Masukالفصل السابع
رنّ هاتف لينا بعد أن أشرقت شمس الصباح بقليل.
كانت قد استيقظت قبل الجميع تقريبًا، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير تنظر عبر النافذة الواسعة إلى حدائق قصر ويلينغتون الممتدة، وما زالت تشعر أن ما تعيشه ليس أكثر من حلم غريب.
تنهدت، ثم ضغطت على اسم عمتها.
لم تنتظر سوى ثوانٍ حتى جاءها الصوت الذي اشتاقت إليه.
"لينا! أخيرًا... أين أنتِ؟"
ابتسمت رغم تعبها.
"صباح الخير يا عمتي."
"أي صباح خير؟! اتصلت بكِ البارحة أكثر من عشر مرات، وأرسلت لك عشرات الرسائل. كنت على وشك إبلاغ الشرطة."
أغمضت لينا عينيها بندم.
"آسفة... أمس كان يومًا طويلًا جدًا."
ساد صمت قصير.
ثم جاء صوت عمتها أكثر هدوءًا، لكنه مليء بالقلق.
"هل أنتِ بخير يا ابنتي؟"
ابتسمت بحنان.
"أنا بخير، أطمئني."
"هل أنتِ متأكدة؟"
"متأكدة."
لكن العمة لم تقتنع.
"صوتك متعب... هل مرضتِ؟ هل حدث شيء؟"
حاولت لينا أن تجعل صوتها طبيعيًا.
"لا شيء يستحق القلق، فقط مررت بيوم مرهق."
"أين أنتِ الآن؟"
ترددت للحظة.
"في مكان آمن."
"أي مكان؟"
ابتسمت وهي تعرف أن عمتها لن تتوقف عن السؤال.
"سأخبرك بكل شيء لاحقًا، أعدك."
"لينا..."
خرجت الكلمة من فمها كرجاء أم تخشى على ابنتها.
"أنتِ تعرفين أنني لا أحب أن تخفي عني شيئًا."
لان صوت لينا.
"وأنا أعرف... لكن هذه المرة فقط، ثقي بي."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سألت عمتها بهدوء:
"هل أكلتِ شيئًا؟"
ضحكت لينا بخفة.
"أول سؤال طبيعي منذ بداية المكالمة."
"أجيبي."
"نعم."
"كاذبة."
ضحكت أكثر.
"حسنًا... ليس بعد."
تنهدت عمتها باستسلام.
"كما توقعت."
ثم أردفت بحنان:
"اعتني بنفسك يا ابنتي... فأنتِ كل ما أملك."
شعرت لينا بغصة صغيرة في حلقها.
"وأنتِ أيضًا."
ترددت قبل أن تقول:
"في الحقيقة... اتصلت لطلب شيء."
"أي شيء."
"أريد منكِ أن ترسلي سيرتي الذاتية إلى بريدي الإلكتروني."
استغربت عمتها.
"السيرة الذاتية؟"
"نعم."
"لماذا؟"
ابتسمت لينا.
"وجدت فرصة عمل."
ساد صمت طويل.
ثم جاء السؤال الذي كانت تتوقعه.
"بهذه السرعة؟"
"نعم."
"أين؟"
تنهدت لينا بخفة.
"في شركة كبيرة."
"اسمها؟"
ترددت.
"سأخبرك لاحقًا."
"ولماذا لاحقًا؟"
أغلقت عينيها للحظة.
"لأن الأمور ما زالت في بدايتها."
تنهدت العمة.
"أنتِ تشبهين والدك... لا تقولين إلا نصف الحقيقة."
ضحكت لينا.
"ربما."
"هل الوظيفة جيدة؟"
"جيدة جدًا."
"وأنتِ مرتاحة؟"
"نعم."
"ولم يجبرك أحد عليها؟"
ابتسمت لينا.
"لا يا عمتي."
"إذن سأرسل السيرة خلال دقائق."
صمتت لحظة، ثم قالت بحنان بالغ:
"لكن بشرط."
"ما هو؟"
"أن تتصلي بي مساءً."
ابتسمت لينا.
"أعدك."
"ولا تختفي مرة أخرى."
"لن أفعل."
"انتبهي لنفسك يا ابنتي."
أغلقت لينا الهاتف ببطء.
وظلت تحدق بالشاشة للحظات.
رغم أنها لم تخبر عمتها بالحقيقة...
إلا أنها شعرت ببعض الطمأنينة لمجرد سماع صوتها.
بعد نصف ساعة...
خرجت من غرفتها بعدما ارتدت ملابس العمل التي أرسلتها إليها السيدة إليزابيث.
كانت بدلة رسمية بلون العاج، بتصميم أنيق يجمع بين البساطة والرقي، مع قميص أبيض وحذاء بكعب متوسط منحها مظهرًا احترافيًا دون تكلف.
جمعت شعرها في ذيل حصان منخفض، واكتفت بساعة يد فضية وأقراط صغيرة.
بدت كمديرة تنفيذية شابة أكثر من كونها موظفة جديدة.
ما إن وصلت إلى الطابق السفلي حتى وجدت إليزابيث تحتسي قهوتها في غرفة الجلوس.
ابتسمت لها فور رؤيتها.
"صباح الخير، لينا."
"صباح الخير، سيدتي."
وقفت إليزابيث تتأملها بإعجاب.
"الملابس مناسبة لكِ أكثر مما توقعت."
ابتسمت لينا بخجل.
"شكرًا لكِ... لم يكن عليكِ أن تشتريها."
لوحت إليزابيث بيدها.
"اعتبريها هدية بسيطة."
ترددت لينا قبل أن تقول:
"في الحقيقة... لا أعرف كيف أشكرك على كل ما فعلته من أجلي."
اقتربت منها إليزابيث، وربتت على يدها برفق.
"يكفيني أنكِ بخير."
ابتسمت لينا بامتنان صادق.
"لن أنسى هذا الجميل أبدًا."
قالت إليزابيث بهدوء:
"لا أعتبره جميلًا."
ثم أضافت وهي تنظر إليها بعطف:
"هناك أشخاص يدخلون حياتنا في الوقت المناسب... وأنتِ واحدة منهم."
لم تعرف لينا بماذا تجيب.
فاكتفت بابتسامة امتنان.
في تلك اللحظة دخل كبير الخدم.
"سيدتي... السيارة جاهزة."
أومأت إليزابيث.
ثم التفتت إلى لينا.
"سيأخذك السائق إلى الشركة."
ترددت لينا.
"لا داعي لكل هذا..."
قاطعتها إليزابيث بابتسامة هادئة.
"ليس السائق وحده."
عقدت لينا حاجبيها.
"ماذا تقصدين؟"
"سيكون معك حارسان."
بدت الدهشة واضحة على وجهها.
"حارسان؟"
قالت إليزابيث بحزم لطيف:
"بعد الرسالة التي وصلتك ... لن أسمح لك بالخروج وحدك."
"لكنني لا أريد أن أسبب لكم الإزعاج."
ابتسمت إليزابيث.
"الإزعاج الحقيقي... أن يحدث لك مكروه."
ثم أضافت بنبرة لا تحتمل النقاش:
"هذا القرار ليس محل تفاوض."
تنهدت لينا باستسلام.
"حسنًا."
ابتسمت إليزابيث برضا.
"هكذا أفضل."
بعد أقل من عشرين دقيقة...
توقفت السيارة السوداء أمام المقر الرئيسي لشركة ويلينغتون القابضة.
كان المبنى الزجاجي الشاهق يعكس أشعة الشمس بفخامة تليق بإحدى أكبر الشركات الاستثمارية في بريطانيا.
ترجلت لينا من السيارة.
وقبل أن تخطو نحو المدخل، ألقت نظرة سريعة إلى المبنى.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت لنفسها بثبات:
"لنبدأ من جديد."
ما إن دخلت لينا إلى بهو شركة ويلينغتون القابضة حتى استقبلها موظفو الاستقبال باحترام واضح، بعدما أبلغهم مكتب الرئيس التنفيذي بوصولها.
قادتها السكرتيرة الخاصة بإيثان إلى الطابق الأخير، حيث يقع جناح الإدارة التنفيذية.
توقفت أمام باب قاعة الاجتماعات.
طرقت الباب بخفة.
"تفضل."
دفعت الباب ودخلت.
كانت قاعة الاجتماعات تغرق في هدوء ثقيل.
جلس حول الطاولة المستطيلة إيثان ويلينغتون، ودانيال، والمدير المالي، ومدير إدارة الصفقات، وثلاثة من كبار التنفيذيين.
رفع دانيال رأسه فور دخولها، وابتسم ابتسامة مهنية.
"صباح الخير، آنسة لينا."
ابتسمت باحترام.
"صباح الخير، سيد دانيال."
أشار إلى المقعد الفارغ.
"تفضلي."
وقبل أن يكمل ترحيبه...
قطع إيثان الصمت دون أن يرفع رأسه عن الملف الذي أمامه.
"لنبدأ."
ساد الهدوء من جديد.
دفع إيثان ملفًا سميكًا باتجاهها.
توقف الملف أمامها تمامًا.
قال بهدوء:
"ملف استحواذ."
رفعت نظرها إليه.
ليكمل هو كلامه
"أمامك خمس عشرة دقيقة."
فسالته بإهتمام
"والمطلوب؟"
رفع عينيه إليها للمرة الأولى.
"أخبريني إن كنتِ ستوافقين عليه."
اكتفت بإيماءة بسيطة.
ثم فتحت الملف، وبدأت تقرأ.
بينما عاد الجميع إلى صمتهم.
كان إيثان يراجع بعض الملاحظات أمامه، لكنه بين الحين والآخر كان يرفع بصره إليها للحظات قصيرة، يراقب طريقة قراءتها للملف.
لم تكن تقرأ بتسلسل.
تنتقل بين الصفحات.
تعود إلى البداية.
تضع ملاحظة صغيرة.
ثم تعود إلى الجداول المالية.
لاحظ ذلك...
دون أن يعلّق.
بعد مرور خمس عشرة دقيقة تمامًا...
أغلقت لينا الملف.
وضعت القلم فوقه.
ونظرت إلى إيثان.
قال دون مقدمات:
"قرارك."
"أرفض الصفقة."
تبادل بعض الحاضرين النظرات.
سأل المدير المالي مباشرة:
"السبب؟"
أجابت بهدوء:
"التقييم المالي أعلى من القيمة الحقيقية."
قال المدير المالي بثقة:
"التقييم صادر عن ثلاث شركات مستقلة."
أومأت برأسها.
"اطلعت على تقاريرها."
عقد حاجبيه.
"إذن؟"
قالت بثبات:
"الثلاث اعتمدت البيانات نفسها."
ساد الصمت.
تدخل مدير إدارة الصفقات.
"وهذا أمر طبيعي."
التفتت إليه.
"طبيعي لو كانت البيانات مكتملة."
ثم فتحت الملف مرة أخرى.
وقلبت عدة صفحات حتى توقفت عند تقرير التدفقات النقدية.
وضعت إصبعها على أحد البنود.
"هنا."
اقترب المدير المالي.
"ماذا هناك؟"
قالت:
"الإيرادات ارتفعت."
ثم أشارت إلى الصفحة التالية.
"لكن التدفقات النقدية التشغيلية انخفضت."
نظر إليها المدير المالي.
"هذا يحدث."
أومأت.
"بالتأكيد."
ثم أضافت:
"لكن ليس بهذه النسبة."
ساد الصمت.
أكملت:
"هناك فجوة كبيرة بين الأرباح المعلنة والسيولة الفعلية."
رفع أحد التنفيذيين صوته.
"قد يكون السبب توسعًا جديدًا."
ابتسمت لينا ابتسامة خفيفة.
"لو كان السبب التوسع..."
قلبت الصفحة التالية.
"...لوجدنا زيادة مماثلة في الأصول الرأسمالية."
رفعت الملف قليلًا.
"ولا توجد."
نظر التنفيذي إلى الأوراق أمامه.
ظل صامتًا.
تحدث إيثان لأول مرة منذ بداية النقاش.
"ماذا يعني ذلك؟"
أجابته فورًا.
"يعني أن الأرباح تبدو أفضل مما هي عليه."
سألها بهدوء:
"هل تتهمين الشركة بالتلاعب؟"
هزت رأسها.
"لا."
"إذن؟"
"أقول إن البيانات لا تكفي لاتخاذ قرار استحواذ."
شبك إيثان أصابعه.
"لو كنتِ مكان مدير الاستثمار."
"ما أول خطوة ستقومين بها؟"
أجابت دون تردد.
"لن أطلب تخفيض السعر."
نظر إليها المدير المالي باستغراب.
"إذن ماذا؟"
قالت:
"سأطلب حق الاطلاع الكامل على الحسابات التشغيلية الداخلية قبل توقيع أي اتفاق."
ابتسم مدير إدارة الصفقات بسخرية خفيفة.
"ولو رفضوا؟"
ابتسمت هي الأخرى.
"سأنسحب."
قال باستغراب:
"بهذه البساطة؟"
رفعت نظرها إليه.
"الشركة التي ترفض الشفافية قبل البيع..."
توقفت لحظة.
"...لن تصبح أكثر شفافية بعده."
ساد الصمت داخل القاعة.
هذه المرة...
كان الصمت مختلفًا.
لم يقاطعها أحد.
نظر إيثان إلى الملف مرة أخرى.
ثم إلى المدير المالي.
"هل راجعتم التدفقات النقدية بالتفصيل؟"
أجاب بثقة أقل من السابق.
"راجعنا المؤشرات الرئيسية."
سأل إيثان:
"هل طلبتم البيانات التشغيلية الكاملة؟"
تردد المدير المالي للحظة.
"لا... لم تكن ضمن نطاق الفحص."
تحولت أنظار إيثان إلى مدير إدارة الصفقات.
"وأنت؟"
أخفض الرجل بصره.
"اعتمدنا على التقارير المرسلة."
ساد الصمت.
أغلق إيثان الملف ببطء.
كان صوت الغلاف وهو يرتطم بالطاولة كافيًا ليشد انتباه الجميع.
رفع رأسه.
نظر أولًا إلى المدير المالي.
ثم إلى مدير إدارة الصفقات.
وقال بصوت هادئ لا يقبل النقاش:
"تم رفض الصفقة."
تجمدت الملامح.
قال المدير المالي بسرعة:
"لكن... سيدي، لقد أنهينا المفاوضات، ومجلس الإدارة وافق عليها مبدئيًا."
لم يتغير تعبير إيثان.
"أبلغوا الطرف الآخر بانسحابنا."
ساد الصمت.
تبادل المدير المالي ومدير إدارة الصفقات نظرة خاطفة.
كانت قصيرة جدًا...
لكنها لم تكن نظرة دهشة.
بدت وكأنها تخفي شيئًا لم يُقل.
التقطت لينا تلك النظرة.
وفي اللحظة نفسها...
لاحظت أن إيثان رآها أيضًا.
لكنه لم يعلّق.
وقف من مكانه.
جمع ملف الصفقة.
ثم قال بهدوء:
"انتهى الاجتماع."
بدأ الجميع بالخروج.
وقف دانيال عند الباب منتظرًا لينا.
"آنسة لينا."
التفتت إليه.
ابتسم بإعجاب صادق.
"أعترف أنني توقعت منك أداءً جيدًا..."
هز رأسه وهو يبتسم.
"...لكن ليس بهذا المستوى."
ابتسمت بخجل.
"كنت فقط أقول ما رأيته."
قال وهو يسير معها في الممر:
"وهذا بالضبط ما يميز المحترفين."
توقفا أمام مكتب صغير يقع مباشرة مقابل مكتب الرئيس التنفيذي.
قال دانيال:
"اعتبارًا من اليوم... هذا مكتبك."
نظرت إليه بدهشة.
"لكن قيل لي إن عملي يبدأ غدًا."
وقبل أن يجيبها...
فُتح باب مكتب إيثان.
خرج وهو يحمل الملف نفسه.
توقف أمامهما.
نظر إلى لينا نظرة ثابتة.
ثم قال باقتضاب:
"يبدأ عملك الآن."
ساد الصمت.
أومأت لينا باحترام.
"حاضر، سيد ويلينغتون."
غادر إيثان الممر بخطوات هادئة.
لكن تلك اللحظة...
لم تمر على الجميع بالطريقة نفسها.
ففي نهاية الممر...
كانت سيلينا تقف، وقد جاءت لمقابلة إيثان.
رأت كل شيء.
ورأت أيضًا النظرة القصيرة التي سبق بها إيثان قراره.
لم تكن نظرة إعجاب...
بل نظرة رجل وجد أخيرًا عقلًا يستحق أن يعمل معه.
ورغم قصرها...
كانت كافية لتزرع شيئًا جديدًا داخل قلب سيلينا.
شيئًا لم تعرفه من قبل...
الخوف.
كان صباح قصر ويلينغتون أكثر ازدحامًا من المعتاد.لم يكن بسبب عدد الأشخاص الموجودين فقط، بل بسبب التوتر الذي تركته أحداث الأيام الماضية.جلس إيثان في غرفة الطعام، يرتشف قهوته بصمت بينما يتصفح بعض التقارير على جهازه اللوحي.على الجانب الآخر، كان دانيال يجلس براحة واضحة، يراقب صديقه الذي بدا وكأنه لم يغادر العمل حتى وهو خارج الشركة.ابتسم دانيال وقال:"هل أخبرك بشيء؟"لم يرفع إيثان عينيه."إذا كان تعليقًا عن عملي، احتفظ به."ضحك دانيال."كنت سأقول إنني بدأت أشك أنك لا تعرف كيف تقضي صباحًا عاديًا."أغلق إيثان الجهاز ووضعه أمامه."وهل لديك تعريف للصباح العادي؟"فكر دانيال للحظة."قهوة... أخبار... وربما حديث مع البشر."نظر إليه إيثان ببرود."أنا أتحدث معك الآن."ابتسم دانيال."وهذا يثبت أن الأمور ليست طبيعية."من الطرف الآخر للطاولة، ضحكت إليزابيث بهدوء."لا أعرف كيف تتحمل صداقتكما كل هذه السنوات."أجاب دانيال فورًا:"لأنني أملك صبرًا لا يملكه أحد."رد إيثان:"أنت تملك قدرة على الكلام لا يملكها أحد."ضحك الجد وهو يطوي الجريدة."على الأقل وجود دانيال يجعل هذا البيت أقل صمتًا."وقبل أن يرد أح
الفصل العاشرلم يكن ضوء الفجر قد اكتمل بعد عندما فتح إيثان عينيه.بقي مستلقيًا للحظات، يحدق في السقف بصمت.أدار رأسه نحو الساعة.الخامسة والنصف صباحًا.تنهد بهدوء.كانت ليلة قصيرة.أقصر مما ينبغي.والسبب... لم يكن العمل.أغمض عينيه مجددًا.فظهرت أمامه صورة لينا.ثم صوتها الواثق:"إذا كان هناك خطأ فسأقوله... وإذا كان هناك نجاح فسأعترف به."فتح عينيه فورًا.وعقد حاجبيه بضيق.ما الذي يحدث له؟منذ متى يشغل تفكيره موظف جديد؟بل منذ متى يتذكر كل كلمة يقولها شخص آخر؟