登入بائعة الجسد
بقلم: DAMDOMA "ليست كل الطرق الوعرة تقود إلى الهلاك... فبعضها يقود إلى الحقيقة." كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب، ترسم خيوطًا ذهبية بين قمم أشجار الصنوبر التي غطت الطريق الجبلي. كانت السيارة تشق المنعطفات الضيقة بصعوبة، بينما يلف المكان صمت ثقيل لا يقطعه سوى هدير المحرك واحتكاك الإطارات بالحصى. جلست أريام إلى جوار النافذة، تحدق في الغابة الممتدة أمامها بعينين أنهكهما السهر والخوف. كان شعرها الأسود الطويل، الناعم بطبيعته، مبعثرًا فوق كتفيها بعدما عبثت به الرياح أثناء الهروب، وتسللت خصلات منه لتلتصق بوجنتيها الشاحبتين. أما عيناها العسليتان، اللتان كانتا تشعان بالحياة يومًا، فقد غطاهما حزن عميق جعلها تبدو أكبر من عمرها الحقيقي. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا أخفى نحافة جسدها، لكنها بقيت تضم الصندوق الخشبي إلى صدرها بكلتا يديها، كأنها تخشى أن ينتزعه منها الزمن كما انتزع منها كل شيء آخر. لم تنطق بكلمة منذ مغادرتهما النفق. كل ما كانت تسمعه هو صدى آخر كلمات فؤاد... "اهربي... ولا تنظري خلفك." أغمضت عينيها للحظة، لكنها سرعان ما فتحتهما وهي تحاول حبس دموعها. توقف آدم أمام كوخ خشبي صغير يختبئ بين الأشجار، حتى إن من يمر بالطريق المجاور لن يلحظه بسهولة. أطفأ المحرك وقال بصوته الهادئ: "سنكون بأمان هنا مؤقتًا." لم تجبه. نزلت من السيارة ببطء، وما إن لامست قدماها الأرض حتى استنشقت هواءً باردًا يحمل رائحة المطر والصنوبر. رفعت رأسها نحو الكوخ. كان بسيطًا، مبنيًا من أخشاب داكنة أكل الزمن أطرافها، تحيط به حديقة مهملة وسياج منخفض، بينما تصاعد دخان خفيف من مدخنته، وكأن المكان ما زال يحتفظ ببعض الدفء رغم وحدته. فتح آدم الباب ودخل أولًا. كان طويل القامة، يقارب المتر والتسعين، عريض الكتفين، يتحرك بثبات يوحي بأنه اعتاد مواجهة الأخطار. ارتدى سترة جلدية سوداء فوق قميص داكن، بينما كان شعره الأسود القصير مرتبًا رغم كل ما مر به خلال الساعات الماضية. أكثر ما شد انتباه أريام فيه عيناه الرماديتان؛ لم تكونا قاسيتين، لكنهما حملتا حزنًا عميقًا لا يخفى على من يدقق النظر. دخلت خلفه وهي تتلفت بحذر. من الداخل بدا الكوخ مختلفًا عما توقعته. مدفأة حجرية تتوسط الجدار، رفوف مليئة بالكتب، وطاولة خشبية تنتشر فوقها خرائط وأجهزة اتصال وحاسوب محمول. لكن شيئًا آخر جذب انتباهها... على الجدار المقابل علقت عشرات الصور، تتصل بخيوط حمراء كما لو كانت أجزاء لغز كبير. اقتربت بخطوات مترددة. رأت صورة لوالدتها ليلى. ثم صورة لفؤاد. ثم صورة قديمة لوالدها كمال. وقبل أن تبتعد بعينيها... توقفت أنفاسها. في منتصف اللوحة كانت هناك صورة لها. صورتها وهي تخرج من محل للخياطة قبل أشهر. وأخرى وهي تجلس في محطة الحافلات. وصورة ثالثة التقطت لها من بعيد وهي تمشي تحت المطر. استدارت نحوه بسرعة. "ما هذا؟" ظل آدم صامتًا. ارتفع صوتها وهي تشير إلى الصور. "من الذي التقط هذه الصور؟" أجاب بهدوء: "أنا." شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. "كنت تراقبني؟" "نعم." "منذ متى؟" ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم قال: "منذ وفاة والدتك." تراجعت خطوة إلى الخلف. كان الغضب يمتزج بالصدمة في عينيها. "كنت تراني أعيش كل ذلك... ولم تقترب؟" لم يرفع صوته. "لو فعلت... لكنتِ أصبحتِ هدفًا منذ سنوات." لم تجد ما تقوله. أدارت وجهها بعيدًا، تحاول استيعاب أن شخصًا غريبًا كان يراقب حياتها طوال هذه المدة. وبينما كانت تحاول تهدئة أنفاسها، وقع بصرها على دفتر قديم فوق الطاولة. مدت يدها نحوه دون تفكير. توقفت للحظة عندما لمست الغلاف. كانت تعرف هذا الدفتر... فتحته ببطء. ظهرت أول صفحة، وقد امتلأت برسومات لفساتين سهرة، وعباءات عصرية، وتصاميم بألوان مائية باهتة. ارتجفت شفتاها. "هذا... دفتري." مررت أصابعها برفق فوق أحد الرسومات. تذكرت الليالي التي كانت تقضيها بجوار أمها، ترسم أحلامها على الورق بينما كانت ليلى تبتسم وتقول: "يوماً ما سأراكِ تصنعين فساتين تُبهر العالم." ابتسمت أريام رغم الألم. كانت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت أول ابتسامة ترتسم على وجهها منذ بداية الكابوس. راقبها آدم بصمت، ثم قال: "أأنتِ من رسم كل هذه التصاميم؟" رفعت رأسها نحوه، وفي عينيها لمعة افتقدتها منذ زمن. "كنت أحلم أن أصبح مصممة أزياء..." ثم أغلقت الدفتر ببطء، وهمست: "...لكن بعض الأحلام تُدفن قبل أن تولد.""حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"
بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ
بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر
بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم