Se connecterالفصل الثامن
العاصفة التي بدأت بصمت لم يكن البكاء ضعفًا دائمًا... أحيانًا يكون آخر ما يملكه الإنسان قبل أن يتحول إلى شخصٍ آخر تمامًا. جلست ملك خلف مكتبها، تحاول أن تُخفي دموعها عن أعين الموظفين. كانت أصابعها ترتجف وهي تعيد ترتيب الأوراق للمرة العاشرة دون أن ترى حرفًا واحدًا منها. ما زالت أصداء صوته تدوي داخل رأسها... "المرة الجاية فيها رفد... مع دفع الشرط الجزائي." مليون جنيه... وكأن الكلمة أصبحت قيدًا جديدًا التف حول عنقها. مسحت دموعها بسرعة عندما اقتربت منها منيرة، التي وضعت كوبًا من الماء أمامها وقالت بصوت خافت: — اشربي... رفعت ملك رأسها، وعيناها لا تزالان حمراوين. ابتسمت منيرة بحنانٍ أمومي وقالت: — ماتزعليش... كلنا مرينا باللي بتمري بيه. همست ملك بصعوبة: — أنا والله ما عملت حاجة غلط... تنهدت منيرة وهي تجلس بجوارها. — عارفة... بس مستر فهد بيعتبر الشغل حاجة مقدسة. أي دقيقة بتضيع... بالنسبة له خسارة. سكتت لحظة ثم أضافت بابتسامة صغيرة: — تصدقي؟ أنا أول أسبوع اشتغلته معاه... خرجت كل يوم بعيط. نظرت إليها ملك بدهشة. — بجد؟ ضحكت منيرة. — وأكثر منك كمان. ابتسمت ملك لأول مرة منذ دقائق، ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت على شفتيها. ربتت منيرة على يدها. — وهتتعودي... أهم حاجة متخافيش منه. ابتلعت ملك ريقها. — أنا مش بخاف... ثم همست في داخلها: "أنا مرعوبة..." في الداخل... كان فهد يقف أمام الواجهة الزجاجية لمكتبه، ينظر إلى المدينة الممتدة أسفل قدميه. دخل شريف دون أن يطرق الباب، ثم أغلقه خلفه وهو يراقب صديقه للحظات. قال أخيرًا: — أنت قاسي زيادة عن اللزوم. لم يلتفت فهد. — في الشغل... مفيش قسوة. اقترب شريف أكثر. — دي بنت أول يوم شغل ليها. ساد الصمت. ثم أجابه فهد بهدوءٍ بارد: — أول يوم هو اللي بيحدد باقي الأيام. ابتسم شريف بسخرية. — أنت مقتنع إنك رعبتها عشان مصلحتها؟ التفت إليه فهد أخيرًا. كانت ملامحه جامدة كالعادة. — أنا مش مطلوب مني أحببهم في الشغل. — ومطلوب منك تكسرهم؟ ظل ينظر إليه عدة ثوانٍ قبل أن يقول: — اللي يشتغل معايا... لازم يبقى قوي. هز شريف رأسه بيأس. — المشكلة إنك فاكر القوة معناها الخوف. لم يرد فهد. واكتفى بالعودة للنظر عبر الزجاج. أما شريف... فكان يعرف أن صديقه لن يعترف أبدًا بأن ضميره بدأ يؤنبه. في الجهة الأخرى... خرج علي من الشركة وهو لا يكاد يصدق ما حدث. أربع سنوات كاملة... انتهت في أقل من دقيقة. وقف أمام المبنى، ينظر إليه طويلًا، ثم أخرج هاتفه واتصل بزوجته. ما إن سمع صوتها حتى قال بصوت مكسور: — أنا... اتفصلت. ساد الصمت للحظات. ثم جاءه صوتها هادئًا رغم الصدمة: — الحمد لله. تجمد مكانه. — الحمد لله؟ قالتها بثبات: — الرزق بإيد ربنا... مش بإيد حد. أغمض عينيه بقوة. واكتشف للمرة الأولى أن أكثر ما كان يحتاجه... هو هذه الجملة. في الوقت نفسه... كانت روجيدة تجلس داخل أحد أفخم محلات الأزياء، تقلب بين الفساتين بعينين لا تبحثان عن الجمال... بل عن لفت الأنظار. أخرجت أحد الفساتين السوداء اللامعة. قصير... وضيق... ومفتوح بدرجة كبيرة. ابتسمت بإعجاب. — هو ده. اقتربت منها والدتها وهي تتأمله. — هيجننه. ابتسمت روجيدة بثقة. — وده المطلوب. لكنها لم تكن تعرف... أن فهد لن يسمح لها بارتدائه مهما حدث. أما في الجهة الأخرى من المدينة... كانت جنى تدور أمام المرآة بفستانها الجديد. فستان بلون الأزرق الهادئ... طويل... محتشم... يزيدها رقةً وبراءة. دخلت هايدي وصفقت بحماس. — يا بنتي... إنتِ قمر. ضحكت آلاء. — عمر هيقع من طوله أول ما يشوفك. احمر وجه جنى فورًا. — بس بقى... قهقهتا بصوت مرتفع، بينما أسرعت جنى تخفي وجهها بكفيها من شدة الخجل. وفي إدارة مكافحة المخدرات... كان عمر يراجع آخر التقارير الخاصة بقضية حمزة. دخل مصطفى يحمل ملفًا جديدًا. — في خبر مش عاجبني. رفع عمر رأسه. — خير؟ فتح مصطفى الملف وقال: — حمزة طلب محاميه... والمحامي طالب بالإفراج المؤقت. عقد عمر حاجبيه. — مستحيل. تنهد مصطفى. — القانون بيديهم الحق يقدموا الطلب. أغلق عمر الملف بقوة. — مش هيخرج. قالها بثقة. لكن داخله... كان يشعر أن حمزة لن يستسلم بسهولة. وفي زنزانته... كان حمزة يجلس فوق السرير الحديدي، وعيناه تشتعلان بالحقد. دخل أحد الحراس ووضع له الطعام. اقترب حمزة من الباب الحديدي وقال بابتسامة مخيفة: — قول للرائد عمر... إن العد التنازلي بدأ. رمقه الحارس باستغراب. أما حمزة... فانفجر ضاحكًا. ضحكة جعلت صدى الزنزانة يبدو أكثر رعبًا. وفي شركة المهدي... انتهى الدوام أخيرًا. بدأ الموظفون يغادرون الواحد تلو الآخر. أما ملك... فظلت ترتب مكتبها بعناية شديدة. كانت تراجع كل شيء للمرة الأخيرة حتى لا تقع في أي خطأ جديد. وقبل أن تغادر... سمعت صوتًا عميقًا خلفها. — خلصتي؟ انتفضت واستدارت بسرعة. فهد. وقف أمامها بهيبته المعتادة. أومأت بسرعة. — أيوة يا فندم. تقدم حتى أصبح أمام المكتب مباشرة. ثم قال دون أن ينظر إليها: — بكرة لازم تكوني موجودة قبل معادك بنص ساعة. — حاضر. — وملفات السفر تكون جاهزة. رفعت رأسها بارتباك. — حاضر. ظل صامتًا للحظة... ثم قال بنفس البرود: — تقدري تمشي. كادت تستدير... لكنها توقفت فجأة. استجمعت شجاعتها وهمست: — يا فندم... رفع عينيه إليها. ابتلعت ريقها بصعوبة. — أنا... آسفة على اللي حصل النهارده. حدق فيها لثوانٍ طويلة. ثم قال جملة واحدة فقط: — خلي اعتذارك في شغلك. استدار بعدها وغادر المكتب... دون أن ينتظر ردها. وقفت ملك مكانها، تراقب الباب المغلق. ورغم قسوته... شعرت أن كلماته الأخيرة لم تكن رفضًا لاعتذارها... بل فرصة أخيرة. أما فهد... فما إن دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه، حتى وقعت عيناه دون قصد على الملف الموضوع فوق مكتبه. ملف الموظفة الجديدة... ملك. مد يده نحوه بتردد لم يفهم سببه. وقبل أن يفتحه... رن هاتفه فجأة. نظر إلى اسم المتصل... فتغيرت ملامحه في لحظة. "الجد سليم المهدي." رفع السماعة بسرعة. لكن الكلمات التي سمعها في الطرف الآخر... جعلت الدم يتجمد في عروقه. — فهد... ارجع الفيلا حالًا... حصلت مصيبة. يتبع...في فيلا المهدي…وصل عمر أخيرًا بعد سفر طويل، واتجه مباشرة إلى مكتب جده.دلف إلى الداخل بهدوء، ثم ألقى التحية باحترام، فبادله الجد بابتسامة دافئة.سليم بحب: - حمد الله على السلامة يا بطل.اقترب عمر منه وقبّل يده باحترام: - الله يسلمك يا جدي.سأله بهدوء: فهد لسه مسافر؟أجاب سليم: - أيوه يا حبيبي، هيرجع بكرة بإذن الله.هز عمر رأسه قائلًا: - بإذن الله.ثم تنهد بخفوت وقال: - عن إذنك، هطلع أوضتي.لكن صوت الجد أوقفه: - عمر، إنتَ لسه زعلان مع جنى؟تبدلت ملامحه فورًا، وقال ببرود حاول إخفاء ما بداخله: -: لا خلاص يا جدي، اللي هي عاوزاه تعمله.موضوعنا مش هينفع يكمل.انتفض سليم من مكانه بعصبية: - إيه اللي إنتَ بتقوله ده؟! إزاي تقول حاجة زي دي؟!قال عمر بضيق: - يا جدي، من فضلك، هي اللي أنهت الموضوع.ضرب سليم بعصاه الأرض بغضب: - أنهت إيه؟! هو لعب عيال؟!ثم تابع بحزم أرعبه: - بص يا عمر، إنتوا هتتجوزوا، ولو مش برضاكم هيبقى غصب عنكم! دي وصية عمك الله يرحمه.تنهد عمر بعجز: - يا جدي!! قاطعه سليم بصرامة: مفيش يا جدي! اللي قولت عليه يتسمع، ولما يرجع فهد هنتكلم في كل حاجة.مرر عمر يده بعصبية
بـ ألمانياانتهوا من الاتفاقية ووقعوا جميع العقود، فاستأذن المهندس والمستشار القانوني بالرجوع إلى الأسكندريو .أما هو ففضّل أن يظل يومين آخرين في ألمانيا.ملك بتردد: - إحنا يا فندم هنرجع إمتى؟"نظر لها فهد بطرف عينه وقال: - مستعجلة؟هزت رأسها سريعًا: - مش كده أنا بس كنت حابة أعرف."تنهد بضيق، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق: - بصي يا ملك أنا حالتي النفسية مش تمام، ومحتاج أفصل شوية.صمتت وهي تراقب ملامحه المتعبة، لأول مرة تراه بهذا الانكسار، كأن شيئًا ثقيلًا ينهش روحه من الداخل.تحرك ناحية الشباك الزجاجي الضخم الموجود بجناحه بالفندق، ووقف ينظر للأضواء البعيدة بشرود.أما هي فظلت مكانها للحظات قبل أن تقول بهدوء:- تحب أطلب لحضرتك قهوة؟ابتسم بسخرية باهتة: - القهوة مش هتعالج اللي جوايا.ارتبكت من طريقته، لكنها اقتربت خطوة وقالت برقة حذرة: - أوقات الكلام بيهون.التفت لها ببطء، وعيناه كان بهما تعب مخيف: - ولو الكلام هو سبب الوجع أصلًا؟شعرت بقلبها ينقبض لأول مرة تشعر أن خلف قسوته رجلًا محطمًا فعلًا.اخفضت عينيها وهمست: - أكيد ربنا بيبعت للإنسان راحة بعد كل التعب.ظل ينظر لها لثوانٍ طويلة
بـ غرفة ملك... بدّلت ملابسها ونزلت كما طلب منها، لكن عينيها اتسعتا حين رأت ذلك الشخص. تقدمت نحوه بسرعة، أمسكت بتلابيبه و هي تصرخ: - آه يا حرامي! يا نصّاب! فين فلوسي؟ ارتبك مجدي وهو يحاول الإفلات منها: - امشي يا بنت، قبل ما أطلب الأمن! صرخت ملك بعناد: - هتطلب لمين يا حرامي؟ فلوس أبويا فين؟ وصل فهد ومن معه بعد أن سمعوا صراخ ملك. - في إيه يا ملك؟ أشارت إليه بعينين دامعتين: - الحرامي النصّاب ده خد مني فلوس أبويا، اتنين مليون، وهرب! حاول مجدي الدفاع عن نفسه: - أنا مش حرامي يا حضرة، دي بنت مش مظبوطة وكذّابة! صرخت ملك بغضب: - اخرس يا نصّاب! تدخل فهد محاولًا تهدئتها: - ملك!! قالت برجاء: - مستر فهد، والله ما بكذب، ده إنسان نصّاب! سألها بهدوء: - معاكي ورق يثبت كلامك يا آنسة؟ خفضت رأسها بأسف: - للأسف لا.فقال بصرامة: - يبقى نفضها سيرة. كفاية كده، ولما أرجع مصر هيكون ليا كلام تاني معاكي. ثم أشار لها: - اتفضلي قدامي. ذهب ملك معه وهي تبكي بصمت. جلسوا جميعًا على طاولة الطعام، وبعد أن تناولوا بعض الأطباق، التفت فهد إلى المهندس والمستشار القانوني ق
في فيلا سليم المهديخلاص بقي يا حبيبتي، بطلي بكا. جنى من بين بكاءها:- مش بيرود عليا يا جدو من ساعة لما مشي، و أنا قلقانه عليه اوووي. ربت عليها بحنان وقال: - خلاص استني أنا هكلمه. قالها وهو يضغط علي الارقام ليتصل به فجاءه صوته هو الاخر مهموم: الو ايوة يا جديالجد: -أنا بطمن عليك يا حبيبي، خد جني معاك عوزة تكلمك. ارتبك عمر واجاب كاذبًا: مش هينفع اكلمها، عندنا اجتماع في مكتب العقيد. شعر الجد بكذبه ولكنه لم يرد أن يحرجه فقال: ماشي يا حبيبي لما تخلص كلمها. سلام جني ببكاء: - شوفت شوفت يا جدو مش عاوز يكلمني، كل دا عشان قولتلك اننا نأجل الجواز. - وتاجلوه ليه؟ قالها فهد الذي وصل لتوه، فمسحت جنى الدموع من على وجهها وتمتمت: - ابيه حمدلله عل السلامة.احتضنها فهد وطبع قبله حانيه على جبينها: - الله يسلمك يا حبيبتي بتعيطي ليبه! ترددت واجابت: - لا مفيش. فهد: كل البكا دا ومافيش. تدخل الجد وقال: - مفيش يا سيدي، شادين هي وعمر مع بعضفهد: - مفيش تأجيل للجواز الفرح في معاده، أنا مسافر بكرة بإذن الله وهقعد من ٥ أيام لأسبوع بالكتير، ولما ارجع هنقعد ونحدد. ماشي يا جنى!!قالها ثم
في مكتب الجد داخل الفيلا، كان الجو مشحونًا بالتوتر. كان عمر يواجه جده بعينين يملؤهما الغضب: - يعني إيه الكلام دا يا جدي؟ هي قالت كدا؟ سليم: - أيوة يا ابني، وهي عندها حق. - عمر منفعلًا: يا جدي بالله عليك ما تقولش عندها حق! أنا مش فاهم هي بتفكر إزاي. حاول الجد تهدئته: - يا حبيبي، هي بتقول عشان فهد، مش هتأجل الموضوع على طول، مجرد شهرين بس. لكن عمر مسح وجهه بعصبية، وصوت داخلي يصرخ في رأسه: أنه يريدها أكثر ما هي تريده. دخلت جنى بخطوات مترددة، قلبها يخفق خوفًا: - أيوة يا جدو، حضرتك طلبتني؟ سليم:- أيوة يا حبيبتي، عمر عاوز يكلمك. أنا قولتله على اللي قلتيه. هسيبكم تتكلموا مع بعض. ارتبكت جنى وهمست: - يا نهار أسود، دا هيموتني. خرج الجد، فاقترب عمر منها وهو يجز على أسنانه: - أقدر أفهم الهبل اللي قولتيه لجدي دا إيه؟ - تراجعت جنى للخلف وتمتمت برعب:- عمر، حبيبي استهدي بالله. - صاح عمر صارخًا: - ما تقوليش حبيبي! ارتطمت بالحائط، فارتجفت وهي تقول: - اسمعني بس، أنت بتوترني. قالتها وبدأت الدموع تجري على وجنتيها فصاح في وجهها: - ما تبكيش و انطقي! انفجرت ج
تكلم فهد بنبرة هادئة، تحمل من الحنان ما يناقض قسوته:- روجيدة، إنتِ ست جميلة، وعمري ما زعلتِيني في يوم.بس أنا مش هقدر أسعدك، ومش هقدر أحقق لكِ الأمنية اللي أي ست بتتمناها. صمت للحظة، ثم تابع بصوتٍ أثقل:- أنا ما بخلفش، ومش هخلف أبدًا.وأنتِ ست، و أي ست نفسها تكون ام.قاطعته روجيدة بسرعة، ودموعها تتجمع في عينيها:- إنت ابني أن، أنا مش عايزة أطفال!نظر لها فهد بحدة ممزوجة بالألم:- لحد إمتى؟ سنة؟ اتنين؟ وبعدها هتلوميني!هزّت رأسها منهارة بالبكاء:— لا والله أبداً، عمري ما هلومك!تكلم فهد بصوت متعب:- روجيدة، من فضلك ما تصعّبيهاش عليّا.اقتربت منه وهي تمسك بذراعه برجاء:- فهد، عشان خاطري ما تطلقنيش. أنا راضية. أنا يكفيني أكون مراتك، و مش عايزة أكتر من كدا.انحنى وقبّل جبينها بهدوء، ثم نظر داخل عينيها طويلًا، وقال:- روجيدة، أنتِ طالق.ثم تركها وخرج دون أن يلتفت.وقفت مكانها، كأن الزمن توقف بها، ولم يتحرك سوى دموعها التي كانت تنهمر بلا توقف.دخل فهد الحمام، بدّل ملابسه، وبعد دقائق خرج إليها وقد ارتدى ثيابًا أخرى، وقال بهدوء:- أنا هستناكي تحت، خدي وقتك.ثم غادر.انهارت روجيدة على الأرض