جلس على حافة السرير.ثم نهض.ارتدى قميصًا أسود بسيطًا وبنطالًا رياضيًا داكنًا.ومرر يده بين خصلات شعره.ثم غادر الغرفة.كان القصر غارقًا في هدوء الفجر.لكن رائحة القهوة سبقته إلى المطبخ.توقف لثانية.ثم دخل.كانت لينا هناك.تقف أمام آلة القهوة.ترتدي منامة بسيطة من قطعتين بلون أزرق فاتح؛ بنطالًا مريحًا وقميصًا فضفاضًا بأكمام قصيرة.شعرها القصير كان مبعثرًا قليلًا، وكأنها نهضت منذ دقائق فقط.استدارت عندما سمعت خطواته.واتسعت عيناها قليلًا."صباح الخير، سيد ويلينغتون."أومأ مرة واحدة."صباح الخير."ابتسمت بخفة وهي تحمل فنجانها."يب
وقفت لينا أمام خزانة ملابسها المفتوحة، تنظر إلى الملابس المعلقة أمامها بحيرة.كان أمامها عشاء عمل مهم، وليس مجرد مناسبة عادية.سحبت أحد الفساتين ثم أعادته إلى مكانه."هذا رسمي أكثر من اللازم..."نظرت إلى آخر."وهذا لا يناسب المكان."تنهدت وهي تغلق باب الخزانة قليلًا.منذ وصولها إلى قصر ويلينغتون، أصبحت تشعر أن كل خطوة محسوبة.حتى اختيار الملابس أصبح قرارًا يحتاج إلى التفكير.نظرت إلى انعكاسها في المرآة.شعرها القصير المرتب، وملامحها الهادئة التي لم تتغير رغم كل الظروف التي مرت بها.ابتسمت بخفة."أنا ذاهبة لعشاء عمل... وليس لحضور حفل."في تلك اللحظة...صدر طرق خفيف على الباب.التفتت."تفضلوا."فُتح الباب.دخلت السيدة إليزابيث بخطوات هادئة، وخلفها خادمة تحمل عدة علب أنيقة.وضعتها فوق السرير ثم انحنت باحترام وغادرت.نظرت لينا إلى العلب باستغراب.ثم رفعت عينيها إلى إليزابيث."سيدة إليزابيث... ما هذا؟"ابتسمت المرأة بهدوء."مساعدة بسيطة."اقتربت لينا من السرير."أنا فقط كنت أبحث عن شيء مناسب لعشاء عمل.""ولهذا أحضرت لكِ بعض الخيارات."قالتها إليزابيث بثقة.ابتسمت لينا قليلًا."لا أريد أن أ
غمرت أضواء الحديقة الخلفية لقصر ويلينغتون الممرات الحجرية بلون ذهبي دافئ، بينما انعكس ضوء القمر على مياه النافورة الرخامية في المنتصف.خرجت لينا إلى الحديقة وهي تحمل هاتفها.كانت تحتاج إلى بعض الهواء... وإلى صوت مألوف يعيد إليها شيئًا من حياتها الطبيعية.ضغطت على اسم تعرفه عن ظهر قلب.**إيما.**لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءها صوت صديقتها المفعم بالحياة."لينا! هل قررتِ أخيرًا أن تتذكري أن لكِ صديقة؟"ضحكت لينا بخفة."مساء الخير يا إيما.""لا يوجد مساء خير. اختفيتِ يومين كاملين."ابتسمت وهي تنظر إلى المياه المتراقصة في النافورة."كنت مشغولة.""هذه الجملة يقولها الجميع عندما لا يريدون الاعتراف بأنهم أهملوا أصدقاءهم."ضحكت لينا مرة أخرى."حسنًا... ربما."جاء صوت إيما أكثر هدوءًا."هل أنتِ بخير؟"ساد صمت قصير.ثم قالت لينا:"أنا بخير."تنهدت إيما."لا أعرف لماذا أشعر أنك لستِ كذلك."ابتسمت لينا ابتسامة صغيرة."أنا بخير فعلًا."صمتت إيما لحظة.ثم قالت فجأة:"لدي خبر."ارتفع حاجبا لينا."خير؟"وجاءها صوت صديقتها مفعمًا بالسعادة:"ديفيد تقدم لخطبتي."تجمدت لينا لثانية.ثم اتسعت عيناها."ماذا؟!"ض
الفصل السابعرنّ هاتف لينا بعد أن أشرقت شمس الصباح بقليل.كانت قد استيقظت قبل الجميع تقريبًا، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير تنظر عبر النافذة الواسعة إلى حدائق قصر ويلينغتون الممتدة، وما زالت تشعر أن ما تعيشه ليس أكثر من حلم غريب.تنهدت، ثم ضغطت على اسم عمتها.لم تنتظر سوى ثوانٍ حتى جاءها الصوت الذي اشتاقت إليه."لينا! أخيرًا... أين أنتِ؟"ابتسمت رغم تعبها."صباح الخير يا عمتي.""أي صباح خير؟! اتصلت بكِ البارحة أكثر من عشر مرات، وأرسلت لك عشرات الرسائل. كنت على وشك إبلاغ الشرطة."أغمضت لينا عينيها بندم."آسفة... أمس كان يومًا طويلًا جدًا."ساد صمت قصير.ثم جاء صوت عمتها أكثر هدوءًا، لكنه مليء بالقلق."هل أنتِ بخير يا ابنتي؟"ابتسمت بحنان."أنا بخير، أطمئني.""هل أنتِ متأكدة؟""متأكدة."لكن العمة لم تقتنع."صوتك متعب... هل مرضتِ؟ هل حدث شيء؟"حاولت لينا أن تجعل صوتها طبيعيًا."لا شيء يستحق القلق، فقط مررت بيوم مرهق.""أين أنتِ الآن؟"ترددت للحظة."في مكان آمن.""أي مكان؟"ابتسمت وهي تعرف أن عمتها لن تتوقف عن السؤال."سأخبرك بكل شيء لاحقًا، أعدك.""لينا..."خرجت الكلمة من فمها كرجاء أ
استيقظت لينا على خيوط الشمس المتسللة من خلف الستائر الحريرية، لكنها لم تشعر براحة الصباح التي اعتادت عليها يومًا.كان كل شيء في هذه الغرفة هادئًا بصورة غريبة.هادئًا أكثر مما ينبغي.أغمضت عينيها لثوانٍ، لكن الهدوء لم يدم طويلًا.عاد إليها صوت الرصاص.صوت أوليفيا وهي تصرخ.صورة إيثان وهو يحملها بين ذراعيه، وثيابه ملطخة بالدماء.ثم تلك الرسالة..."الآن أصبحتِ جزءًا من اللعبة."فتحت عينيها سريعًا، وأطلقت زفرة طويلة محاولة طرد الأفكار التي اجتاحت رأسها.تناولت هاتفها من فوق الطاولة المجاورة.ترددت للحظة، ثم كتبت رسالة قصيرة إلى عمتها."أنا بخير، لا تقلقي عليّ. اضطررت للبقاء مع عائلة ساعدتني بالأمس، وسأعود عندما تنتهي بعض الأمور. سأشرح لك كل شيء لاحقًا."ظلت تحدق في الشاشة لثوانٍ.لم تستطع الاتصال.كانت تعرف أن عمتها ستميز اضطرابها من أول كلمة.وأول سؤال ستطرحه سيكون كافيًا ليجعلها تنهار.أرسلت الرسالة وأغلقت الهاتف.في تلك اللحظة، دوى طرق خفيف على الباب."ادخلي."دخلت خادمة شابة تحمل صندوقًا أنيقًا.ابتسمت باحترام."صباح الخير، آنسة لينا.""صباح النور."وضعت الصندوق على الأريكة."السيدة إ







