LOGINبائعة الجسد
الفصل السابع: بقلم: DAMDOMA تجمدت أريام خلف الجدار الحجري، ويدها ترتجف وهي تضغط على الصندوق الخشبي الصغير بقوة حتى كادت أصابعها تؤلمها. في الخارج، كان صوت قطرات الماء المتساقطة من سقف النفق يمتزج مع وقع خطوات ثقيلة تقترب ببطء. أغمضت عينيها للحظة، لكنها لم تستطع إيقاف ارتجاف جسدها. سمعت صوت فؤاد يخرج من خلف الجدار، ثابتًا رغم الخطر. "تأخرت كثيرًا يا رامي." ساد صمت قصير، أعقبه ضحكة ساخرة. "وأنت ما زلت كما أنت... تعتقد أنك تستطيع إنقاذ الجميع." عرفت أريام لأول مرة اسم الرجل. رامي. حاولت أن ترى ما يحدث من خلال فتحة صغيرة بين الحجارة. رأت رجلًا طويل القامة يرتدي معطفًا أسود، وعلى وجهه ابتسامة باردة. لم يكن يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكنه بدا واثقًا بطريقة مخيفة. قال رامي وهو ينظر إلى فؤاد: "أعطني الملف... والفتاة... وسأدعك تغادر." ابتسم فؤاد بسخرية. "لو كنت أنوي تسليمها، لما خاطرت بحياتي لإخراجها من الفيلا." تغيرت ملامح رامي. "إذن اخترت طريقك." في تلك اللحظة، انطلقت مجموعة من الرجال من خلفه. لم تستطع أريام رؤية كل ما حدث، لكنها سمعت أصوات اشتباك، وصراخًا، وارتطام أجساد بالجدران الحجرية. وضعت يدها على فمها حتى لا تصرخ. كانت تعلم أن خروجها الآن سيعرضها للخطر. لكنها لم تستطع الوقوف مكتوفة اليدين. همس صوت داخلها: "اهربي... هذا ما طلبه فؤاد." لكن صوتًا آخر قال: "لا تتركيه وحده." ترددت. ثم وقع بصرها على ممر جانبي ضيق لم تكن قد انتبهت إليه من قبل. كان مظلمًا تمامًا. وفي نهاية الممر ظهر ضوء خافت. سمعت فجأة صوت فؤاد يصرخ بأعلى صوته: "أريام... اهربي!" لم تتردد هذه المرة. أمسكت بالصندوق والملف، واندفعت داخل الممر بكل ما بقي لديها من قوة. كانت تركض دون أن تعرف إلى أين يقودها الطريق. كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها، وأنفاسها المتسارعة، وصدى المطاردة خلفها. بعد دقائق بدت كأنها ساعات، وصلت إلى باب حديدي نصف مفتوح. دفعت الباب بصعوبة. اندفعت أشعة الشمس إلى وجهها. خرجت إلى غابة كثيفة تحيط بها أشجار الصنوبر من كل جانب. توقفت للحظة تحاول استيعاب المكان. لكنها سمعت أغصانًا تتكسر خلفها. أحدهم خرج من النفق. التفتت لتجري... لتصطدم برجل يقف أمامها مباشرة. كادت تسقط، لكنه أمسكها قبل أن ترتطم بالأرض. ابتعدت عنه بسرعة. كان طويل القامة، يرتدي سترة جلدية داكنة، وعيناه الرماديتان تراقبان المكان بهدوء غريب. نظر إلى الملف بين يديها، ثم قال بصوت منخفض: "إذا كنتِ أريام... فقد تأخرتِ عشر سنوات." تراجعت خطوة. "من أنت؟" رفع نظره إليها، وأجاب بكلمة واحدة: "آدم." ظلّت أريام تحدق في وجه الرجل الغريب، بينما كانت أنفاسها تتسارع من شدة الركض والخوف. قال بثبات: "اسمي آدم السعدي... وليس لدينا وقت للأسئلة." عقدت حاجبيها وهي تشد الصندوق إلى صدرها. "كيف تعرف اسمي؟" لم يجب مباشرة، بل التفت إلى مدخل النفق، وكأنه ينتظر ظهور أحد. ثم قال بصوت هادئ: "لأنني كنت أراقبك منذ سنوات... بأمر من والدتك." شعرت أريام بأن الكلمات سقطت عليها كالصاعقة. "أمي؟!" هز رأسه. "قبل وفاتها طلبت مني أن أحميك إذا جاء اليوم الذي تُفتح فيه القضية من جديد." تراجعت خطوة. "هذا مستحيل... لقد توفيت وأنا ما زلت صغيرة." أجاب آدم: "كنت صغيرة، لذلك لم تكوني تعرفين كل شيء." وقبل أن تتمكن من الرد، دوّى صوت إطلاق نار من داخل النفق. استدار آدم بسرعة. ظهر القلق لأول مرة على وجهه. همس: "فؤاد..." اندفع نحو المدخل، لكنه توقف فجأة. نظر إلى أريام وقال بحزم: "اسمعيني جيدًا... إذا لم أخرج خلال عشر دقائق، اركبي السيارة الموجودة خلف الأشجار وغادري فورًا." أشار إلى سيارة رباعية الدفع كانت مخفية بين الأشجار الكثيفة. ثم أخرج من جيبه مفتاحها وألقاه إليها. التقطته بارتباك. "لكنني لا أعرف القيادة جيدًا." ابتسم ابتسامة قصيرة. "ستتعلمين اليوم." ثم اختفى داخل النفق. وقفت أريام وحدها. كانت تسمع أصوات الاشتباك تتردد في الأعماق. كل دقيقة تمر كانت تبدو ساعة كاملة. نظرت إلى المفتاح. ثم إلى الصندوق. ثم إلى مدخل النفق. كانت ممزقة بين الهرب والعودة. مرت دقائق ثقيلة. وفجأة... خرج رجل يركض من النفق. لم يكن آدم. كان أحد رجال رامي. رآها فورًا. صرخ: "ها هي!" بدأ يركض نحوها. استدارت أريام وانطلقت بأقصى سرعتها نحو السيارة. كانت يدها ترتجف وهي تحاول فتح الباب. سقط المفتاح من يدها. انحنت بسرعة لتلتقطه. وفي اللحظة نفسها، أصبح الرجل على بعد أمتار قليلة منها. صرخ: "لن تهربي!" وقبل أن يصل إليها... سمع صوت قوي يشق الغابة. توقف الرجل فجأة. نظر إلى صدره بدهشة، ثم سقط على ركبتيه قبل أن ينهار أرضًا. رفعت أريام رأسها وهي ترتجف. كان آدم يقف عند مدخل النفق. ثيابه ممزقة، ووجهه ملطخ بالغبار، لكن نظرته بقيت ثابتة. أمسك بيدها وفتح باب السيارة. قال بلهجة لا تحتمل النقاش: "اركبي!" جلست وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة. دار آدم حول السيارة، وجلس خلف المقود. انطلق بسرعة بين الأشجار. بعد دقائق طويلة من القيادة، بدأ الصمت يملأ السيارة. لم تعد أريام قادرة على الاحتمال. سألته بصوت مبحوح: "أين فؤاد؟" ظل صامتًا. أعادت السؤال، وهذه المرة كانت الدموع تملأ عينيها. "أين هو؟" أخفض آدم بصره للحظة. ثم قال: "لقد بقي هناك... حتى يمنحنا الوقت للهرب." شعرت أريام بأن قلبها انقبض. "هل... هل سيعود؟" ساد الصمت. ثم قال آدم بهدوء مؤلم: "لا أعرف." أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الأشجار تمر بسرعة، بينما اختلطت دموعها بانعكاس صورتها على الزجاج. وفي تلك اللحظة... صدر صوت تنبيه من الهاتف الموجود في جيب فؤاد، والذي كان آدم قد أخذه معه أثناء الهروب. نظر آدم إلى الشاشة. ظهرت رسالة قصيرة من رقم مجهول. "لقد حصلنا على نصف الحقيقة... وسنحصل على النصف الآخر قريبًا." تبادل آدم وأريام النظرات. ثم أمسك آدم بالمقود بقوة، وقال: "لقد بدأت اللعبة الحقيقية." نهاية الفصل السابع."حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"
بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ
بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر
بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم