Se connecterبائعة الجسد
بقلم: DAMDOMA "هناك طرقات لا تعلن وصول الضيف... بل بداية الكارثة." ساد الصمت داخل الكوخ. كان الظلام كثيفًا حتى إن أريام لم تعد ترى سوى ألسنة النار المتراقصة داخل المدفأة، ترسم ظلالًا متحركة على الجدران الخشبية. طق... طق... طق... تكرر الطرق على الباب، أبطأ من السابق، وأكثر إصرارًا. أمسك آدم بمسدسه، وتحرك بخطوات هادئة نحو الباب، بينما وقف هشام إلى جانبه، وقد تبدلت ملامحه الهادئة إلى نظرة حادة اعتادت مواجهة الأزمات. أما أريام، فتراجعت غريزيًا نحو زاوية الغرفة وهي تضم القلادة الفضية والرسالة إلى صدرها. لاحظ هشام خوفها، فأشار إليها بصوت خافت: "إذا حدث أي شيء... اصعدي إلى العلية. هناك مخرج خلفي." أومأت برأسها دون أن تتكلم. كان قلبها يخفق بعنف حتى ظنت أن الطارق سيسمعه. اقترب آدم من الباب دون أن يفتحه، وقال بصوت ثابت: "من هناك؟" جاءه صوت رجل من الخارج: "لا تطلق النار... أنا وحدي." نظر آدم إلى هشام، لكن الأخير هز رأسه بالنفي، وكأنه لا يعرف صاحب الصوت. قال آدم: "اذكر اسمك." ساد صمت قصير. ثم جاء الرد: "اسمي... زياد." قطب آدم حاجبيه. فتح الباب مسافة صغيرة، وهو لا يزال يوجه المسدس إلى الخارج. وقف شاب في أواخر العشرينيات تحت المطر الغزير. كان متوسط القامة، نحيف البنية، يرتدي نظارة ذات إطار أسود، وسترة زرقاء مبتلة بالكامل، ويحمل حقيبة حاسوب على كتفه. بدا مرهقًا، لكن عينيه الواسعتين كانتا تتحركان بسرعة، كأنهما تبحثان عن أي خطر. رفع يديه ببطء. "لو كنت عدوًا... لما جئت وحدي." خفض آدم سلاحه قليلًا. "كيف عثرت علينا؟" تنهد زياد وهو يدخل الكوخ. "لأن أحدًا اخترق شبكة الاتصال الخاصة بنا." ساد الصمت. نظر هشام إلى آدم. قال بصوت منخفض: "إذن... كان شكي في محله." أغلق آدم الباب بإحكام. ثم التفت إلى زياد. "اشرح." فتح زياد حقيبته بسرعة، وأخرج حاسوبًا محمولًا صغيرًا. وضعه على الطاولة، وشغله بواسطة بطارية احتياطية. بعد ثوانٍ، ظهرت خريطة مليئة بنقاط حمراء. قال وهو يشير إلى الشاشة: "هذه ليست مواقعنا..." بل مواقع الأشخاص الذين يراقبوننا. اقتربت أريام بحذر. كانت تلك أول مرة ترى هذا الشاب. رغم مظهره الهادئ، كان يتحدث بسرعة وثقة، وكأن عقله يعمل أسرع من الجميع. قال زياد: "قبل ساعة التقطت إشارة غريبة خرجت من هذا الكوخ." نظر آدم إليه بحدة. "هذا مستحيل." رد زياد: "كنت أظن ذلك أيضًا... حتى اكتشفت أن الإشارة خرجت بعد تشغيل بطاقة الذاكرة." شعرت أريام ببرودة تسري في أطرافها. "تقصد... أن البطاقة كانت ترسل موقعنا؟" هز زياد رأسه. "ليلى كانت ذكية جدًا... لكنها كانت تعرف أيضًا أن الشبكة أذكى مما نتخيل. يبدو أنهم زرعوا داخل البطاقة برنامج تتبع منذ سنوات." أغلق الحاسوب، ثم نظر إلى آدم مباشرة. وقال الجملة التي جعلت الجميع يصمت: "ولم يبق أمامنا أكثر من عشر دقائق... قبل أن يصلوا إلى هنا." "الشجاعة ليست غياب الخوف... بل اتخاذ القرار رغم وجوده." ساد صمت ثقيل بعد كلمات زياد. كانت ألسنة النار المتراقصة في المدفأة هي المصدر الوحيد للضوء، بينما انعكست ظلالهم على الجدران الخشبية وكأنها أشباح تراقبهم. نظر آدم إلى ساعته. "عشر دقائق..." ثم رفع رأسه نحو زياد. "هل أنت متأكد؟" أجابه بثقة: "للأسف... نعم. التقطت ثلاث سيارات تغادر الطريق الرئيسي متجهة إلى هذا الجبل." اقترب هشام من النافذة بحذر، وأزاح الستارة قليلًا. في الأفق، كانت أضواء باهتة تتحرك بين الأشجار. همس: "إنهم قادمون." شعرت أريام بأن الخوف عاد يطبق على صدرها. لكنها هذه المرة لم تختبئ. بل تقدمت نحو الطاولة، ونظرت إلى الصندوق والرسالة والقلادة. قالت بصوت ثابت، وإن كان يرتجف قليلًا: "لن أهرب مرة أخرى." نظر إليها الجميع. اقترب آدم منها. "ليس هذا وقت البطولة." رفعت رأسها، والتقت عيناها بعينيه. "أنا لا أبحث عن البطولة... أنا تعبت من الهروب." ساد الصمت. لأول مرة، لم يرَ آدم أمامه تلك الفتاة المكسورة التي أنقذها من النفق، بل رأى امرأة بدأت تستعيد إرادتها. ابتسم هشام ابتسامة خفيفة. وقال: "ليلى كانت تنظر بالطريقة نفسها عندما تتخذ قرارًا." احمر وجه أريام قليلًا. ثم سألت: "إذا كانوا يتعقبون البطاقة... فلماذا لا نتركها هنا؟" نظر إليها زياد بإعجاب. "فكرة جيدة." ابتسم آدم لأول مرة منذ وصوله إلى الكوخ. "كنت سأقترح الأمر نفسه." شعرت أريام بشيء من الثقة. ربما لم تكن خبيرة بالمطاردات أو التحقيقات... لكنها كانت قادرة على التفكير. فتح زياد حقيبته، وأخرج جهازًا صغيرًا بحجم كف اليد. وضع بطاقة الذاكرة بداخله. قال: "سأجعل الإشارة تبقى هنا حتى بعد مغادرتنا." سألت أريام: "وكأننا ما زلنا داخل الكوخ؟" أجاب مبتسمًا: "تمامًا." بعد دقائق قليلة، كان الجميع يستعد للمغادرة. أخذ آدم الأوراق والمفكرة. حمل هشام حقيبة صغيرة. أما أريام... فوقفت أمام المدفأة للحظة. تأملت المكان. هذا الكوخ لم تعرفه إلا لساعات... لكنه كان أول مكان شعرت فيه أن أحدًا يراها كإنسانة، لا كضحية. وضعت دفتر رسوماتها داخل حقيبتها بعناية. همست لنفسها: "لن أترك حلمي مرة أخرى." سمعها آدم، لكنه لم يعلق. اكتفى بابتسامة خفيفة. خرج الأربعة من الباب الخلفي. كان المطر قد اشتد، والضباب غطى الطريق الجبلي. قادهم آدم عبر ممر ضيق بين الأشجار. كان يعرف المكان جيدًا. بعد نحو عشر دقائق من السير... وصلوا إلى مرتفع صخري يطل على الكوخ من بعيد. أشار آدم إلى الأسفل. "انتظروا." بعد أقل من دقيقة... اخترقت ثلاث سيارات سوداء الغابة، وتوقفت أمام الكوخ. ترجل منها رجال مسلحون. كانوا يتحركون بسرعة، يحيطون بالمكان من كل الجهات. أحدهم أعطى إشارة بيده... ثم اقتحموا الكوخ. راقبت أريام المشهد بصمت. لو تأخروا دقائق فقط... لكانوا الآن في الداخل. لكن المفاجأة كانت أن آخر رجل نزل من السيارة لم يكن يحمل سلاحًا. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وقف أمام الكوخ رافعًا رأسه بثقة. ورغم أن الضباب أخفى جزءًا من وجهه... إلا أن آدم تعرف عليه في اللحظة نفسها. تغير لون وجهه. وقال بصوت يكاد لا يُسمع: "لا... ليس هو..." سأله هشام بسرعة: "من؟" أجاب آدم وهو يحدق في الرجل البعيد: "سليم المنصوري..." الاسم الذي لم تكن أريام قد سمعته من قبل... لكنها لم تكن تعلم... أن هذا الرجل سيغيّر حياتها إلى الأبد. نهاية الفصل العاشر."حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"
بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ
بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر
بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم