تسجيل الدخولبائعة الجسد
الفصل السادس: بقلم: DAMDOMA لم تستطع أريام أن ترى شيئًا بعدما انقطعت الكهرباء. تحولت القاعة الواسعة إلى بحر من الظلام، ولم يبقَ سوى ضوء خافت يتسلل من نافذة تحطم زجاجها قبل لحظات. ارتفع صوت الخادمة وهي تصرخ من الطابق العلوي، ثم أعقبه صوت ارتطام عنيف، لتعم الفوضى داخل الفيلا. أمسك فؤاد بمعصم أريام بقوة. قال بصوت منخفض، لكنه حازم: "استمعي إلي جيدًا... مهما سمعتِ أو رأيتِ، لا تتوقفي عن الركض." ارتجف صوتها وهي تسأله: "من هؤلاء؟" التفت نحو النافذة المحطمة، ثم قال: "أشخاص لا يريدون أن يخرج هذا الملف إلى النور." وفي اللحظة نفسها، دوى إطلاق نار في الخارج. ارتطمت إحدى الرصاصات بإطار النافذة، وتناثرت شظايا الزجاج فوق الأرضية الرخامية. شهقت أريام، وأغمضت عينيها غريزيًا. لكن فؤاد جذبها بسرعة نحو ممر جانبي. كان الممر ضيقًا ومظلمًا، ولا يضيئه سوى مصباح صغير مثبت على الحائط. كانا يركضان بينما تتردد خلفهما أصوات الأقدام. أحد الرجال صاح من الخارج: "فتشوا الفيلا... لا تدعوهم يهربون!" ازدادت أنفاس أريام سرعة، وشعرت أن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. توقفت للحظة وهي تضع يدها على صدرها. "لا أستطيع..." نظر إليها فؤاد بجدية. "تستطيعين... إذا أمسكوا بك فلن يمنحوك فرصة ثانية." استجمعت ما بقي لديها من قوة، وأكملت الركض. وصلا إلى مكتبة كبيرة في نهاية الممر. كانت الجدران مغطاة برفوف الكتب من الأرض حتى السقف. لوهلة ظنت أريام أن الطريق انتهى. لكن فؤاد اتجه إلى أحد الرفوف، وسحب كتابًا قديمًا يحمل عنوان "تاريخ المدن المنسية". صدر صوت ميكانيكي خافت. ثم بدأت المكتبة تتحرك ببطء، كاشفة عن باب حجري مخفي خلفها. اتسعت عينا أريام. "ممر سري؟" ابتسم فؤاد لأول مرة منذ التقيا. "هذا المنزل بني قبل أكثر من خمسين عامًا، وصاحبه الأصلي كان يخشى الاغتيال." فتح الباب، فاندفعت نحوهما رائحة التراب والرطوبة. كان خلفه درج حجري ضيق ينزل إلى الأسفل. قال فؤاد: "انزلي بحذر." بدأت أريام تنزل، بينما أغلق فؤاد الباب الحجري خلفهما. غرقا في ظلام دامس. أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه وأشعله. ظهر نفق طويل يمتد تحت الأرض. كانت جدرانه من الحجر القديم، والماء يتساقط من السقف في قطرات منتظمة. قالت أريام بصوت مرتجف: "منذ متى تعرف هذا المكان؟" أجاب وهو يتقدم أمامها: "منذ أن وعدت والدتك أن أحميك إذا حدث لها مكروه." توقفت فجأة. "كنت تعرف أمي جيدًا، أليس كذلك؟" ساد الصمت. ثم قال: "كانت أشجع امرأة عرفتها في حياتي." قبل أن تسأله المزيد... وصل إليهما صوت مكتوم من الأعلى. كان رجال الشبكة قد اكتشفوا الغرفة السرية. قال فؤاد بسرعة: "لقد وجدوا المدخل... أسرعي." أمسكت أريام بالملف الأسود بقوة إلى صدرها، وانطلقت تركض داخل النفق، بينما كانت تسمع أصواتًا بعيدة تقترب شيئًا فشيئا كانت خطواتهما تتردد داخل النفق الحجري، بينما كانت أصوات المطاردين تقترب شيئًا فشيئًا من المدخل السري. لم تشعر أريام من قبل بمثل هذا الخوف. كانت تركض وهي تضم الملف الأسود إلى صدرها، وكأنه آخر ما تبقى لها من الحقيقة. التفتت إلى فؤاد وسألته بصوت متقطع من شدة التعب: "إلى أين يقود هذا النفق؟" أجاب وهو يواصل السير بسرعة: "إلى خارج المدينة... لقد بُني منذ سنوات طويلة ليكون طريق هروب في حالات الطوارئ." استمرت في الركض خلفه، لكن عقلها كان يغرق في الأسئلة. من كان فؤاد حقًا؟ ولماذا خاطر بحياته من أجلها؟ ولماذا كانت والدتها تثق به إلى هذا الحد؟ قطعت أفكارها أصوات انفجارات خافتة من خلفهما. توقف فؤاد فجأة، وأطفأ المصباح. غرق النفق في الظلام. همس: "لا تتحركي." حبست أريام أنفاسها. بعد ثوانٍ، سمعت أصوات رجال فوق الممر مباشرة. كانوا يتحدثون بصوت منخفض. قال أحدهم: "لابد أنهم مروا من هنا." ورد آخر: "فتشوا كل المداخل... الزعيم يريد الملف قبل الفجر." ارتجف جسد أريام. إذن هم لا يبحثون عنها فقط... بل عن الملف أيضًا. انتظر فؤاد حتى ابتعدت الأصوات، ثم أشعل المصباح من جديد. تابعا السير بحذر. بعد مسافة طويلة، وصلا إلى باب حديدي صدئ. أخرج فؤاد المفتاح الفضي الذي كان مع الرسالة، وأدخله في القفل. نظرت إليه بدهشة. "إذن كنت تعرف مكانه." ابتسم ابتسامة حزينة. "لا... والدتك هي التي تركت لي التعليمات." دار المفتاح بصعوبة. ثم انفتح الباب ببطء، كاشفًا عن غرفة صغيرة مليئة بالصناديق الخشبية القديمة. كان الغبار يغطي كل شيء. وفي وسط الغرفة طاولة خشبية عليها صندوق صغير مغلق. اقترب فؤاد منه. مرر يده على الغبار، ثم قال: "وصلنا." نظرت أريام إلى الصندوق. "ما الذي بداخله؟" أجاب: "جزء من الحقيقة." فتح الصندوق بحذر. وجدت بداخله دفترًا جلديًا قديمًا، وعدة أقراص تخزين، وصورة أخرى لوالدتها. لكن هذه المرة لم تكن وحدها. كانت تقف مع فؤاد... ورجل ثالث لم تره من قبل. على ظهر الصورة كلمات بخط والدتها: "إذا افترقنا... فأكملوا الطريق." اغرورقت عينا فؤاد بالدموع. قال بصوت خافت: "كنت أظن أننا سنحميها..." قبل أن يكمل... سمع صوت صفارة إلكترونية. نظر بسرعة إلى أحد الأجهزة القديمة في الغرفة. ظهرت عليه إشارة حمراء. تغير لون وجهه. "لقد وجدوا المخرج." ارتبكت أريام. "كيف؟" "هناك من كشف مكان النفق." أغلق الصندوق بسرعة، وسلمه إلى أريام. "احتفظي به... مهما حدث لا تسمحي لأحد بأخذه." "وأنت؟" ابتسم ابتسامة هادئة لأول مرة. "إذا افترقنا... ابحثي عن آدم السعدي." "ومن يكون آدم؟" لم يجب. فجأة دوى انفجار هز الغرفة بأكملها. تساقطت الحجارة من السقف، وامتلأ المكان بالغبار. اندفع فؤاد نحو أريام ودفعها خلف أحد الجدران الحجرية لحمايتها. وبينما كانت تحاول استعادة أنفاسها... سمعت صوت رجل يقترب من الجهة الأخرى وهو يقول بثقة: "انتهت اللعبة يا فؤاد... سلّم الفتاة والملف." نظر فؤاد إلى أريام، وقال بصوت ثابت: "مهما سمعتِ بعد الآن... لا تخرجي من مكانك." ثم تقدم وحده نحو الظلام... لتبدأ المواجهة الأولى."حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"
بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ
بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر
بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم







