تسجيل الدخولالفصل السابع
ليلةٌ تسبق العاصفة كانت بعض الليالي تحمل في ظاهرها بريقًا يخدع العيون، بينما تُخفي في أعماقها بدايات انهياراتٍ لا يسمع صوتها أحد. وفي ذلك الصباح، كانت المدينة تستيقظ على يومٍ يبدو عاديًا للجميع... إلا أن القدر كان قد كتب لكل شخص فيه موعدًا مع خطوة ستغير حياته إلى الأبد. ففي مكانٍ كانت القلوب تستعد للاحتفال... وفي مكانٍ آخر كانت الخيانة تُنسج بخيوطٍ بالغة الدقة... أما هناك... فكان القدر يبتسم ابتسامته الساخرة، استعدادًا لأول لقاء سيقلب موازين كثيرة. داخل فيلا فايز الجيار... تسللت أشعة الشمس عبر الستائر الثقيلة لتنعكس فوق الغرفة الفاخرة، بينما كان الصمت يلف المكان بعد ليلة امتلأت بالمعاصي والانحلال. اعتدل فايز في جلسته بكسل، ثم نهض من فوق الفراش وهو يلف الغطاء حول خصره، واتجه نحو الطاولة يلتقط كأس الماء، قبل أن يلتفت إليها بنظرة متفحصة. كانت عبير ما تزال تغط في نومٍ عميق، وشعرها مبعثر فوق الوسادة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا. هتف ساخرًا وهو يرتشف جرعة من الماء: ـ ها... ناوية تفضلي نايمة لحد المغرب؟ تمطت بكسل قبل أن تفتح عينيها ببطء، ثم نظرت إليه وهي تبتسم بميوعة قائلة: ـ دا أنت طلعت جامد أوي يا باشا. انتفخت أوداجه بزهوٍ واضح، وارتسمت فوق شفتيه ابتسامة رجولية متباهية. ـ وإنتِ كمان... عجبتيني. نهضت من مكانها، ولفّت الملاءة حول جسدها، ثم اقتربت منه بخطوات متهادية، وأحاطت خصره بذراعيها من الخلف هامسة: ـ وأنا من أول ما شوفتك... وعيني عليك يا باشا. ابتسم ابتسامة خبيثة، لكنه أبعدها عنه قليلًا، ثم سألها بنبرة مختلفة تمامًا: ـ قوليلي... هتقابليها إمتى تاني؟ قطبت حاجبيها باستغراب. ـ مين؟ نظر إليها نظرة ذات معنى. ـ الهانم. فهمت قصده سريعًا فقالت: ـ والله معرفش... هي اللي هتكلمني عشان تديني باقي الفلوس. هز رأسه ببطء. ـ لا... ثم اقترب منها حتى أصبحت المسافة بينهما لا تُذكر. ـ إنتِ اللي هتتصلي بيها... وتقولي لها إنك محتاجة باقي حسابك النهارده. أومأت في طاعة. ـ حاضر. لكن الفضول انتصر عليها، فسألته بحذر: ـ هو حضرتك مهتم بالموضوع ده ليه؟ تبدلت ملامحه في لحظة، واختفت الابتسامة من فوق وجهه. نظر إليها ببرودٍ أرعبها وقال: ـ مالكيش دعوة. ثم أردف بنبرة حاسمة: ـ اللي أقول عليه يتنفذ... من غير ولا سؤال. ابتلعت ريقها بصعوبة. ـ حاضر يا باشا. تحركت نحو ملابسها استعدادًا للمغادرة، لكنها لم تكد تصل إلى الباب حتى جذبها من رسغها فجأة. استدارت إليه متفاجئة. اقترب منها بخطوات بطيئة، ثم لف ذراعه حول خصرها وهمس بالقرب من أذنها: ـ على فين؟ ابتسمت بخبث وهي تلف ذراعيها حول عنقه. ـ اللي تشوفه يا باشا... أنا من إيدك دي... لإيدك دي. انسابت الملاءة عن كتفيها دون أن تشعر، فتعلقت عيناه بجسدها بنظرة شهوانية طويلة، قبل أن يجذبها إليه بعنف، مطبقًا على شفتيها، ليغرقا مرة أخرى في مستنقعٍ لا يعرف سوى الخطيئة. وفي الخارج... كانت شمس الصباح تشرق بهدوء... غير عابئة بما يحدث خلف تلك الجدران. في فيلا المهدي... كان الهدوء يلف أرجاء المنزل، بينما وقف فهد أمام المرآة يرتب ربطة عنقه بعناية، وملامحه الجامدة لا تحمل أي تعبير. خرج من غرفة الملابس متجهًا نحو الباب، ثم ألقى نظرة سريعة على روجيدة التي ما زالت نائمة. اقترب منها وهز كتفها بخفة. ـ قومي. فتحت عينيها بصعوبة وهي تتمتم بنعاس: ـ حاضر... يا حبيبي. لم يلتفت إلى نبرتها المدللة، بل واصل تجهيز ساعته وهو يسألها: ـ هتعملي إيه النهارده؟ جلست على الفراش وهي تمسح وجهها. ـ هكلم الـ Beauty Center يبعتوا البنات... ولازم أكون جاهزة قبل الحفلة. أومأ برأسه. ـ تمام. ثم أضاف وهو يرتدي سترته: ـ وأنا هرجع البيت الساعة خمسة تقريبًا. وقبل أن يغادر توقف عند الباب، واستدار إليها بنظرة حازمة يعرفها الجميع. ـ روجيدة... لو الفستان مكشوف... مش هتحضري الحفلة. ساد الصمت للحظة. ثم خرج من الغرفة دون أن ينتظر ردها. ما إن أُغلق الباب حتى ألقت الوسادة بعنف فوق الفراش وهي تزفر بضيق. ـ أووف بقى... كل حاجة لا... ودي مينفعش... ودي عيب... ودي حرام... هو مفيش حاجة تعجبه! وقبل أن تكمل تذمرها... رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، فتبدلت ملامحها فورًا. همست بضيق: ـ دي بتتصل ليه دلوقتي؟ ضغطت على زر الإجابة وهي تخفض صوتها. ـ إنتِ اتجننتي؟ مش قولتلك متتصليش بيا؟ أنا اللي أكلمك. جاءها صوت عبير مترددًا: ـ معلش يا هانم... كنت محتاجة الفلوس. أغمضت روجيدة عينيها بضيق. ـ خليها بكرة. ـ النهارده ضروري. تنهدت بضيق شديد. ـ النهارده عندي حفلة. ـ لو سمحتي... محتاجاهم. ضغطت على أسنانها وهي تشعر أن الأمر بدأ يخرج عن سيطرتها. ثم قالت في النهاية: ـ خلاص... أول ما أوصل هكلمك وأقولك المكان. ـ حاضر يا هانم. أغلقت الهاتف بعنف، ثم ألقت به فوق الفراش وهي تتمتم: ـ كنت ناقصاكي إنتِ كمان... ثم أسرعت تستعد ليومٍ لم تكن تعلم أنه سيكون بداية أول خيط في سقوطها. يتبع...الخاتمةبعد ثلاث سنوات...كانت فيلا سليم تعج بالحياة، بعدما امتلأت بأصوات الضحكات الصغيرة وركض الأطفال في كل ركن، حتى بدت وكأنها استعادت شبابها من جديد.كان الجميع مجتمعين كعادتهم، في أجواء دافئة يملؤها الحب والألفة.أما سليم المهدي...فكان يجلس في مقعده المفضل، يتأمل أحفاده وأبناءهم بعينين تلمعان بالسعادة والرضا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يحمد الله على النعمة التي أنعم بها عليه.أما عمر و جنى...فقد رزقهما الله بطفلة جميلة، ورقيقة الملامح كوالدتها، أسمياها سيلا، وكانت مدللة الجميع بلا استثناء.وأما شريف ومي...فقد رزقهما الله أولًا بـأحمد، ثم لحقت به شقيقته الصغيرة وعد، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر.أما شريف، فلم يكن يخفي رغبته في أن يمتلئ البيت بالأطفال، تنفيذًا لوصية الحاجة راوية، التي كانت دائمًا تردد وهي تضحك:"البيت اللي مفيهوش دوشة عيال... مفيهوش بركة."وأما ملك...فكانت تجلس إلى جوار فهد، تستند إليه في راحة، بينما كانت يداه لا تفارقانها، وكأنهما خُلقتا لتطمئناها.كان بطنها قد استدار بصورة واضحة، فقد دخلت شهرها الأخير، ولم يعد يفصلها عن ولادتها سوى أيام قليلة.
قطع تلك اللحظة صوت تنحنحة متعمدة خلفه.تجمد في مكانه، ثم ابتعد عنها ببطء، وأطلق سراح شفتيها، قبل أن يلتفت للخلف.ليجد عمر يقف واضعًا يديه في جيبيه، ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة، بينما كانت جني تقف خلفه، تكتم ضحكتها بكف يدها، وقد احمر وجهها من شدة الحرج.اتسعت عينا فهد، وقال وهو يحاول استعادة هيبته:عمر!... جني!... إنتوا... إنتوا هنا من إمتى؟حك عمر مؤخرة رأسه وهو يبتسم بمكر، ثم قال:من وقت ما اللانش عطل فجأة...ثم أشار إلى ملك وفهد وهو يكمل بضحكة خافتة:وقلنا نستنى شوية، يمكن العطل يتصلح لوحده.شهقت جنى وهي تضرب ذراع عمر بخفة، محاولة منعه من إحراجهما أكثر، بينما خفضت ملك رأسها في خجل، ودفنت وجهها في صدر فهد، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.انفجر عمر ضاحكًا، يتابع وهو يرفع يديه باستسلام:والله حاولت انبهك بس واضح إن حضرتك كنت في عالم تاني خالص!...... فلاش بااااك قالت وهي تنظر إليه باستغراب:هنروح فين؟ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال:هوديكي مكان، مفيش مخلوق هيخطر على باله إننا هناك.عقدت حاجبيها وسألته بفضول:فين ده؟أجابها وهو يشير إلى البحر: اليخت هنروح اليخت. أمسك بيدها وقادها إليه،
قال وهو يتظاهر بقلة الحيلة:أنا هنزل تحت أحاول.قالت ملك بسرعة، وقد بدا القلق واضحًا في صوتها:فهد لا، من فضلك.رمقها بنظرة ساخرة وقال:ليه يا أم ولادي؟أجابته بتوتر:عشان كده خطر، افرض جرالك حاجة، هرجع أنا إزاي؟رفع أحد حاجبيه وقال بمكر:بقى كده؟ يعني مش خايفة عليّا، خايفة على نفسك؟ثم ابتسم في سره، وهو يحدث نفسه." ورحمة أمي... لأخليكي تعترفي مهما كابرِتِ"نزل إلى الماء وغاص تحته.ظلت ملك تحدق في المكان الذي اختفى فيه، تنتظر ظهوره.مرت ثوانٍ...ثم نادته:فهد...ولم يجب.نادته مرة ثانية...ثم ثالثة...ومع المرة الرابعة خرج اسمُه منها بصرخةً مذعورة:فهــــد!في اللحظة التالية، شق رأسه سطح الماء.وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها وهي تهمس براحة:الحمد لله...ثم قالت بلهفة:إيه؟ خلصت؟هز رأسه وقال:لا لسه. هنزل أشوف تاني.هزت رأسها بعنف وقالت:لا، لا بص، إحنا نستنى زي ما قلت. أكيد لما نتأخر هيقلقوا علينا، وهيبعتوا حد يدور علينا.ابتسم وقال:طيب تمام.ثم همّ بالصعود، لكنه تظاهر بأن قدمه انزلقت.آه...وألقى بنفسه في الماء، وأخذ يحرك ذراعيه بعشوائية، وكأنه يصارع الغرق.صرخت ملك بذعر:فهد!
بعد أسبوعين...انقضى الأسبوعان سريعًا، وكانت ملك طوال تلك الفترة منشغلة بين جنى، والجد سليم، والأولاد.أما فهد، فكان يحاول بكل الطرق أن يختلي بها ولو لدقائق معدودة، لكن في كل مرة كانت الظروف تتدخل؛ فمرة يحتاجها الأولاد، ومرة تناديها جنى، ومرة يشغلها الجد.حتى بدأ يشعر أن الدنيا بأكملها تتآمر عليه، فلا يجد فرصة ليجلس معها بمفردهما.وفي أحد الأيام...كان فهد يتحدث مع شريف عبر الهاتف.قال بضيقٍ مصطنع:- إيه يا ابني؟ مش ناوي ترجع؟ضحك شريف وقال:- لا يا عم... أنا بنفذ تعليمات الحاجة راوية. رفع فهد حاجبه باستغراب:- واللي هي إيه؟رد شريف ضاحكًا:- عاوزة أحمد.قطب فهد حاجبيه وقال:- أحمد مين يالّا؟انفجر شريف في الضحك، وقال:- ههههههه... أحمد ابني.هز فهد رأسه بيأس، وقال:- طيب يا خويا، اخلص بقى، علشان الشغل كله على دماغي. وجدي كمان عاوزنا نسافر أسبوع الساحل.ثم أردف:- هتيجي معانا ولا إيه؟رد شريف بسرعة:- لا يا سيدي، الحاجة راوية حالفة عليّا، وأنا مش هوقع يمينها.ضحك فهد رغمًا عنه، ثم أنهى المكالمة.بعدها اتجه إلى سليم، الذي سأله فور أن رآه:- هيرجع إمتى؟تنهد فهد وقال:- مش عارف بس باي
أما مي...فكانت تجلس بينهم شاردة وحزينة، وقد بدت ملامحها شاحبة، وكأنها تحمل فوق قلبها جبلًا من الهموم.لاحظ سليم حالتها، فقال بحنان:في حاجة يا حبيبتي مضيقاكي؟رفعت إليه عينيها وقالت بتردد:ممكن أتكلم مع حضرتك؟ابتسم لها وقال:اتفضلي يا بنتي.قصت عليه مي كل ما حدث بينها وبين شريف، ولم تُخفِ عنه شيئًا، واعترفت بكل أخطائها.ظل سليم صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء:أقولك رأيي؟هزت رأسها بالموافقة.فقال بجدية:إنتِ غلطي... وغلطك كبير كمان.خفضت مي رأسها في خجل.أكمل سليم:إنتِ جرحتِه جامد في كرامته ورجولته. إنك مش عاوزة تخلفي منه، وكمان من غير علمه... دي حاجة صعبة على أي راجل.ثم تنهد وأضاف:وشريف، على قد ما هو بيضحك ويهزر، لكنه راجل صعيدي، والكرامة عنده كبيرة أوي.انفجرت مي في البكاء وقالت:طيب أعمل إيه؟ هو مش مديني فرصة حتى أعتذر له.ربت سليم على يدها بحنان، وقال:بصي يا بنتي... الحل عند الحاجة راوية.رفعت مي رأسها باستغراب:يعني أكلمها؟ابتسم وقال:لا... تروحي لها الصعيد. هي اللي هتصالحكم.ثم أضاف بثقة:راوية ست شديدة، لكن طيبة وعاقلة، وشريف عمره ما يكسر لها كلمة أبدًا.مسحت مي دموعها وقال
وصلوا إلى الفيلا، وما إن دخلوا حتى وجدوا نيروز تقف في انتظارهم، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحها.اقتربت منهم مسرعة وقالت بلهفة:إيه أخباره؟ عامل إيه دلوقتي؟أجابتها ملك بصوتٍ يغلب عليه الإرهاق:- الحمد لله وإن شاء الله هيبقى بخير.ثم التفتت إلى سليم وقالت برفق:- اتفضل يا جدو، لما أوصلك أوضتك.أمسكت بيده بحنان، وساعدته حتى أوصلته إلى غرفته.جلس سليم على حافة الفراش، مستندًا برأسه إلى عكازه، بينما كانت عيناه تفيضان بالدموع، وكأن ما يحمله قلبه من خوف يفوق قدرته على الاحتمال.اقتربت منه ملك، وجثت أمامه، ثم قالت بحنان:- جدو حبيبي، وحِّد الله، إن شاء الله عمر هيبقى بخير.تنهد سليم بعمق، وقال بصوتٍ متحشرج:- إن شاء الله يا بنتي.ابتسمت له ابتسامة مطمئنة، ثم قالت برفق:- من فضلك يا جدو، بلاش تشيل هم أكتر من كده علشان ما تتعبش. ارتاح شوية، وبكرة من بدري نبقى معاه.هز رأسه موافقًا وقال:- إن شاء الله.ابتسمت له، ثم أخذت عكازه من يده، وساعدته على الاستلقاء باعتدال فوق الفراش، قبل أن تدثره جيدًا بالغطاء.أطفأت الأنوار بهدوء، ثم ألقت عليه نظرة مطمئنة أخيرة، وغادرت الغرفة، لتغلق الباب خلفها برف







