يستقبلنا. «قبلتك على الدرج»، أقول، مرعوبة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status